في روسيا الديكتاتورية كما يجب أن تكون. الديكتاتور ليس من ينجح في قمع المظاهرة، بل من يمنع قيامها من الأساس. كذلك ليس الديكتاتور من يقوم بتزوير الانتخابات، بل من يحسم النتيجة قبل اللجوء إلى الصناديق.

استطلاعات الرأي الروسية تقول إن 71% من الروس عامةً، 90% من سكان القرم خاصةً، يؤيدون بوتين. هذه النسب لا يمكن القطع بصحتها أو بخطئها. القوانين الروسية المعقدة تمنع المراكز غير الحكومية من نشر استطلاعات رأي متعلقة بالانتخابات الرئاسية.

على من يترشح للانتخابات الروسية أن يقوم بجمع 100 ألف توقيع دون تجاوز عدد 2500 توقيع من الإقليم الواحد. لكن يُطلب من الرئيس الحالي إذا رغب في الترشح أن يجمع 300 ألف توقيع، نظرًا لتمتعه بإمكانات إدارية لا يتمتع بها منافسوه. ثم بعد عشرة أيام، تنظر فيها اللجنة إلى صحة التوقيعات، تعلن الموافقة النهائية على المترشح.

مجلس النواب الروسي اختار 18 مارس/آذار 2018 ليكون يوم انعقاد الانتخابات. كذلك هو يوم ذكرى ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا . قد يكون الأمر مصادفةً، لكن الاحتمال الأكبر أنه ليس كذلك. بوتين ينوي التوجه إلى القرم ليشارك أبناءها احتفالهم بأول تصويت لهم منذ ضمهم في 2014.

الجولة الثانية تكون بعد ثلاثة أسابيع، في الثامن من أبريل/نسيان 2018. الجولة الثانية تكون في حال لم يحصد أي مرشح الأغلبية المطلقة، وهو ما لم يحدث في الانتخابات الروسية إلا مرة واحدة فقط عام 1996، وبالتأكيد ليس من المرجح حدوثه هذه المرة.

تختلف الانتخابات الروسية عن نظيرتها الأمريكية، إذ لا تثار الضجة حول الأولى إلا قبل موعد إجرائها بعدة أشهر فقط. ولا تشهد مناظرات تلفزيونية مطولة، وغالبًا ما تجنب بوتين هذه المناظرات والحوارات المطولة طوال فتراته الثلاث الماضية. والاختلاف الأكبر أن أحدًا لن يتهم بوتين بالتدخل في نتائج الانتخابات في دولة أجنبية كما فعل في الولايات المتحدة وفرنسا، فالتدخل هنا في انتخابات روسية خالصة.

اقرأ أيضًا: كيف تكسب معركة لم تخضها: بوتين والانتخابات الفرنسية

هذه الانتخابات ستكون السابعة في تاريخ روسيا منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، والرابعة في تاريخ بوتين، والثانية له على التوالي، وتذكرة بقائه حتى عام 2024. إذا فاز بها بوتين فسيكون صاحب ثاني أطول فترة رئاسية، تبلغ 20 عامًا بعد «جوزيف ستالين» الذي حكم 29 عامًا. حتى الآن تعاقب على بوتين أربعة رؤساء أمريكيين، وأربعة رؤساء وزراء بريطانيين، ومستشاران ألمانيان.

إذا كان بوتين موجودًا، فإن روسيا موجودة، وإن لم يكن هناك بوتين فإن روسيا لن تكون موجودةً
فياتشيسلاف فوفودين – رئيس مجلس النواب الروسي (الدوما)

«التفاح» ينافس «ضد الجميع»

الانتخابات الروسية, روسيا, كسينيا سوبتشاك
«كسينيا سوبتشاك» المرشحة الرئاسية الروسية، أثناء المؤتمر الصحفي للرئيس الحالي «فلاديمير بوتين» في ديسمبر/كانون الثاني 2017

المترشح الأول «جريجوري يافلينسكي»، 66 عامًا، عام 1993 أسس حزب «يابلوكو/ التفاحة». يعارض وحزبه ضم القرم، ويناهض التدخل الروسي في سوريا. ترشح للانتخابات الرئاسية عامي 1996، و2000، حصل فيهما على أقل من 10% من الأصوات. امتنع عن الترشح لانتخابات 2004 اتهامًا لبوتين بتزوير الانتخابات. ولم يسمح له بالترشح عام 2012 لبطلان 25% من التوقيعات التي جمعها.

