بعد نحو أربعة أشهر من الاحتجاجات المتواصلة، نجح الشعب السوداني في التخلص من الرئيس عمر البشير، الذي حكم البلاد بالحديد والنار لثلاثة عقود. المستقبل لا يزال مجهولًا وغير متوقع، لاسيما في ظل إعلان الجيش توليه قيادة البلاد، لكن لحظة الانتصار المبدئي تستحق أن تخلد وأن تروى قصتها.

وها هي ..


من الأطراف إلى المركز

بدأت موجة الاحتجاجات التي قادت إلى الإطاحة بالبشير في 19 من ديسمبر/ كانون الأول الماضي، عندما اندلعت مظاهرات في مدن عطبرة (تبعد 300 كيلو متر عن العاصمة) وبورتسودان (تبعد 675 كيلو مترًا عن الخرطوم)، احتجاجًا على الأوضاع الاقتصادية المزرية والتي كان أبرز مظاهرها ارتفاع أسعار الخبز والوقود والدواء والسلع الأساسية. ثم سريعًا تحولت المطالب الاقتصادية إلى سياسية وهتف المتظاهرون بسقوط نظام البشير؛ السبب الرئيسي وراء ما وصلت إليه البلاد. تواصلت المظاهرات في اليوم التالي 20 ديسمبر/ كانون الأول، وتوسعت رقعتها من الأطراف حتى المركز، فشملت العديد من المدن الأخرى مثل القضارف ودنقلا ووصلت العاصمة الخرطوم، التي تظاهر نحو 500 شخص فيها على بعد كيلو متر واحد من قصر الرئاسة. كعادتها قمعت قوات الأمن المظاهرات وأطلقت الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع، فقتل 8 أشخاص على الأقل، وأصيب العشرات واعتقل المئات. رد المحتجون على القمع بالثورة أكثر، فأحرقوا عددًا من المقار الحكومية والخاصة، من بينها مقر حزب المؤتمر الوطني الحاكم في عطبرة. وأعلنت السلطات حالة الطوارئ وحظر التجوال في بعض المدن، كما تم حجب بعض وسائل التواصل الاجتماعي الشهيرة مثل فيسبوك وواتساب وتويتر.

وقالت الحكومة في تعليقها على سقوط قتلى خلال الاحتجاجات، إن «المظاهرات السلمية انحرفت عن مسارها وتحولت بفعل المندسين إلى نشاط تخريبي استهدف المؤسسات والممتلكات العامة والخاصة بالحرق والتدمير وحرق بعض مقار الشرطة». واتهمت بعض الجهات السياسية بمحاولة استغلال الأوضاع لزعزعة الأمن والاستقرار تحقيقًا لأجندتهم السياسية. واعتبرت أن قوات الأمن تعاملت مع المظاهرات «بصورة حضارية دون كبحها أو اعتراضها».استمرت المظاهرات يوم الجمعة 21 ديسمبر/ كانون الأول، واشتعلت أكثر في مدن الأطراف كالرهد وكسلا وجزيرة آبا، وردت السلطات بقمع المحتجين الذين سقط منهم قتلى جدد، كما ألقت القبض على 14 قياديًا من التحالف الوطني المعارض بدعوى أنهم «خلية تخريبية».


