لماذا لم تهاجم داعش إسرائيل؟

ظل هذا السؤال مسار جدلٍ وبحثٍ كبير على المستوى الأكاديمي خلال السنوات الماضية، وخاصة في ظل حالة الزهو التي كان يتمتع بها التنظيم. فهل حقًا «تحرير فلسطين ليس من أولويات الجهاد المقدس؟» كما ذكر أحد قيادي التنظيم «نضال النصيري» ذات مرة.أم أن «إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي يخشاها الإرهابيون» كما ادعى الصحافي الألماني «يورغان تودنهوفير» (هو إعلامي ودكتور ألماني، ويعتبر الغربي الوحيد الذي حصل على أمان زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي وتجول في ربوع «الدولة» من الرقة بسوريا وحتى الموصل في العراق)، وهو الذي نقل عن عناصر داعش قولهم إن «الجيش الإسرائيلي وبخلاف الجيوش الغربية يتقن التصدي للمشاركين في حروب العصابات»، ولذلك وبعد السيطرة على الشرق الأوسط لن يقوموا بمهاجمة إسرائيل، بل سيتوجهون إلى أوروبا.أم أن التنظيم لا يبالي، في الأساس، بتحرير فلسطين، ومحاربة إسرائيل، ويسعى فقط إلى ما يُعظّم مصالح قياداته.ولكن، أيّا كانت الأسباب الحقيقية التي منعت تنظيم داعش من الاشتباك مع إسرائيل إلى هذه اللحظة، فمن المهم أن نستكشف الرؤية الإسرائيلية لتنظيم داعش، وهل يجب على إسرائيل أن تخشى داعش حقًا؟


داعش تهدد إسرائيل

سنوات عدة فصلت بين الصعود الثاني لتنظيم داعش، واستقراره في سوريا والعراق، وبين قيامه بإصدار أول تهديد لإسرائيل.ففي 22 أكتوبر من عام 2015، نشر تنظيم داعش شريطًا مُصورًا توعّد فيه للمرة الأولى بالانتقام من إسرائيل.

إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي يخشاها الإرهابيون

وظهر في الشريط رجل ملثم يرتدي زيًا عسكريًا أخضر متحدثًا اللغة العبرية بطلاقة، مع لكنة فرنسية خفيفة، موجهًا حديثه للجمهور الإسرائيلي، مُحذِرًا إياه من أنه «لن يبقى يهودي واحد» عندما يغزو محاربوه الأردن ويصلون إلى الحدود الإسرائيلية، وأن «هذه رسالة جادة وواضحة لجميع اليهود، العدو الأول للمسلمين». وحذر أن «الحرب الحقيقية لم تبدأ بعد، وأن كل ما حدث لكم في الماضي هو عبارة عن لعب أطفال مقارنة بما سيحدث لكم في المستقبل القريب إن شاء الله». وتابع قائلا: «نعدكم أنه بالقريب العاجل لن يبقى يهودي واحد في القدس أو في أكنافها، وسنستمر حتى نقضي على هذا المرض من كل العالم».وقال: «إن حدود سايكس بيكو التي تحميكم لن تبقى إن شاء الله، وكما أزلناها بين سوريا والعراق سنزيلها بين سوريا والأردن وبين سوريا وفلسطين». وأضاف: «وهذا ليس كلامًا في الهواء فقط. فها نحن نتقدم نحوكم من جميع الأماكن، من الجنوب ومن الشمال، ومن سيناء ومن دمشق. من جميع أنحاء العالم».وفي ديسمبر 2015، بث تنظيم داعش تسجيلًا صوتيًا، نُسب لأبو بكر البغدادي، هدد فيه إسرائيل، ووعد اليهود أن فلسطين ستكون مقبرة لهم. وقال البغدادي في كلمته: «لا يهوننا اجتماع أمم الكفر علينا أو يُخيفنا أو ينقص من عزمنا، لأننا الفائزون على كل حال». وتابع: «إن صمدنا في وجه العالم وقارعنا جيوشه جميعا بقدراتها وانتصرنا فلا عجب، وهو وعد الله لنا، وإن أصابنا القتل وكثرت بنا الجراح وأصابتنا النوائب وعظمت المصائب، فلا عجب أيضا وهو وعد الله لنا». وأكد: «وها نحن نقترب منكم يومًا بعد يوم، لن تهنؤوا في فلسطين يا يهود، ولن تكون فلسطين إلا مقبرة لكم…. إن الله جمع اليهود في فلسطين ليقتلهم فيها، ويختبئوا خلف الشجر والحجر».


