انتهت حرب الأفيون بهزيمة الإمبراطورية الصينية هزيمةً مُهينةً أمام بريطانيا العظمى وفرنسا. إثر تلك الهزيمة رضخت الصين في عام 1860 لشروط مُجحفة وضعتها الأطراف المنتصرة، منها التنازل عن بعض أراضيها لصالح بريطانيا، أهم المناطق المُتنازل عنها «هونج كونج». كما سمحت الصين مُجبرةً على فتح أبوابها أمام إنشاء السفارات والبعثات الدبلوماسية الغربية. الأبرز هو أن الصين لم يعد بمقدورها الوقوف أمام التجارة الأوروبية الواردة إليها والتي كان على رأس بضائعها مخدر الأفيون. وتتجلى مرارة الهزيمة في قبول الصين لنقل مئات الآلاف من مواطنيها في سفن «الجحيم العائم» ليحلّوا محل المواطن الأوروبي في أعمال الزراعة والمناجم.

حين وجدت القيادة الصينية نفسها محاصرة بكل ما هو أجنبي، رأت أن الحل هو الاستمتاع بالتماهي مع النموذج الغربي تمامًا دون مقاومته. فأُطلقت حركة «إصلاح المائة يوم». الحركة كان هدفها هو إعادة خلق التنين الصيني بما يتناسب مع المعايير الغربية، لكن لم يُكتب لها النجاح. اصطدامها الأول كان مع المحافظين من حكام الأقاليم، ثم كانت المفاجأة بانضمام البلاط الإمبراطوري أيضًا لهذه المعارضة.

اقرأ أيضًا: حرب الأفيون: كيف أذل «الكيف» شعبًا كاملًا؟

إذن، فالوضع حاليًا أن الشعب والإمبراطور كليهما ناقم على الوجود الأجنبي، لا هما قادران على تجرّعه بصمت ولا قادران على التأقلم معه. الغضب الشعبي والإمبراطوري امتد ليشمل الحملات التبشيرية الأجنبية، فالدعوة للمسيحية ليست إلا خدعةً أوروبيةً لتقسيم الصين وابتلاع شعبها.

كذلك كان للمفوضيات الأوروبية امتيازات تجعلها فوق المساءلة من قبل أي سلطة صينية، حتى أن اللصوص كانوا يختبئون خلف مقر البعثة الدبلوماسية الألمانية فلا يجرؤ المسروق أو رجال الأمن الصيني على المساس بهم. زادت عمليات النهب والسلب في محيط البعثات الدبلوماسية، وحين حاول السفير الألماني مخاطبة اللصوص للخروج وتسليم أنفسهم للشرطة الصينية قتلوه، فأرسلت الدول الأوروبية مزيدًا من الجنود للانتقام لمقتل السفير الألماني، لكنهم بدءوا في القصاص من الشعب لا اللصوص.

بجانب كل هذه العوامل البشرية والسياسية عانى فلاحو الصين، فذلك الظرف تزامن مع جفاف الأراضي إزاء انقطاع المطر. هذا المناخ الخانق لم يكن له حل له سوى «ثورة الملاكمين».


أجساد لا يخترقها الرصاص

اسمهم الملاكمون لكنّهم ليسوا كما تتصور، هم فلاحون. مجموعة من الفلاحين البسطاء كونوا جماعةً مسلحةً سريةً. أشرقت شمسهم في الأقاليم الشمالية من الصين ثم امتدت لتشمل بقية الإمبراطورية. اسمهم الأول كان «القبضات الصالحة والمتناغمة»، ثم عرفوا باسم «الملاكمين» بسبب تدربهم المستمر على مهارات القتال الصيني القديم. هذه التدريبات كان دافعها في ذهن أصحابها بسيطًا للغاية؛ «إذا أتقنّها ستصبح أجسادنا مُدرعةً أمام الرصاص والمدافع».

بسيوفٍ لامعة ومهارات قتال بدائية اندفع الملاكمون للفتك بكل ما ليس صينيًا. كل ما هو أجنبي الشكل واللغة والدين صار مُهددًا. كانت إبادة الأجانب مرحلةً أولى قبل توجيه الغضب نحو الأسرة الحاكمة، إلا أن سلالة «تشينج» الحاكمة استطاعت أن تُدير الأمور ببراعة، لذا تحول شعار الملاكمين من «إبادة الأجانب ثم إبادة الأسرة الحاكمة» إلى «مساندة الأسرة الحاكمة وإبادة الأجانب». هذا التحول سببه الدعم السري غالبًا والرسمي أحيانًا، الذي تلقاه الملاكمون من الأسرة الحاكمة. وبجانب الدعم للملاكمين كانت الأسرة الحاكمة تُطمئن الدول الأجنبية على رعايها، وأنها سوف تحرص ألا يطالهم الغضب الشعبي.

