تصاعدت نبرات الاستياء تجاه أحداث مسلسل «سابع جار»، تدور في مجملها عن «دس السم في العسل»، إلى جانب اتهامات مستميتة عن بعده تمامًا عن أخلاقيات مجتمعنا الشرقي الذي لا يُسمح فيه ببعض الممارسات الاجتماعية كالتي وردت في المسلسل.

«سابع جار» الذي يدور حول الحياة الشخصية لأفراد متخيلين في مسلسل تلفزيوني، أصبح ندًا وتهديدًا لأخلاقيات المجتمع المصري المحسوب على التيار الشرقي المحافظ.

تكمن المفارقة في أن المسلسل في بدايته شهد احتفاء بالغًا بقدرته غير المسبوقة على تجسيد الطبقة الوسطى بشكل حقيقي، إلى الحد الذي يدفعك للاعتقاد بأنك ترى أفراد عائلتك ضمن شخصيات المسلسل، وبالتالي نجد هنا أن المشاهدين هم من خلعوا على المسلسل صفة الواقعية، هم من رأوا فيه أنفسهم، إذ كان المسلسل بمثابة مرآة لعاداتهم وحديثهم اليومي.

في حقيقة الأمر الدفاع المستميت والهستيري عن عدم اقتراب أحداثه الأخيرة من الواقع وبعده عن سلوكيات المجتمع الشرقي المحافظ، وما إلى ذلك من تصورات، هو ما يؤكد أن المشاهدين أنفسهم من خلعوا الواقعية على المسلسل، إلى الحد الذي يمنعهم عن الاستمتاع بمجرى الأحداث بمنأى عن ذواتهم، فهم ينفضون سلوكيات المسلسل عن ثيابهم بانفعال، فكيف يمكن أن تثير شخصيات متخيلة الجدال إلى هذا الحد؟ وكيف أثارت هذا الذعر أو الغضب في نفوسهم؟

لست في هذا المقال بصدد الدفاع عن سلوكيات المسلسل أو عن المسلسل ذاته أو لكي أسوق البراهين والأدلة على أن السلوكيات مثار الجدل توجد في مجتمعنا بشكل موحش، إنما بصدد مساءلة ردود الأفعال المختلفة حيال المسلسل، من خلال حديث في فقرات قد تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن لب الموضوع لكنها تحفر في مفاهيم وأفهام كامنة في منطق هذا النقد وهذا الاستياء الملتهب.


الأنا والآخر والمرآة

«جاك لاكان» أول من اهتم بمرحلة المرآة لدى الطفل وأول من نظر لها، تحدث عن أن بداية تعارف الإنسان مع ذاته وإدراكه لنفسه ككل متكامل، تبدأ في مرحلة الطفولة مع المرآة، التي تعد أول خطوة يتطور فيها إدراك الطفل وأفكاره أو الشكل الذي يعي به نفسه والخارج؛ أي ما يطلق عليه «الجسم النفساني»، إلى إدراكه مع جسمه ومع وجوده الظاهري والخارجي، وحينها يتهلل الطفل.

يدرك الطفل من خلال إدراكه لذاته من صورته في المرآة، يدرك أيضًا وجودًا آخر، فهو يعلم أن صورته في المرآة ليست هو وإنما هي صورته فقط؛ أي أنها أخرى على الرغم من أنها صورته هو، ومن هنا تنمو بذرة التفاضل بين الأنا والآخر عند الطفل، وينمو لديه إدراكه الشعوري بذاته وباستقلاله عن المحيط الذي كان يتماهى معه.

أما في مراحل العمر الأكثر تقدمًا، لا تزال تلعب المرآة دورها في إدراك ذواتنا، والأمر لا يكون مجازيًا كما عهدناه في الأغنيات أو لقطات الأفلام؛ لأن المرآة – باختلاف أنواعها طبيعية أو صناعية – هي بوابة تعامل الإنسان مع ذاته، وتحدد رؤيته لنفسه إلى حد كبير، وخير مثال لذلك أنه يقال إن سقراط كان يدعو شباب أثينا إلى إدامة النظر في المرآة ليتجملوا شكلًا وليتجملوا بالفضائل.