رسميًا: إسرائيل لا تخشى داعش

لم يتأثر الخطاب الرسمي الإسرائيلي بالتطورات السياسية التي شهدتها المنطقة والعالم، ومن الواضح أنه لم يتأثر أيضًا بالتهديدات المباشرة التي وُجهت إلى إسرائيل. فمازال الخطاب الرسمي الإسرائيلي لا يرى في داعش تهديدًا مُحيقًا، حتى بعد تزايد هجمات عناصرها على العواصم الأوروبية، وبعد تهديدها وتوعدها لإسرائيل بشكل مباشر لأول مرة منذ نشأتها.

ففي نوفمبر 2015، قال وزير الدفاع الإسرائيلي «موشيه يعالون»: «أن إسرائيل ليست مُهدَدة بشكل كبير من قبل تنظيم الدولة الإسلامية، على الرغم من تقاسمها الحدود في أكثر من منطقة ينشط فيها التنظيم ويتمتع بقوة». وأضاف: «في حين أن إسرائيل محاطة بالتنظيم وأتباعه، فإنه يتجنب مواجهة مباشرة مع إسرائيل». وأكد: «أن داعش لن تفتح جبهة ضدنا، لأن ذلك ببساطة سيعود بالضرر عليهم».

وفي يناير 2016، وصلت تصريحات وزير الدفاع في تطمين المجتمع الإسرائيلي إلى أبعد من ذلك، فقال: «في سوريا، إذا توجب الخيار بين إيران وداعش، أختار داعش. فهم لا يملكون القدرات التي تمتلكها إيران. إن عدونا الأكبر هو النظام الإيراني الذي أعلن الحرب علينا، حاولت إيران فتح جبهة إرهابية ضدنا في هضبة الجولان… تحدد إيران مستقبل سوريا، وإذا كانت من المؤدين لاستمراريتها، ستشكل الهيمنة الإيرانية في سوريا تحديًا كبيرًا لإسرائيل». وأكد أن «وجودنا يمنع حماس أو داعش من الاستيلاء على المناطق الفلسطينية».وقد أشارت التحليلات المختلفة إلى أن إسرائيل لم تكتفِ بمجرد إبداء مواقف رسمية مُطمئِنة لمجتمعها، ومُقلِلة من خطر داعش على إسرائيل، بل ذهبت إلى تعظيم مكاسبها من نشاط هذا التنظيم في المنطقة. حيث اعتمدت في المقام الأول على انشغال دول المنطقة بمسار الحرب ضد داعش، إلى ناحية تناسي نتائج العدوان الأخير على غزة، بعدما أحدث ذلك العدوان هزة دبلوماسية لمكانة إسرائيل الدولية.

سعت إسرائيل إلى استثمار الوضع المضطرب الذي أوجدته داعش بالمنطقة، كمسوغ للحفاظ على سيطرتها الأمنية في منطقة الأغوار

كما سعت إسرائيل إلى استثمار الوضع المضطرب الذي أوجدته داعش بالمنطقة، من أجل إعلاء صوت التحذير من خطره القادم، كمسوغ أمام المجتمع الدولي للتمسك بشرط الحفاظ على السيطرة الأمنية في منطقة الأغوار، وبقاء الجيش الإسرائيلي ضمن المنطقة الحدودية مع الأردن، مقابل رفض نشر قوات فلسطينية فيها، وذلك ضمن أي اتفاق تسوية يتم التوصل إليه مع الجانب الفلسطيني، بذريعة صعوبة الاتكال على الأجهزة الأمنية الفلسطينية لمقاومة داعش والحركات المتطرفة. كما سعت إسرائيل إلى المساواة بين تنظيم داعش وحركة حماس، وإبراز القواسم المشتركة بينهما، في سبيل للقضاء على المقاومة، ونزع سلاحها، وتصفية البنية التحتية لها.