تتنافس معه المترشحة الثانية «كزينيا سوبتشاك»، نجمة تليفزيون الواقع، وإعلامية معارضة. أعلنت في أكتوبر/تشرين الأول 2017 ترشحها للرئاسة. شعارها «ضدهم جميعًا». المرأة البالغة 36 عامًا لم تتحرج من ذكر علاقتها القوية بمنافسها. كما أكدت حقيقة عمل بوتين مع والدها «أناتولي سوبتشاك» الرئيس السابق لبلدية سان بطرسبورغ في تسعينيات القرن الماضي.

يتلخص برنامجها في تقليص نفوذ الكنيسة الأرثوذكسية، والسماح بالترويج للتحويل الجنسي، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين. خارجيًا، تسعى لإقامة علاقات صداقة مع الولايات المتحدة وأوكرانيا. كما ستسحب قوات بلادها من سوريا. لكن شائعات تدور حول أنها مدفوعة من قبل الكرملين لإضفاء شرعية على الانتخابات، وهو ما نفته بقوة. تكره الجميع، حتى أنها قذفت المياه في وجه منافسها «فلاديمير جيرينوفسكي» في مناظرة مباشرة جمعت المرشحين السبعة، فوصفها الأخير بـ «العاهرة».

ثالثهم «سيرغي بابورين»، 59 عامًا، مرشح حزب «الاتحاد الشعبي العام الروسي». يدور برنامجه على التطوير الاجتماعي والقضائي. أكد أنه في حال فوزه سيدخل تعديلات دستورية تضمن إنشاء نظام قضائي مستقل، وتجعل التعليم والخدمات الاجتماعية الأخرى مجانيةً. كذلك تعهد أن يوجه دفة الاقتصاد نحو التحرر من الاعتماد على النفط.


«ملك الفراولة» ضد «ستالين»

أما الرابع فهو «بافيل جرودينين» المرشح عن الحزب الشيوعي. تعطيه الاستطلاعات 7% من الأصوات. استطاع «ملك الفراولة» تحويل مزرعة فاكهة كانت مملوكة للدولة إلى مشروع مربح لهذا اُشتهر بـ «ملك الفراولة». يوجه الرجل انتقادات صريحة إلى سياسات الحكومة، لكنه يتحفظ على توجيه انتقادات مباشرة إلى شخص بوتين. في تلك الأثناء يتعرض ملك الفراولة إلى انتقادات من الإعلام المحلي واتهامات بامتلاك حسابات سرية.

يرفض جرودينين هذه الاتهامات، لكن لجنة الانتخابات المركزية لا تصدقه. لذا ستقوم اللجنة بطباعة تحذير بجوار اسمه في بطاقة الاقتراع. بينما يترشح «جرودينين» عن الحزب الشيوعي، يترشح الخامس «مكسيم سورايكين» المنشق عن الحزب الشيوعي تحت لواء حزبه الجديد «شيوعيو روسيا». يبدو سورايكين شيوعيًا أكثر من الشيوعية، الرجل يرى أنه لا بد أن تحكم روسيا بقبضة ستالينية جديدة. يقع برنامجه تحت عنوان «عشر ضربات ستالينية إلى الرأسمالية».

