الخوف يجعلك سجينًا، بينما الأمل يحررك.

بهذه الكلمات البسيطة والتي وضعها صنَّاع فيلم The Shawshank Redemption أو «الخلاص من شاوشانك» شعارًا أو Tagline للفيلم وكُتِبَت على صدر الأفيش لتصبح أحد أهم عوامل جذب المشاهد له.

وبالفعل عزيزي القارئ، فهذا الفيلم الذي أنتج في العام 1994 منذ العرض الأول له وهو في صدارة ترتيب الأفلام عالميًّا في قائمة الـ Top 250 الأفضل في تاريخ السينما العالمية على موقع IMDB.

هذا الفيلم بُني على رواية من نوع أدب السجون من تأليف ستيفن كينج، بعنوان «ريتا هيوارث والخلاص من شاوشانك»، حيث إن معظم أحداث الفيلم تدور داخل سجن شاوشانك الذي استمد منه الفيلم اسمه.


قصة الفيلم

يحكي الفيلم قصة مصرفي ناجح آندي دفرين، ويجسد شخصيته تيم روبنز Tim Robins، والذي تخونه زوجته في بدايات الفيلم ويعلم هو بذلك، وفي أحداث غامضة تُقتل الزوجة الخائنة وعشيقها، ويتم اتهام ذلك المصرفي بأنه القاتل عمدًا ويسجن ظلمًا في سجن شاوشانك مدى الحياة.

ينقلك الفيلم لتعيش كامل أحداثه تقريبًا داخل سجن شاوشانك، لتبدأ الرحلة الرهيبة لـ آندي دفرين الرجل المتعلم المثقف الذي كان ناجحًا في عمله، ليقترن بالمجرمين والقتلة في غياهب سجن شاوشانك ذي السمعة الرهيبة.

في السجن يتعرف على أليس ريد ويجسد شخصيته مورجان فريمان Morgan Freeman الذي سبقه في السجن بعشرين عامًا، ليصبح بعد ذلك صديقه الأقرب.

الفيلم منذ البداية ومن خلال شعاره يعرض لك فكرة الأمل واليأس في كل لمحة من لمحاته. فنجد أن دفرين برغم أنه سجن ظلمًا وعاش في بدايات دخوله السجن أسوأ فترات حياته، يسعى بكل مثابرة وصبر وجهد ليرتقي في مكانه حتى وهو داخل السجن. فنجده في بدايات الفيلم في أسوأ أماكن السجن حتى يعلم المأمور بقدر تعليمه وعمله قبل أن يلتحق بالسجن ليجعله يتولى مسئولية المكتبة، ثم الحسابات المالية الخاصة بكل قيادات السجن، إلى أن يتولى حسابات مأمور السجن نفسه ويطلع على كل أوجه الفساد ونهر الأموال القذرة الذي يجري بالسجن. وكيف كان يستغله المأمور ليقوم بغسل هذه الأموال وتحويلها باسم شخصي وهمي حتى لا تشوب مأمور السجن شائبة.

من خلال أحداث الفيلم يحصل دفرين على امتيازات نتيجة صنيعه لقادة السجن، حيث استغل ذلك في بناء مكتبة ضخمة، وعمل على تعليم المساجين ونشر العلم والقضاء على الجهل شيئًا فشيئًا.

كل ذلك حتى تلعب الصدفة دورها ويأتي مسجون شاب جديد يعلم قصة المصرفي قاتل زوجته ومعه دليل على براءته، ويعلم مأمور السجن فيقوم بقتله خشية أن يخرج دفرين من السجن ويفتضح أمر سرقاته وفساده. ليقرر بعدها آندي دفرين الهرب من سجن شاوشانك بعد قضائه مدة عشرين عامًا به، وبعد أن رأى أن الظلم راسخ ولن يغيره حتى صوت الحق.

من خلال الفيلم يتضح أن أحد المساجين وبعد أن أطلق سراحه بعد خمسين عامًا في السجن، لم يستطع أن يتأقلم مع عيشة الحرية الجديدة عليه، وأصابته ضائقة نفسية شديدة حتى انتحر في آخر الأمر.

هذا يوضح تيمة الفيلم الرئيسية، وهى أن السجين طالما اعتاد على الأسر وتأقلم على ذلك فإنه يرى في الحرية كل العيب وكل الأذى.

من خلال حوارات الفيلم يطلعك صانعوه على مفهوم «الأمل» ودوره في تخليص النفوس العليلة من مرضها وذلتها وانكساراتها، فنجد في الحوار الأول كيف رأى صديقه أن الأمل شيء «خطير» يجب أن نبتعد عنه لأنه يؤذي صاحبه، وكيف رد عليه بأن الأمل هو الشيء الوحيد الذي يبقينا أحياء.

https://www.youtube.com/watch?v=nK9hXsYEZYc

وحوار آخر يعد أحد أهم الحوارات بالفيلم ذلك الذي دار بين دفرين وصديقه ريد، وفيه يصلون إلى النتيجة الحتمية في نهاية الحوار، ألا وهى إما أن ننشغل بالحياة والأمل، وإما أن ننشغل بالممات، وهنا كان الاقتباس الأشهر بالفيلم «Get busy living, or get busy dying».

https://www.youtube.com/watch?v=otsoF5FJ6jU

يهرب دفرين في نهاية الفيلم عن طريق السباحة في ماسورة الصرف الرئيسية لمسافة تقدر بطول خمسة ملاعب كرة قدم حتى يصل إلى النهر ومنها إلى الحرية وإلى المحيط الهادئ، وذلك في مشهد رمزي بالغ الأثر يوضح قدر التصميم والإرادة لديه في أن يعبر من خلال نهر القاذورات والأوساخ من حياته التي عانى فيها القسوة والظلم والألم إلى عالمه الجديد الذي حلم به وتمناه وعمل بكل جهده وقوته حتى أدركه، وكأنما «ولد من جديد»، واستطاع في النهاية أن يحصل على أموال المأمور المهربة بحيلة ذكية مع هوية جديدة بروح جديدة وآمال وطموحات لا يحدها حد.

https://www.youtube.com/watch?v=bbM7xtHWl6k

ريد الذي سجن لمدة أربعين عامًا، نال خلاصه في نهاية الفيلم وأطلق سراحه ليقوم بتنفيذ وصية صديقه دفرين، ويصل إلى الرسالة التي تركها له لتطلعه على مكانه ويلتحق به في نهاية الفيلم في مشهد ملحمي.