متى تهاجم داعش إسرائيل؟

جاءت موجة التهديدات المتلاحقة من قبل تنظيم داعش لإسرائيل، لتثير علامات الاستفهام حول مدى جديتها، وأهدافها الحقيقة، ودلالات توقيتها. وقد أبدى العديد من المحللين السياسيين حينها، خاصة الإسرائيليين منهم، توافقًا حول أن خطاب أبو بكر البغدادي، وتهديدات داعش، إنما هي مؤشر على ضعف التنظيم وليس تهديدًا جديًا. فداعش تتعرض لضغوط كبيرة بعد الخسائر التي تكبدتها في العراق وسوريا بعد خسارتها 40% من المناطق التي تسيطر عليها في العراق، والقصف الفرنسي الروسي على مواقعها في سوريا والانتصار عليها في عدد من المواقع بدعم من قصف طائرات التحالف.

تهديدات داعش لإسرائيل هي مؤشر على ضعف التنظيم وليست تهديدات جدية

تهديدات البغدادي لا تتعدى الاستعراض والمزايدة بسبب ما يتعرض له التنظيم من خسائر عسكرية ومادية، وهجوم بسبب قتله الجنود العرب –خاصة في سيناء- بدلًا من التركيز على اليهود، لذلك ركز على فلسطين ليزيد من شعبية التنظيم ويسترد التعاطف معه. فالتنظيم اليوم في غنى عن أية مواجهة مع إسرائيل، ويجب عليه أن يبحث عن سبل الصمود والبقاء في ظل تقلص الأراضي التي يسيطر عليها، وتقلص مصادر تمويله، وتراجع عدد مسلحيه وأنصاره.

وعلى الرغم من ذلك، فمازال هناك بعض الأصوات التي ترى أن إسرائيل يجب أن تخشى تنظيم داعش، وأن تستعد لجولة قادمة من المعارك معه، وهو الأمر الذي يُستدل عليه من عدة مؤشرات:1. تغيير داعش لإستراتيجيتها: ظهرت مؤخرًا عدد من التحليلات الإسرائيلية التي تؤكد أن هجوم تنظيم داعش على إسرائيل هو مسألة وقت فقط، فالغارات الجوية التي شنتها روسيا والتحالف ضد التنظيم، دفعته إلى تغيير إستراتيجيته، والبدء في تنفيذ هجمات خارج ما يُسمى بـ «دولة الخلافة» في العراق وسوريا، وهو ما تؤكده الهجمات المتصاعدة والمتتالية التي ينفذها التنظيم في جميع أنحاء أوروبا. كما أن هناك ضباط رفيعي المستوى في الجيش الإسرائيلي أطلعوا الصحفيين في مؤتمر صحفي عُقد في يناير 2016، عن مخاوفهم بأن تنظيم داعش سيحوّل تركيزه إلى إسرائيل، فتنظيم ولاية سيناء، الذي يخوض حربًا دامية مع الجيش المصري، سوف يتحرك في نهاية المطاف ليستهدف إسرائيل، ونقلت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» تصريحًا عن أحد ضباط جيش الدفاع الإسرائيلي أشار فيه إلى أن «الصراع مع الجهاديين لن يحدث بالضرورة اليوم أو غدًا أو العام المقبل، ولكنه سيحدث بالمحصلة».2. تزايد عدد المؤيدين في الداخل: جاء في تقرير القناة العاشرة الإسرائيلية في مارس 2016، أن تنظيم داعش يعمل بلا هوادة على تشجيع تنفيذ هجوم كبير في إسرائيل. وورد في التقرير أن لداعش حوالي 100 ناشط في إسرائيل في الوقت الحالي. وأشارت القناة إلى الهجوم الذي قُتل فيه 3 إسرائيليين في 1 يناير 2016 في تل أبيب ونفذه «نشأت ملحم»، وهجوم طعن وقع في الشهر ذاته نفذه مهاجر سوادني في إسرائيل تأثر بداعش. فهناك 40 من عرب إسرائيل غادروا البلاد للانضمام إلى صفوف داعش، معظمهم عبر تركيا. كما أن هناك 10 فلسطينيين مفقودين حاليًا من مناطق السلطة الفلسطينية، ويُعتقد بأنهم انضموا إلى داعش.3. تزايد خطر حلفاء داعش في الشمال: تتجه أنظار إسرائيل في الشمال، قبالة حدودها المزعومة مع سوريا، إلى مجموعة مسلحة تابعة لتنظيم داعش، والتي قد تكون أداة داعش لمهاجمة إسرائيل. وتتواجد تلك المجموعة، التي تُدعى «شهداء اليرموك»، والذي يُقدر أنها مكونة من حوالي 600 عضو، حوالي 15 كيلو متر شمال «حدود إسرائيل» مع مرتفعات الجولان السوري. وبالرغم من حجم المجموعة الصغير، تملك المجموعة ذخائر ضخمة من الأسلحة، وتشكل تهديدًا حقيقيًا على إسرائيل. واستولت مجموعة شهداء اليرموك على مناطق واسعة من جبهة النصرة، وتحكم حوالي 40 ألف مواطن سوري. وتخشى قيادة الجيش الإسرائيلي الشمالية أنه قد يتم اختراق الحدود إلى داخل إسرائيل في المستقبل بسيارة مفخخة، أو يتم زرع متفجرات على السياج الحدودي، أو إطلاق صواريخ مضادة للدبابات وقذائف على مركبات وأشخاص إسرائيليين. وهو الأمر الذي دفع إسرائيل إلى تعزيز تدابيرها الأمنية على السياج الحدودي لعرقلة هجمات كهذه عن طريق إضافة عوائق على طول الحدود، ومركبات مدرعة في المنطقة، ونصب كاميرات مراقبة في المنطقة.إجمالًا، قد تبدو قدرات داعش على اختراق المنظومة الأمنية في إسرائيل -من الناحية العملية- محدودة. لكن، قد لا يعجز التنظيم عن تجنيد عناصر في الساحة الفلسطينية، كما فعل في جميع الدول التي استهدفها في العالم، هذا إن أراد حقًا مهاجمة إسرائيل. ورغم أنه لن يتمكن من تنفيذ عمليات ضخمة كالتي قام بها في بيروت وتونس وباريس وبروكسل، إلا أن هجومًا واحدًا يتبناه التنظيم يكفي لزعزعة ثقة الإسرائيليين في منظومتهم الأمنية، وفي تصريحات قادتهم، لسنوات قادمة. وحينها، قد يكون رد الفعل الإسرائيلي غير متوقع، مما يهدد بسيناريو كارثي.

