للأسف الشديد، لم ينجح ما يقارب الخمسين جيلًا من أجيال أمتنا على مدار أكثر من 1400 عام في حل -أو حتى محاولة جادة لحل- أعوص إشكالاتنا، والتي ما زال جسد أمتنا ينزف منها أرواحًا وأعمارًا وكرامة.

يعتبر بعضُ المتأملين في تاريخ أمتنا أن زمن حكم الخليفة «عثمان بن عفّان» (24 هـ – 35 هـ) ينقسم إلى شطرين، والنقطة التي بينهما هي بداية انقلاب منحنى الأمة الإسلامية البياني ليبدأ رحلة الهبوط. الشطر الأول كان حكمًا راشدًا على نمطِ حكم الشيخين رضي الله عنهما. أما الثاني، فأدت شيخوخة الرجل وعوامل أخرى إلى أن تغلب على رأيهِ بعض أقربائه من سفهاء «بني أمية»، والذين اعتمد على كثير منهم في إدارة أقاليم الدولة التي تمددت بشكل صاروخي. تسببت أخطاء هؤلاء واستئثارهم بالنفوذ؛ في بروز تململات أخذت تتضخم شيئًا فشيئًا، تبعًا لنظرية كرة الثلج الشهيرة.


حصار الخليفة

جرتْ تحت الجسر مياه كثيرة حتى أواخر عام 35 هـ، عندما فوجئ المسلمون لأول مرة في تاريخهم بمشكلة سياسية من العيار الثقيل. فخليفتهم صاحب السلطة؛ محصور في بيته في قلب عاصمته مدينة الرسول، لا يصدق ما يحدث حوله وهو الذي فتح الآفاق، وأجرى خيرها على الناس جميعًا، تحيط به جماعات من (ثوار) الأقاليم يصرون على رحيله، ويؤكدون على شرعية مطالبهم وحقهم في عزله، بعد أن حاد عن درب الشيخين في أواخر حكمه.

أعلن هؤلاء الثوار أنهم يئسوا من التفاوض معه، بعد أن أسلم نفسه لـ«مروان بن الحكم» وأشباهه من ذئاب الحكم في «بني أمية». الخليفة أعلنها صراحة أنه يخشى على الأمة من فوضى لا قرار لها، إن هو خلع قميص الحكم الذي ألبسه له الله لمجرد أن بضعة آلاف -أيًا كانوا- طالبوه بهذا.

استحكم النزاع، وكانت الصاعقة أن استيقظ سكان العاصمة في يومٍ مشئوم، ليجدوا الخليفة مضرجًا بدمائه؛ بعد أن اقتُحِمَت عليهِ دارُه، التي أصرَّ ألا يسمحَ لأعيان الأمة، وفرسانِها كـ«علي، وولديه، وابن الزبير» وسواهم أن يحرسوها، خوفًا من أن يتسبب باقتتال المسلمين دفاعًا عن حكمه. فكان أول مقتول ظلما بيد مسلم، وبالطبع لم ولن يكونَ الأخير.

في العام التالي؛ اقتتل المسلمون، وفي القلب منهم كبار الصحابة في «موقعة الجمل»، وكان عنوان الصراع هو «أولوية القصاص لعثمان من قاتليه ظلمًا»، وإن أدى هذا إلى حرب أهلية معهم ومع قبائلهم، أو الحفاظ على وحدة الأمة بقيادة «الإمام علي» الذي بايعه بعض المسلمين وفي مقدمتهم قتلة «عثمان»!.

وفي العام الذي بعده، اقتتلوا مجددًا، لكن كان صدامًا مروعًا بين جيش «علي» وغالبه من أهل العراق، و«جيش الشام» بقيادة معاوية، الذي يرفع ظاهرًا شعار الثأر لـ«عثمان». وكان «معاوية» قد استأثر بحكم الشام منذ 15 عامًا بحنكته ومكره السياسي، وانخفاض سقف التزاماته الأخلاقية في إدارة السياسة.

انتهت المعركة بمُنْخَنَقٍ سياسي بالتحكيم، ونجح دهاء «معاوية» في أن يؤَمِّنَ له بالسياسة، ما لم تُحصِّله له الحرب. تنازع عليٌّ بعدها مع الراديكاليين في معسكره (الخوارج) الذين اعتبروه متساهلا في حق الله بالتحكيم، ثم نجح عليّ في القضاء عليهم ظاهريًا، لكن استمرّت خلاياهم كالنار تحت الرماد، حتى طالته سكين أحدهم في صلاة الفجر عام 40 هـ.

إزاء المعسكر المهتز الذي ورث «الحسن» قيادته من أبيه، فإنه لم يعد يرى من جدوىً في استمرار النزاع مع معاوية، فتنازل له عن الحكم، ليعود للمسلمين لأول مرة منذ 6 أعوام دولة واحدة؛ بحكم فردٍ واحد في عام 41 هـ، ولكن شتّان بين دولة من ما قبل الثلاثينيات الراشدة، ودولة الأربعينيات العضوض، وإن اشتركا في الاستقرار والوحدة.


أسباب الفتنة الكبرى

لكي نحلِّل الفتنة الكبرى بشكلٍ سليم، يمكن معه التغلب على آثارها الراهنة التي ما نزال نكابدها، فإن ذلك لابد أن يكون بمعزلٍ عن التفسيرات التبريرية، التي لا تسمن ولا تغني من جوع، والتي لا جدوى من الاستسلام لها إلا الهروب من الواقع إلى أحضان «ميكانيزمات» الدفاع النفسي؛ وأخص هنا بالذكر تفسيراتٍ من قبيل المؤامرات اليهودية لتدمير المسلمين … إلخ.