وعلى ذكر التشدد يأتي ذكر المترشح السادس «فلاديمير جيرينوفسكي». محافظ متشدد، زعيم الحزب «الليبرالي الديمقراطي». يعادي الولايات المتحدة، كما يعادي الليبرالية التي هى عنوان حزبه، وينتقد الشيوعية كذلك. بلغ الرجل عامه الأول بعد السبعين، وبترشحه يكون قد ترشح في جميع الانتخابات الروسية محققًا رقمًا قياسيًا. لا يعتيره بوتين ولا الإعلام الدولي منافسًا حقيقيًا.

المترشح السابع حصل على 2% في انتخابات 2016، «بوريس تيتوف». يبدي الرجل تقبلًا واضحًا لنتيجة الانتخابات المحسومة سلفًا. صرح بأنه لا يشكك أحد في هوية الفائز في الانتخابات القادمة، كما أنه لا يعارض سياسات الكرملين الخارجية.

كل ما يطلبه الرجل هو مزيد من الهدوء في التعامل مع الغرب. وأن تحاول الحكومة إيجاد أرضية مستقرة للتعاون الاقتصادي بين روسيا والغرب. ويمكن فهم اهتمام تيتوف بهذه النقطة من معرفة أنه مالك شركة مشروبات «أبراو – دورسو» المؤسسة منذ القرن الـ19..


للأسف، الرئيس يحتاج للشعب أحيانًا

الانتخابات الروسية, روسيا, أليكسي نافالني
المعارض الروسي والمرشح المستبعد «أليكسي نافالني» بعد الاعتداء عليه بصبغة خضراء

لا بد أن شيئًا جاذبًا في شهر مارس/آذار يجعل القياصرة يرغبون في أن يكون شهر إعادة تنصيبهم. بالطبع نقصد الصين التي اختارت هذا الشهر ليكون شاهدًا على مبايعة رئيسها الحالي ليكون رئيسها مدى الحياة. ولا بد أن حال الصين وروسيا يتشابه مع عدة دول أخرى تقع في نطاق كوكب الأرض.

المشهد في الدولة التي يحكمها قيصر لا بد أن يتكون من رئيس حالي يلعب دور المترشح القوي أمام منافسة ضعيفة. على أن يعلن الرئيس القوي أنه يرحب بالمنافسة الشريفة، وأن الباب مفتوح للجميع. كذلك سيؤكد أن خلو الساحة من المترشحين ليس لقمعه إياهم بل لعقم المعارضة. بوتين اتبع كتاب الإرشادات كما هو، أعلن أن لن يُقصي أي مرشح ينافسه، لأنه يريد انتخابات تنافسية حقيقية. لكن وقائع استبعاد «أليكسي نافالني»، المعارض اللدود، تقول عكس ذلك.

صدر حكم قضائي ضد نافالني في قضايا اختلاس لم تثبت صحتها. كذلك أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قرارًا بأن الاتهامات الموجهة إليه غير منطقية. في كل الأحوال تتجاهله وسائل الإعلام المحلية، لكن حضوره يبدو راسخًا على شبكات التواصل الإجتماعي، وفي الصحافة الأجنبية. نافالني سخر بشدة من ترشح سوبتشاك، وتبني وجهة النظر القائلة إنها مدفوعة من قبل الكرملين.

اقرأ أيضًا:أليكسي نافالني: النسخة الروسية من ترامب

المنافسة الحقيقية التي قد يلقاها بوتين، وأي قيصر آخر، هى ضعف نسبة التصويت. فالرجل لا يريد النجاح فحسب، بل النسبة المشرفة كذلك. فإذا كنت تركض في الميدان منفردًا فليس الفوز حينئذ أن تصل أولًا، بل أن تصل في وقت قياسي. وما دون ذلك هو هزيمة قد تهز صورة بوتين كزعيم مسيطر.

لكن 28% فقط من المواطنين عبروا عن نيتهم الذهاب للتصويت، ما يجعل التحدي أصعب. لذا رصدت اللجنة المركزية للانتخابات مبلغ 295 مليون دولار لإجراء الانتخابات والدعاية لها. يطمح بوتين إلى تحقيق معادلة 70/70، 70% من المقيدين في سجلات الناخبين يذهبون لصناديق الاقتراع، يصوت 70% منهم لصالح لبوتين.

