القطيعة المعرفية –في ظني- مسألة نسبية التصديق، خاصةً عندما ندخل دائرة تراثنا الإسلامي؛ ذلك لأن الأفكار لا تموت، ولا تُستحدث من عدم، بسبب الطبيعة التراكمية الجدلية للمعرفة والعلم. ويصبح الأمر أكثر تعقيدًا في ثقافتنا العربية لطبيعتها المتشاجرة، أي التي تتداخل مجالاتها، تداخُل فروع الأشجار وأغصانها؛ حيث تعثر على ما هو ديني خلال ما هو أدبي أو بلاغي، وكذلك العكس صحيح.

ثمة مفارقة تكون مع القرآن الكريم، فعلى الرغم من أنه الكانون Canon، أي المعتمد الأدبي الذي يفترض محاكاته والاقتداء به، فإن الأمر يختلف مع هذا النص الإلهي المُعجِز، فهو الكانون الذي لا تجوز محاكاته، فإن في ذلك خرقًا للمقدس والتابوهات، فما الحل لهذه المفارقة؟

لقد اتُّهم أبو العلاء المعري –ومن قبله المتنبي– خلال محاولات التشويه للشخصية الإنسانية تمهيدًا لتشويه الشخصية الفنية ومن أجل صرف النظر عن شعره وأدبه، برغبته في محاكاة القرآن، وغيَّر المدعون عليه عنوان كتاب أبي العلاء، إلى «الفصول والغايات في محاذاة السور والآيات»، بدلًا من كونه في تمجيد الله والمواعظ. [1]

وافتروا عليه، أنه قال لمن أنكر عليه ذلك «انتظروا حتى تلوكه الألسن في المحاريب أربعمائة عام، ثم انظروا». [2]

ربما يتمثل ذلك الحل في الإفادة مما تضمنه من إشارات إلى خصائصه، أو بالأدق هويته، أي هوية الكلام المعجز والاكتمال الفني، وعلى هذا الجسر يمكن أن تتسرب خصائص الكانون الإلهي إلى الكلام البشري.

فثمة تراسل وتبادل للتأثير، وانتقال سهل من مجال إلى مجال، ونضرب لذلك أمثلة، بتحول آيات قرآنية إلى معايير نقدية، امتدت من دائرة المقدس، لتُطبَّق على ما هو دنيوي كالشعر، مثال ذلك الآية الكريمة:

«أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا»
سورة النساء: آية 82.

والتي يفسرها أبو جعفر الطبري بقوله:

أفلا يتدبرون يا محمد كتاب الله ليعلموا حجة الله عليهم في طاعتك واتباع أمرك، وأن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم باتساق معانيه، وائتلاف أحكامه، وتأييد بعضه بعضًا بالتصديق، فإن ذلك لو كان من غير الله لاختلفت أحكامه وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض، قال ابن زيد: إن القرآن لا يكذب بعضه بعضًا ولا ينقص بعضه بعضًا. [3]

وعندما انتقلت هذه الآية إلى مجال البحث في إعجاز القرآن، نجد الباقلاني الأشعري (ت 403 هـ) في كتابه «إعجاز القرآن»، يتخذ منها معيارًا للتمييز بين النص القرآني وبين النصوص البشرية، وينقلها إلى مجال التمييز بين الأساليب؛ عندما يتحدث عن أن نظم القرآن لا يختلف ولا يتفاوت، مهما تتعدد أغراضه ومعانيه:

إن عجيب نظمه وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف إليه من الوجوه، من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج وحكم وأحكام… ونجد كلام البليغ الكامل والشاعر المفلق، والخطيب المصقع، يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور، فمن الشعراء مَن يجود في المدح، ومنهم من يبرز في الهجو دون المدح، ومتى تأملت شعر الشاعر البليغ رأيت التفاوت في شعره، على حسب الأحوال التي يتصرف فيها، فيأتي في الغاية في المعنى، فإذا جاء إلى غيره قصر عنه. [4]

ونجد أن كلامه يتضمن أمورًا متعددة:

  • أولها: تنزيه الله سبحانه وتعالى.
  • الثاني: إن القرآن قد استمد قداسته من نسبته إلى الله، كما استمد من ذلك أيضًا ثبات مستواه البلاغي، فلا يتفاوت نظمه من معنى إلى معنى.
  • الثالث: إن الشعر لأنه إنتاج بشري، والبشر تاريخيون، تؤثر فيهم عوامل الزمان والمكان، لذلك تختلف طبائعهم، ومواهبهم، فمن يجيد في المدح قد لا يجيد في الهجاء، ثم إن هذا النقص البشري في مقابل الكمال الإلهي، يعرض كلام صاحبه للارتفاع عند نظم معنى، والانحطاط عند نظم معنى آخر.

وامتد ذلك إلى النقد الخالص للشعر، فبرز خلال الخصومة النقدية بين أنصار كل من البحتري، وأنصار أبي تمام، وأراد خلالها أبو القاسم الآمدي (ت 370هـ) في الموازنة بين شعر الشاعرين في حياد وموضوعية، فخانه ذوقه، وانحاز إلى البحتري.

فذكر أن شعر أبي تمام:

لا يتعلق بجيده جيد أمثاله، ورديه مطرح مرذول، وأن شعر البحتري صحيح السبك، حسن الديباجة، ليس فيه سفساف ولا ردي ولا مطروح، ولهذا صار مستويًا يشبه بعضه بعضًا. [5]

وانتهى الآمدي إلى الحكم بتفضيل شعر البحتري لأن «شعر أبي تمام شديد الاختلاف، وشعر البحتري شديد الاستواء، ومستوى الشعر أولى بالتقدمة من المختلف الشعر». [6]

وإذا كان الشاعر –في رأينا– يُقاس بأعلى غاية في مستويات الجودة الفنية، يبلغها، أو يحققها، ويصل إليها، فإن النقاد قد تطلبوا من أبي تمام أن يكون –مثل البحتري– مستوي الشعر يبلغ مرتبة وسطى، يتوقف عندها، فلا تتباين درجات بلاغته. تلك فكرة النقص البشري في مقابل الكمال الإلهي تحولت لمعيار نقدي، يحكم الموازنة بين أبي تمام والبحتري.

وتبدو القضية التي نحن بصددها أكثر وضوحًا مع القاضي الجرجاني، وقد حاول أيضًا على مستوى الوعي، أن يكون ناقدًا منصفًا، امتدت صناعته قاضيًا إلى نقده، وظهرت خلال مقدمته لكتابه «الوساطة بين المتنبي وخصومه» ومتنه، عبارات أو كلمات الحكم والعدل، والإنصاف، مثل قوله: «ولو أنصف أصحاب هؤلاء، ومتى أنصفت علمت، ثم تحكم حكم المنصف المتثبت، وتقضي قضاء المقسط المتوقف». ويُلاحظ أن هذه اللغة مستمدة من مجال النصوص الدينية التي أمرنا الله خلالها أن نحكم بين الناس بالعدل، وأن نقسط إليهم.

ولكن الناقد لم يلجأ إلى موازنة نقدية بين شعر المتنبي وغيره، وإنما وقف بحكم ثقافته الدينية، مُستظلًّا بالآيات القرآنية:

الأولى قوله تعالى:

إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ
سورة هود: آية 114.

وذلك عندما عقد فصولًا لسيئات المتنبي، أو بعبارة أدق سقطاته الفنية التي أحصاها عليه نقَّاده، لم يناقشها متعمقًا شعريًّا، وعقد فصولًا لحسناته، أو للمُستجاد من شعره، لتمحو الحسنات تلك السيئات.

الآية الثانية التي وقف تحتها القاضي الجرجاني هي قوله تعالى:

قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ
سورة يوسف: آية 77.

فإذا أورد بحكم أمانته؛ فهو قاضٍ عادل، ما ذكره نقاد المتنبي من سرقاته، اعتذر عنها بسرقات غيره من الشعراء، وهذا يقترب بنا من مفهوم التناص، فليست هناك نصوص بكر، وإنما كل النصوص مستمدة من غيرها من النصوص، ومعاد إنتاجها من نصوص عديدة.