وبين طيات هذه الرسالة، لم ينس دفرين أن يذكره بحديثه عن طبيعة الأمل وكيف أن الأمل شيء جيد وربما هو أفضل الأشياء، والأشياء الجيدة لا تموت أبدًا – على حد قوله.

https://www.youtube.com/watch?v=YkCiMqZxbyI


حقائق عن الفيلم

– لم يحقق الفيلم نجاحًا تجاريًّا كبيرًا وقتها، وذلك بسبب المنافسة القوية مع أفلام شهيرة مثل Pulp Fiction وForrest Gump.، لدرجة أن الفيلم عند عرضه في صالات السينما الرئيسية لم يحقق تكلفته حتى، وبرغم ترشحه للأوسكار فإن ذلك لم يشفع له عند الجمهور ليتخطى حاجز الإيرادات وقتها.

– وبالرغم من الفشل الكبير في صالات السينما، فإنه لاحقاً أصبح أكثر أفلام الفيديو رواجًا في كل تاريخ السينما العالمية.

– الرواية المقتبس منها الفيلم باعها كينج مقابل خمسة آلاف دولار، ولم يصرف الشيك، وقام بإعادته إلى مخرج الفيلم بعد عرضه بأعوام مع رسالة مازحة يقول فيها: «هذا في حالة إذا احتجت مالاً للكفالة.. مع حبي.. ستيف».

– الفيلم تموج في أرجائه موسيقى تصويرية رائعة من إبداع توماس نيومان Thomas Newman ، صنعت من الفيلم حالة فريدة تجسد أقسى معاني اليأس والأمل.

– الفيلم برغم أنه يعتبر أعظم الأفلام في تاريخ السينما العالمية فإنه لم يفز بأي جائزة أوسكار برغم ترشحه لسبع جوائز أوسكار، وهذا أمر ليس بغريب.. فالأوسكار ليس مقياسًا على جودة الفيلم من عدمه.

– في حوار له أوضح Morgan Freeman أن هذا الفيلم تحديدًا يعد أحد أفضل الأعمال إلى قلبه.

– يقول فرانك دارابونت Frank Darabont مخرج الفيلم إنه قد استلهم صياغة الفيلم من رائعة المخرج الكبير مارتين سكورسيزي Martin Scorsese وفيلمه Goo: «الخوف يجعلك سجينًا، بينما الأمل يحررك»، حيث استلهم منه فكرة «الراوي Narrator» الذي كان في الفيلم شخصية ريد (مورجان فريمان Morgan Freeman)، كما استلهم منه طبيعة وتقنية إخراج الفيلم.

– سجل مورجان فريمان Morgan Freeman الفيلم بصوته كـ «راوٍ Narrator» قبل أن يتم تصوير أي مشهد بالفيلم.

– عُرض سيناريو الفيلم على العديد من نجوم هوليوود اللامعين أمثال: توم كروز، كيفين كوستنر، توم هانكس، نيكولاس كيدج، وغيرهم، وذلك لاختيار أحدهم لأداء الشخصية المحورية بالفيلم (آندي دفرين)، وكان لكل فرد منهم ظروف اضطرته إلى عدم القبول، فمثلاً توم هانكس كان مشغولاً بفيلمه الشهير «Forrest Gump»، وكيفين كوستنر أُعجب كثيرًا بالسيناريو إلا أنه كان مشغولاً بفيلمه Water World، وهكذا، حتى ذهب الدور إلى تيم روبنز Tim Robins.

– في نهاية الفيلم نجد عبارة «في ذكرى Allen Greene»، وكان وكيل أعمال المخرج فرانك دارابونت، وصديق شخصي مقرب منه، توفي قبل الانتهاء من الفيلم.


ختامًا

برأيي الشخصي فإن كلمة السر في تربع هذا الفيلم على عرش صدارة أفلام العالم هو كلمة مكونة من خمسة أحرف.. ألا وهي «الأمل». صنَّاع الفيلم حرصوا على جعلك ترى الأمل وهو يبدد ظلمات اليأس وقسوته في آخر مكان ممكن أن يحدث به ذلك، ألا وهو السجن، وعليه فإنه إما أن تنشغل بالحياة والأمل لفكرك وأحلامك وطموحاتك وحقوقك، وإما أن تنشغل باليأس والموت وتترك نفسك يعبث بك نهر الحياة كيفما شاء وأنت تقف متفرجًا على عمرك الذي يضيع هدرًا وسدى.

ختامًا، طبعًا من شاهد الفيلم يعرف جيدًا ما أتحدث عنه، وإن كنت من الذين لم يشاهدوه، فلن تجد أفضل من هذا العمل لتستمتع به وتضعه في قائمة مفضلاتك أبد الدهر. هذا الفيلم سوف يترك فيك أثرًا كبيرًا من الإيجابية والأمل ورؤية أعمق وأوسع للحياة التي نحياها.