المراجع
  1. نادية سعد الدين، "التوظيف الإسرائيلي لتهديدات داعش والنصرة"، موقع مجلة السياسة الدولية.
  2. جيهان فوزي، "داعش يغازل إسرائيل"، موقع صحيفة الوطن المصرية، 31 ديسمبر 2015.
  3. "البغدادي يهدد إسرائيل"، موقع العرب، 27 ديسمبر 2015.
  4. "يورغن تودنهوفر ألماني حصل على أمان البغدادي"، موقع الجزيرة نت، 19 فبراير 2015.
  5. فهد الخيطان، "ماذا لو استهدفت داعش إسرائيل؟"، موقع صحيفة الغد، 28 ديسمبر 2015.
  6. "لأول مرة داعش يتوعد بالانتقام من إسرائيل"، موقع روسيا اليوم، 23 أكتوبر 2015.
  7. "لماذا لا يهاجم داعش إسرائيل؟"، موقع روسيا اليوم، 13 فبراير 2016.
  8. فريق التحرير، "الجيش الإسرائيلي: داعش سيتوجه لضرب إسرائيل"، موقع نون بوست، 27 يناير 2016.
  9. "هجوم داعش على إسرائيل هو مسألة وقت فقط بحسب مسئول، موقع تايمز أوف إسرائيل، 7 ديسمبر 2015.
  10. جوداه اري غروس، "يعالون: أفضل تنظيم داعش على إيران في سوريا"، موقع تايمز أوف إسرائيل، 21 يناير 2016.
  11. ريكي بن دافيد، "بالفيديو: تنظيم الدولة الإسلامية داعش يهدد إسرائيل باللغة العبرية"، موقع تايمز أوف إسرائيل، 1 نوفمبر 2015.
  12. "إسرائيل غير قلقة من تنظيم الدولة الإسلامية داعش بحسب وزير الدفاع"، موقع تايمز أوف إسرائيل، 16 نوفمبر 2015.
  13. "ارتفاع في عدد المؤيدين لتنظيم داعش في صفوف العرب في إسرائيل"، موقع تايمز أوف إسرائيل، 4 مارس 2016.
  14. يهودا آري غروس، " الجيش الإسرائيلي: حليف تنظيم داعش يشكل تهديدًا على الحدود الشمالية"، موقع تايمز أوف إسرائيل، 31 ديسمبر 2015.