ولكن أليست الممارسة النقدية ضربًا من مواجهة النصوص الأدبية، يتم خلالها إعادة إنتاجها وفق مكوناتنا الثقافية، ومدائننا النفسية، وأوضاعنا الاجتماعية، بلا وعي منا في الغالب، ثم تكون عودة إلى الوعي، لنمارس عمليات الرصد، والتحليل، والموازنة، والمقارنة، من أجل الكشف عن الشخصية الفنية المتميزة للنص الأدبي، وموقعته على خارطة تراثنا الأدبي القومي ثم العالمي.

ألا تلاحظ معي أن ما قدمه القاضي الجرجاني يمزج بين النقد الأدبي والتسامح الإسلامي!

ثم نتوقف أخيرًا عند قول الرسول (صلى الله عليه وسلم): «إنما الأعمال بخواتيمها» صحيح مسلم رقم 2651، حيث يتم تصور الإنسان نصًّا شفويًّا، يتشكَّل في الزمن، ينداح كله، فلا يتبقى منه سوى آخره أو نهايته، التي تظل مدوية في الأسماع، وقد امتد هذا إلى النقد الأدبي، فكانت عناية النقاد العرب بمطالع القصائد، لأنها أول ما يقرع الأسماع، ولكن عنايتهم الجلية، كانت إلى ما يختتم به الشاعر قصيدته.

ويُلاحظ أن الشعراء أو ربما الرواة، كانوا ينخلون القصيدة، فيجعلون في خواتيمها أبيات الحكمة، وربما كانت واردة أثناء القصيدة، لكنها وصلتنا في صورتها النهائية، على أيدي الرواة مجتمعة في ختام القصيدة، ولذلك دلالة كبرى، على أن الحكمة التي توجز التجربة الإنسانية، وتقدمها في صياغة منطقية، تحرص على الصدق، أكثر من أي شيء آخر.

وربما تخلو من جماليات الشعر، تصبح تلك الحكمة أهم مما تتضمنه القصيدة من تخييل وتصوير وفن وهكذا تكون نهاية النص الإنساني والنص اللغوي نهاية حكيمة.

لذلك اشترط نقاد العرب إجادة الانتهاء لأنه «آخر ما يبقى   في الأسماع» [7]، وعدُّوا الخاتمة «قاعدة القصيدة وآخر ما يبقى منها في الأسماع، وسبيله أن يكون محكمًا لا تمكن الزيادة عليه، ولا يأتي بعده أحسن منه». [8]

فقد انتقلت هذه المعايير النقدية من المقدس؛ من النصوص الدينية التي وردت فيها ابتداءً إلى الدنيوي أي النقد الأدبي.

المراجع
  1. يوسف البديعي، أوج التحري عن حيثية أبي العلاء المعري، تحقيق إبراهيم الكيلاني، دمشق، 1944، ص42. الطبري، جامع البيان عن تأويل أي القرآن، تحقيق بشار معروف، وعصام الحرستاني، المجلد الثاني، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1994، ص513.
  2. الطبري، جامع البيان عن تأويل أي القرآن، تحقيق بشار معروف، وعصام الحرستاني، المجلد الثاني، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1994، ص513. الباقلاني، إعجاز القرآن، تحقيق السيد أحمد صقر، القاهرة، دار المعارف 1971، ص36–37.
  3. الباقلاني، إعجاز القرآن، تحقيق السيد أحمد صقر، القاهرة، دار المعارف 1971، ص36–37. الآمدي، الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري تحقيق السيد أحمد صقر، القاهرة، دار المعارف، 1992، ص3.
  4. الآمدي، الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري تحقيق السيد أحمد صقر، القاهرة، دار المعارف، 1992، ص3. المرجع السابق.
  5. المرجع السابق. ابن رشيق القيرواني، العمدة، تحقيق محي الدين عبد الحميد، القاهرة، المكتبة التجارية، الطبعة الثالثة، الجزء الأول، ص239.
  6. ابن رشيق القيرواني، العمدة، تحقيق محي الدين عبد الحميد، القاهرة، المكتبة التجارية، الطبعة الثالثة، الجزء الأول، ص239. المرجع السابق.
  7. المرجع السابق.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.