لكن بوتين طوال فترة حكمه عمل على أن يقنع شعبه بألا يدس أنفه في السياسة. علمهم الاكتفاء بالحياة المهنية الجيدة، والراتب المقنع. ليس هناك داعٍ للقلق حول حرية المعلومات، أو التساؤل حول مصداقية الإعلام. أو الانشغال ببرنامج الرئيس، ولا بإنجازاته على أرض الواقع.


صوتك لا يهم، صورتك هي الأهم

لكن للديمقراطية الشكلية ثمنها أيضًا. الرجل لم يشارك في المناظرات، ولم ينشر برنامجًا يوضح أهدافه، كذلك لم يتكلف عناء إنشاء قواعد وفروع حملته فأنشأها عنه آخرون. ولم يسجل مقاطع دعائية جديدة، فاضطر القائمون على حملته إلى استخدام لقطات أرشيفية. لهذا لا بد من استخدام أساليب جذب تتجاوز مسألة الإقناع أو المناظرة. ربما ليست أساليب مبتكرة، لكنها دائمًا ما تثبت فاعليتها.

ستعرض شركات الهواتف الذكية هدايا قيمة على أصحاب أفضل صورة شخصية أثناء الانتخابات. وسيشهد محيط المقار الانتخابية خصومات على الخضروات والأطعمة المختلفة. ودعاية التصويت في الانتخابات موضوعة على علب الألبان، وعلى آلات سحب النقود.

كذلك تدور الأحاديث حول التصويت الإجباري في المناطق التابعة للكرملين كالمستشفيات، والمدارس، وحتى مستشفيات الأمراض العقلية. كذلك هدد المسئولون الطلاب الجامعيين بالطرد من أماكن سكنهم إذا لم يصوتوا. و توعد الأساتذة الجامعيون طلابهم الذين لن يوقعوا أمام أسمائهم في قوائم الانتخابات الموجودة في المقار الانتخابية.

التصويت تحت تهديد السلاح، وسيلة النظم الديكتاتورية لبناء ديمقراطية شكلية.

كذلك انتشرت رسائل بريد إلكتروني من مدارس وهيئات حكومية توجه موظفيها إلى حضور مؤتمرات دعم الرئيس. ومن لم يرسل صورة له ولثلاثة آخرين معه أثناء ظهور الرئيس على خشبة المسرح فسوف يتعرض لعقاب قاسٍ. وعلى كل فإن العقاب القاسي ينتظر المواطنين الروس بعد انتهاء الانتخابات متمثلًا في ضرائب أعلى، ورفع لنفقات التعليم والصحة.

كذلك أصدرت حملة بوتين مقطع لبوتين يحذر فيه المواطنين من أن عدم التصويت يعني انتشار المثليين، وصدور قوانين جديدة قد تنص على إلزام الأسر الروسية بإيواء كل مثليّ أنهى علاقته مع شريكه حتى يجد شريكًا آخر، وإن لم يفعل تصبح الأسرة ملزمةً بإيوائه إلى الأبد.

ووجه التشابه الأقوى بين دول القياصرة أن لا أحد يفكر في الانتخابات الحالية. روسيا لا تفكر في الحملة الحالية، بل تفكر ماذا سيفعل بوتين في انتخابات 2024؟

رئيس «الدوما» لا يرى بأسًا من أن يترشح بوتين لتلك الانتخابات أيضًا. صحيح أنه يقول إن بوتين سيبلغ حينها 72 عامًا، لكن لا يجد ما يمنع الترشح لفترة جديدة، خاصة أن بوتين يتمتع بصحة حديدية. بعض الحريصين على تداول السلطة اقترحوا أن يتولى الرئاسة واحد من الدائرة المقربة لبوتين، على أن يقبل بوتين بمنصب المتحدث باسم الكرملين، ما يجعله مسيطرًا على الأمور كما لو كان رئيسًا تمامًا.