في كرة القدم يوجد ما قد يُطلق عليه اصطلاحًا «الإرث الكروي»، وهو مجموعة من الأفكار التي تُزرع في ناد معين حتى تصبح مثل الـDNA الخاص بهم أو بطاقة لتعريف الهوية.

بإقليم كتالونيا في إسبانيا يوجد برشلونة، نادٍ عريق بإرثه الكروي الراسخ المتعلق بطريقة اللعب المعتمدة على الاستحواذ والكرة الشاملة منذ سنوات عديدة، تلك الأفكار التي زُرعت من قِبَل «رينوس ميتشيلز» والأسطورة «يوهان كرويف» وتوارثها من بعده التلميذ النجيب «بيب جوارديولا»، وقد يأتي الدور قريبًا على «تشافي هيرنانديز» ليحمل على عاتقه هذا الإرث. إرث من أبرز أساساته هو تمرين «الروندو»، فما هو هذا التمرين؟

الروندو

الروندو أو لعبة Piggy in the middle هي تمرين يمتلك فيها مجموعة من اللاعبين الكرة أثناء التفوق العددي على مجموعة أخرى من اللاعبين، والهدف الأساسي للمجموعة الأكثر في العدد هو الحفاظ على حيازة الكرة، بينما هدف المجموعة الأقل في العدد هو استعادة الكرة.

يختلف الروندو عن غيره من ألعاب التملك والحيازة في أن اللاعبين يشغلون مساحة محددة مسبقًا بدلاً من مساحة عشوائية، ويمكن أن يتم التمرين عن طريق 3 ضد 1، 5 ضد 2، 6 ضد 2، 8 ضد 2، وأشكال أخرى.

يساعد الروندو في تطوير وتحسين الإدراك بالمكان عند اللاعبين، والتنسيق الفني فيما بينهم، ويزيد من وحدة الفريق وإبداعه، كما يرفع من جودة التمرير في المناطق الضيقة، ويُجبِر اللاعبين على تمرير الكرة في مثلثات أنيقة.

وقد نسب الموقع الرسمي للويفا -الاتحاد الأوروبي لكرة القدم- عام 2008 للروندو، الفضل في تحسين أسلوب التمرير السريع، حيث تؤدي لسرعة التمرير مع الركض لمسافات قصيرة، وتحسن التحمل والذكاء الحركي وسرعة التفكير.

كل شيء يحدث في أي مباراة باستثناء التصويب يمكنك القيام به في الروندو. الجانب التنافسي… القتال من أجل توفير المساحة… ماذا تفعل عندما تكون في الحيازة… وماذا تفعل عندما لا تكون لديك الكرة… وكيف تلعب بلمسة واحدة… وكيف تواجه الضغط الضيق… وكيف تنجح في استعادة الكرة.
وصف يوهان كرويف للروندو في كتاب ستان بيكر «منافستنا هي العالم».

بيب جوارديولا وسر الروندو

ومن الأستاذ كرويف إلي التلميذ النجيب جوارديولا والذي تحث عن الروندو في مسلسل All or Nothing: Manchester City، وهو المسلسل الذي يسرد مسيرة السيتي في موسم 2017-2018، الموسم الذي حصد فيه الفريق لقب الدوري بعد الوصول لـ100 نقطة كاملة، وبلغت دقة تمريرات الفريق معدل لم يصل له أي من فرق الدوري الإنجليزي.

كل هذه الأفكار تأتي من كرويف. إنه واحد من أكثر الأشخاص تأثيرًا، والسبب الذي جعلني هنا أتحدث معكم، هو إرث يوهان، الذي كان دائمًا موجوداً. نحن لا نؤقلم أنفسنا أبدًا حسب طريقة لعب منافسنا، كل ما يهم إننا يمكننا أن نهاجم بشكل أفضل منهم.
بيب جوارديولا.