الأمر باختصار هو أن الأمة اتسعت بشكلٍ هائل في غضون سنوات قليلة مع انهيار الامبراطوريات العظمى المجاورة تحت وطأة سيوفها. اتسعت أعدادا وأفكارا وثقافاتٍ وأطماعًا، وقلَّ كثيرًا تماسكها النوعي ومثاليتها الاستثنائية كما كانت في عهد الرسول وما بعده مباشرة، عندما كان غالبية رعيتها من الصحابة.

وعندما حدث خلافٌ سياسي جدّي، ولم تكن الحدود والصلاحيات والحقوق والواجبات واضحة. فإذ بالسيف يسرق الجميع ويسوقهم. وما زال إلى يومنا هذا هو الحكم الفصل.

لا أدري كيف تسبب السياسة والنزاع عليها فتنة عظمى كهذه في صدر الإسلام، ولا يكون الشغل الشاغل لأمتنا ونخبها من بعدها هو الغوص في كتاب الله، والإبحار في التفكير، واصطياد منجزات السابقين واللاحقين وانتزاع ما ينفعنا، لخلق فكر سياسي إسلامي ناضج، يترجم إلى ممارسات سياسية تجنب الأمة تكرار هذه الفتن، وتنتشلها من حكم أصحاب السيوف الذين ساقوها إلى حظائر مطامعهم؛ وما زالوا.

لا أدري كيف تظل أمتنا رهينة نفس المعضلات على مدار 14 قرنًا؟

انتقلت أوروبا من عصور الظلام والخزعبلات وتسلط الفرد، إلى «الماجنا كارتا» والإصلاح النخبوي، ثم إلى عصور النهضة. مروا بثورات وحروبٍ كبرى أدخلت عامة الشعوب في معادلات الحكم والتغيير، انتهاء بالديمقراطية ودساتيرها، وقوانينها، واستفتاءاتها، واقتراعاتها، وصحافتها، ومظاهراتها… إلخ، بينما أمتنا ما زالت تساق بالسيف، اللهم إلا أن السيف استبدل بالرشاش والدبابة، والهراوة والقناصين، وقنابل الغاز… إلخ.

لم نتفق على نظرية حكم -ولو أُطر عامة- تنتسب إلى تاريخنا وواقعنا في آنٍ واحد. لم نحدد حتى الآن حدودًا حاسمة لحقوقنا وواجباتنا حاكمين ومحكومين. لم ننجح حتى في أن نقتبس من الغرب آخر إبداعاتهم، وتحديثاتهم في أمور السياسة والحكم.

ما زالت فتاوى وأحكام الطهارة والثياب،… إلخ؛ تحظى بأضعاف أضعاف مساحات التفكير والاهتمام الجمعي بقضايا كبرى في الحكم والثورة ومنازل وأحكام التغيير المجتمعي والسياسي،… إلخ. وكل المحاولات الجادة هي محاولات فردية متناثرة لم تأخذ الحظ الكافي من الأضواء والانتشار، وبالطبع التطبيق.

كان للأولين ما يعتبر عذرًا في الانجرار للفتن، والانهزام أمام المعضلات، لحداثة تجربتهم، فما عذرنا بعد ألفية ونصف من تجاربنا الأليمة وتجارب غيرنا؟!

إلى متى تستمر فطرة أمتنا بهذا التشوه تجاه واحدة من أهم قضاياها؟ إلى متى يظل المظلوم إن غضب هو المجرم، بينما يمنح الظالم الشرعية بقصدٍ أو بغير قصد؟ ألم نقرأ يومًا قوله تعالى:

ولمَنِ انتصَرَ بعدَ ظُلمِهِ فأولئكَ ما عليهِم من سبيل * إنما السبيل على الذينَ يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغيرِ الحق”.
سورة الشوري 41-42

إلى متى سنظل عاجزين عن تدعيم مبادئ ديننا من شورى وعدل ونصرة،… إلخ، بروافع من الأفكار والقوة المجتمعية والتنظيمات السياسية التي تليق بروعة المبادئ وجسامة التحديات؟!

متى سنرى مجمعًا عالميًا لعلماء الإسلام، لا ينفضون منه إلا وقد ناقشوا بكل أريحية وإخلاص أمور حكمنا وسياستنا، وأعادوها إلى حظيرة الفطرة السوية والإسلام العادل، معتبرين من تجارب الماضين وإنجازات اللاحقين من العالمين؟. المفارقة الصادمة أن مثل هذا المجمع -المتخيل- ستضيق به بلاد وحكومات المسلمين، فلا يجد سوى رحاب لندن أو بروكسل، أو غيرهما من «عواصم الكفر والضلال»!.

كلما تأخر هذا السعي الجاد لإقامة ما اعوجَّ من هذا الأمر الجلل، وكلما ظلت التوافه والفروع التي لا تغضب أصحاب السيوف هي محل النقاش والنزاع، بينما تتوارى الأساسيات والقواعد الكبرى. فلتواجه أمتنا خطر الانقراض الفكري والوجودي، ولننتظر مزيدًا من المذابح والمواجع. وسيستمر التردي لتكون سيوف الناس وقلوبهم معًا على الحسين. وليهنأ يزيد بحكمه السرمدي.