كليشيه «الفن مرآة الشعوب»

لطالما كتبنا في السؤال الإنشائي في سنوات تعليمنا المبكر جملة «إن الفن مرآة الشعوب»، وهي جملة إذا بحثت عنها في محرك البحث جوجل ستجدها مقرونة باستهجان عنيف تجاه نوعية الفن المقدم، وصرخات تدعو لتصحيح مسار الفن «الهادف» أو «الراقي»، إلا أنها جملة تحمل أكثر مما نحمله عليها من معانٍ ومن تكرار.

إذا كان يتسنى للإنسان معرفة نفسه وذاته بالمرآة، وهي محاكاة لشكله، فيتسنى للمجتمع أن يدرك سماته بالمحاكاة أيضًا، ولكن بصورة أكثر عمقًا، بمحاكاة الحياة اليومية والشخصية، وقام الفن بهذه المهمة.

الفن بأشكاله يسمح بوجود أشكال متعددة من الغيرية والآخرية، ولكنها ليست بمنأى عن ذواتنا، فنحن من نقدمها ونحن من نصنعها ونحن ما نحملها من قيمنا وعاداتنا، وليس هناك ما يسمى بأن الفن بعيد عنا كأشخاص، فمنطقيًا كل ما يدور في فلكنا من أفكار وتصورات هو موجود سواء بالفعل أو بالقوة، تمامًا كالمرأة، هي ذاتنا التي تخلق هذا الآخر الموجود في المرآة وهي ما تسمح لنا برؤية ذواتنا وتسمح لنا بإدراك الآخر، الذي يكون من بينهم انعكاس صورته في المرآة.


«دوريان جراي» وتشوهات النفس

في واحدة من أهم أعمال «أوسكار وايلد»، رواية «صورة دوريان جراي»، تمنى دوريان أن تحمل لوحته التي كانت تطرب نفسه لرؤيتها، أن تحمل عنه آثار الزمن، وتحققت أمنيته، وحملت عنه ندوبًا وتجاعيد وآثار فساد وقسوة وشر، وأخذت صورته تزداد سوءًا يومًا بعد يوم، حتى نظر إليها يومًا هاله المشهد وانهال عليها تمزيقًا، غير راغب في مواجهة المرآة التي كشفت له حقيقة نفسه.


مرآة سابع جار

خلع الناس على المسلسل في بدايته صفة الواقعية وتشابه شخصياته مع الواقع إلى حد كبير، وسر نجاح المسلسل في هذه المرآة التي صنعها، شخصيات شكلًا أقرب إلى الواقع، لا يضعن مساحيق التجميل طوال الوقت، يرتدون ملابس عادية، سمحوا للعادات والجمل التي نستخدمها في حياتنا اليومية أن تدخل لتحل محل الكياسة المفرطة والوجاهة التي تغلب على معظم الأعمال الدرامية، فهللوا فرحًا وابتهاجًا كطفل أدرك ذاته للتو في المرآة.

مع تعقد وتشابك المشهد الدرامي في المسلسل بفعل الاختيارات الشخصية لأبطاله، وصف مهاجمو المسلسل الذين يعدون أنفسهم في عداد الأخلاقيين، سلوكياتهم بأنها سلوكيات غير مقبولة ودس «للسم في العسل»، ثم أخذ هؤلاء وبحماس شديد واستماتة وصراع مع الرأي الآخر الدفاع عن أخلاقيات الطبقة الوسطى وبأنها بعيدة عن سلوكيات مجتمعنا الشرقي.

هؤلاء لم يعينوا أنفسهم للدفاع عن أخلاقيات المجتمع، إلا لصدمتهم وإنكارهم وتعاميهم عن مدى صدق وحقيقية هذا العمل الفني، ولم تسع أنفسهم سوى رد الاتهامات بهستيرية لا تليق بعمل درامي مكون من أشخاص متخيلين لمحاكاة قصة، إلا لرؤية أنفسهم في هذه المرآة وأبت نفوسهم ما شهدوه من تشوه، تمامًا مثل الفتى «دوريان جراي» في كلاسيكية «أوسكار وايلد» وهو يمزق صورته التي حملت عنه تشوهات نفسه.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.