يفضل جوارديولا استخدام الروندو بطريقة 8 لاعبين على شكل دائرة ضد 2 في الوسط على أن يكمل اللاعبين 30 تمريرة دون أن تُقطع الكرة، وإذا استخلص أحد اللاعبين في الوسط الكرة تتم إعادة التدريبات، ويدخل اللاعب المسئول عن خسارة الكرة إلى الوسط. تدريبات بسيطة ولكنها تثبت فعالية عالية.

فالأمر لا يتعلق بكونه تدريباً للإحماء، حيث تدلّ القصة التي رواها دومينيك تورينت -مساعد جوارديولا في برشلونة والبايرن والسيتي- على عملية التحول التي حدثت بعد وصول جوارديولا إلى ميونيخ.

يحكي تورنت في كتاب Pep Guardiola: The Evolution للكاتب «مارتي بيرارنو» عن التحوّل الذي حدث للاعبي البايرن في ملعب التدريب ويقول:

ما حدث مع الروندو هو على الأرجح أفضل مثال على عملية التكيف التي مروا بها جميعًا، لقد بدأ اللاعبون في رؤيتهم له على أنه نوع من الضحك، وطريقة جيدة لبدء وإنهاء عمليات الإحماء، يمكن أن تبتعد الكرة بعشرة أمتار خارج محيط دائرة الروندو ودون أن تلامس الأرض.

يكمل تورنت حديثه:

لكن في يوم ما أصر بيب على أن ينتبهوا إلى الأماكن التي يتمركزون فيها، وكيف يستقبلون الكرة، سواء كانوا يسيطرون عليها بقدمهم اليسرى أو اليمنى، لقد استوعب لاعبو البايرن نقطته بسرعة كبيرة. أتذكر يومًا ما قارنت روندو الأيام الأولى بما أصبحوا عليه في النهاية، كان رائعًا مثل النظر في تمرينين مختلفين تمامًا. بحلول نهاية عصرنا هناك كانت تلك الكرة تطير.

اهتمام جوارديولا بالأمر جعله يطور من طريقة تنفيذ التدريب، عن طريق تنفيذه بطريقة 4 ضد 4 كأنهم فريقان متنافسان مع وجود ثلاثة لاعبين محايدين يأخذون جانب الفريق الذي لديه الكرة، ويحاول كل فريق الحفاظ على الكرة أو استردادها في حال قُطعت منه.

كل شيء يتعلق بالروندو… روندو… روندو… روندو في كل يوم، إنه أفضل تمرين، حيث تتعلم رد الفعل وألا تفقد الكرة. بوم… بوم… بوم… دائمًا من لمسة واحدة، وإذا خسرت الكرة تذهب للمنتصف، إنه أمر مخز، حيث يضحك ويصفق الباقون عليك.
تشافي هيرنانديز في لقاء مع صحيفة الجارديان في فبراير/شباط 2011.

اعتراف السير

تلك الفترة كانت استثنائية بكل المقاييس، فبعد ترشح ثلاثي برشلوني للقب الأفضل في العالم جاء موسم 2011، والذي حقق فيه برشلونة لقب دوري الأبطال على حساب مانشستر يونايتد في ملعب ويمبلي في إنجلترا بنتيجة 3-1.

خرج بعدها السير اليكس فيرجسون المدير الفني لليونايتد ليصرح:

لقد خسرنا بجدارة، ولا توجد طريقة أخرى لعنونة الوضع. إنهم يبهرونك بتمريراتهم. إنهم الأفضل في أوروبا، لا شك في ذلك. وخلال فترة عملي كمدير، أود أن أقول إنهم أفضل فريق واجهناه. الجميع يعترف بذلك وأنا أقبل ذلك. إنها لحظة رائعة بالنسبة لهم فهم يستحقون ذلك، لأنهم يلعبون بالطريقة الصحيحة ويستمتعون بكرة القدم.

وكانت التمرينات التي سبقت تلك المباراة أظهرت لاعبي برشلونة وهم يمارسون تدريب الروندو بشكل مبهر داخل أرضية ميدان ملعب ويمبلي.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.