سرعان ما وصل الملاكمون إلى أسوار العاصمة بكين، وعلى عتباتها شرعوا في قتل المسيحيين والأجانب علانيةً في الميادين العامة. كما أحرقوا كل كنيسةٍ رأوها، والمنازل والسكك الحديدية، حتى المدارس! تتعمد العديد من المراجع الأجنبية ذكر تلك الأحداث باعتبارها جريمة بادر الملاكمون بارتكابها دون سبب، لكن بعضًا من التدقيق يقول غير ذلك.

قطعًا لا يمكن نفي كونها جرائم، لكنها كانت رد الفعل لا الفعل. ففي 11 يونيو/ حزيران 1900 ألقى الوزير الألماني وجنوده القبض على صبيّ يرتدي زي الملاكمين وأعدموه دون أي مبرر. حادثة الإعدام تلك هى القطرة التي طفح بها كيل الملاكمين، فاقتحموا بكين وفعلوا بها ما سبق ذكره.


ثماني دول تحارب الملاكمين

أمام غضب الملاكمين الذي لا يُفرّق بين عدوٍ ومواطن لم يجد الأجانب والمسيحيون بدًا من الاحتماء بدار المُفوضيّات مقر البعثات الأجنبية. فتبعهم الملاكمون إلى هناك، ولم يكن من المتوقع أن يصمد الحرس الدبلوماسي أمام الملاكمين الغاضبين إلى أن تدخل الإمبراطور الصيني، لا لردع الملاكمين بل لإصدار أمر رسمي بقتل كل أجنبي في البلاد.

الاختلاف في مواقف الأسرة الإمبراطورية يُفسر على احتمالين؛ الأول، هو البراعة والحيلة السياسية، والثاني، هو أنه كان تضاربًا وصراعًا حقيقيًا بين الإمبراطورة الأم «تسي تشي» المعارضة للملاكمين وابنها ووريث عرشها المؤيد للملاكمين. التضارب الذي فتك بجيش الأدميرال إدوارد سيمور، إذ سمح الجيش الصيني لهم بدخول حدود الصين بناءً على تعليمات الأم، ثم هجم عليهم جانبٌ آخر من الجيش بعد عدة كيلو مترات من دخولهم الحدود الصينينة.

هنالك أدركت الدول الأجنبية أنّها تعرضت للخداع والإهانة، وأنها إذا لم تهب سريعًا لإنقاذ رعايها فسيعودن إليها جثامين، أو قد لا يعودون.تحالف من ثماني دول على رأسهم اليابان لقربها من المشهد ومعها روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والنمسا وألمانيا وإيطاليا. كما شارك بعض الصينيين في القتال كانوا يخدمون في الجيش البريطاني.

لا شيء سيصمد أمام هذا التحالف الهائل، يوم واحد من القتال وصار التحالف على مشارف العاصمة. في 14 أغسطس/ آب 1900 استطاع التحالف أن يُحرر الرعايا المحاصرين في دار المفوضيات. راح في الحرب التي دارت بين الملاكمين وتحالف الدول الثمانية ما يُقارب 35 ألف مسيحي من مختلف الطوائف، 200 جندي من التحالف، و100 ألف من الملاكمين. خشيت الإمبراطورة الصينية «دوجر تسي تشي» على نفسها فهربت من بكين تاركةً من يفاوض قوات التحالف. بعد ما يقارب العام توصل الطرفان إلى توقيع «اتفاق الملاكمين» لتُضاف مزيد من القيود الأجنبية المهينة على الصين.


بروتوكول الملاكمين

https://www.youtube.com/watch?v=0l4C3vZudZI

ا لاتفاق نص على معاقبة مسئولي تلك الحركة بالإعدام، كما يُحظر على الصينيين الانضمام إلى أي جماعة مناهضة للأجانب. كذلك حُرمت الصين من استيراد السلاح لمدة عامين، كما فُرض عليها تمركز قوات أجنبية بجانب كل بعثة دبلوماسية من أجل حمايتها. وفوق كل تلك العقوبات أُجبرت الصين على دفع تعويضات مالية ضخمة للدول التي اشتركت في التحالف، تُقدر تلك التعويضات بـ330 مليون دولار عام 1901.

تلك العقوبات الصارمة ربما جعلت من انتفاضة الملاكمين نقمةً على الصين لا نعمة في حينها. ولا تزال العديد من دول العالم تصف الملاكمين في كتب التاريخ بالهمج المعادين للمسيحية والسبب في كون الصين لم تصبح أمةً مسيحيةً متحضرةً كباقي العالم.

اقرأ أيضًا: الممر الاقتصادي: طوق الصين حول عنق العالم

لكن صين اليوم تتذكر الملاكمين كل عامٍ بأنهم الأبطال الذين ساعدوا في قلقلة دعائم حكم أسرة «تشينج». إذ أدت تلك الثورة على المدى البعيد لنشأة جمهورية الصين المناهضة للإمبريالية، وروى الملاكمون بدمائهم بذرة الاستقلال والتمرد على التبعية الأجنبية. الأمر الذي نراه اليوم في كل مشاريع الصين الاقتصادية العالمية، التي تهدف بشكلٍ واضح إلى مناطحة أستاذية الولايات المتحدة، وغيرها من الدول العظمى، للعالم.