حراك النفس الطويل المنظم

أيدت القوى السياسية والحزبية المعارضة، وعدد من النقابات المهنية على رأسها «تجمع المهنيين السودانيين»، مطالب المتظاهرين ودعوا البشير إلى التنحي عن منصبه.وأُعلن عن تدشين تحالف معارض جديد حمل اسم «الجبهة الوطنية للتغيير» يضم 22 حركة ومنظمة وحزبًا سودانيًا، من أجل مواكبة حراك الشارع الذي تجاوز كافة الفاعلين التقليديين في الشأن السوداني.سريعًا بدأ الحراك يتخذ منحى أكثر تنظيمًا، وبات «تجمع المهنيين السودانيين» القوة الرئيسة التي تقود الحراك وتنظمه. وهو تجمع دشن في منتصف العام 2018، ويضم 8 أجسام مهنية، هي: لجنة المعلمين، ولجنة أطباء السودان المركزية، والتحالف الديمقراطي للمحامين، وشبكة الصحفيين السودانيين، ورابطة الأطباء البياطرة الديمقراطيين، وتجمع أساتذة الجامعات، ونقابة أطباء السودان الشرعية، ولجنة مبادرة استعادة نقابة المهندسين، ولجنة الصيادلة المركزية، وتجمع المهندسين السودانيين، وتجمع التشكيليين السودانيين، وجمعية اختصاصيي الإنتاج الحيواني، وتجمع ضباط الصحة.دعا «التجمع» إلى إضراب عام يوم 24 ديسمبر/ كانون الأول، ولقت دعوته استجابة من بعض القطاعات، وسط تصاعد المظاهرات في مختلف المدن. وفي نفس يوم الإضراب، بدأت شائعات -ستتواصل طوال فترة الحراك- تقول إن الجيش تحرك وألقى القبض على الرئيس.أراد البشير أن يدفع الشائعة عن نفسه ويؤكد إمساكه بزمام الأمور، فألقى خطابًا جماهيريًا، في 25 ديسمبر/ كانون الأول، في منطقة ود الحداد في ولاية الجزيرة، لينفي الشائعة، وقال إن «الخونة والمرتزقة» استغلوا ضائقة الناس المعيشية وسعوا إلى التخريب، وأن الحرب تشن على السودان لتمسكه بدينه وعزته وأنه «لن يبيعها نظير القمح أو الدولار».دخل العام 2019، والحراك مستمر في التصاعد رغم عدم وجود بوادر لحدوث انفراجة، وربما يرجع ذلك إلى أن «التجمع المهني» كيان غير مؤدلج ولم ينخرط مع نظام البشير في علاقة مثل كثير من القوى السياسية التقليدية، لذا كان من الصعب على النظام السيطرة عليه أو التفاوض معه من أجل تهدئة الحراك، وعليه استمر القمع الأمني العنيف للمظاهرات. وفي حركة مسرحية تقليدية للرد على تصاعد الانتقادات من تعامل السلطة العنيف مع المتظاهرين، أصدر البشير، مطلع العام الجاري، قرارًا بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول الأحداث التي يشهدها السودان، بدعوى أن هناك مخربين ومندسين وسط المتظاهرين.تواصل الاحتجاجات وعلو الهتافات المطالب برحيله، دفع ا لبشير إلى مواجهة المتظاهرين بمزيد من التحدي قائلًا إنه لن يترك السلطة إلا عن طريق الانتخابات، وأن «من يريد الحكم عليه المشاركة في الانتخابات وليس عن طريق المؤامرات.. القرار قرار الشعب السوداني.. من خلال صناديق الاقتراع، بانتخابات حرة نزيهة»، وفي الوقت نفسه كان يواصل إعداد العدة لتعديل الدستور من أجل السماح له بالترشح مرة أخرى إلى الانتخابات الرئاسية.لم يفقد السودانيون الأمل، واستمرت المظاهرات طوال شهر يناير/ كانون الأول، وتخللهاأكثر من إضراب. ومع بداية فبراير/ شباط، بدأ الحديث يتزايد عن تململ قيادات الجيش وضغطهم على البشير من أجل الاستقالة. وفي اللحظة الأخيرة التي كان يتوقع أن يعلن فيها البشير تنحيه عن السلطة، عاد إلى المراوغة من جديد، على أمل أن تنكسر موجة الغضب، فأعلن في 22 شباط/ فبراير الماضي، فرض حالة الطوارئ لمدة عام في كل أنحاء البلاد، وحل الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات، ودعا البرلمان لتأجيل تعديلات دستورية تتيح له الترشح لولاية جديدة عام 2020. وعيّن قادة من الجيش ولاة في ولايات البلاد البالغ عددها 18 ولاية، من أجل كسب ولائهم.

لم يقتنع المتظاهرون بحديث البشير واستمر هتافهم واحد «تسقط بس».وتواصلت المظاهرات والاحتجاجات في تحدٍّ واضح لحالة الطوارئ التي أعلنها البشير، كما استمرت الإضرابات، التي كان أبرزها إضراب 5 مارس/ آذار الماضي، والذي شهد مشاركة واسعة من مختلف شرائح المجتمع. وكان هناك قرار شبه واعٍ بمواصلة التظاهر المنظم لاستنزاف النظام وحشد التأييد والدعم الداخلي والخارجي من أجل الإطاحة بالبشير.


نقل المعركة إلى ملعب الجيش

تواصلت الاحتجاجات في السودان طوال شهر مارس دون كلل أو ملل، لكن أيضًا دون استجابة من النظام لمطالب المتظاهرين. ثم أتى حراك الجزائر المشتعل والذي أدى إلى استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، في 3 أبريل/ نيسان الجاري، ليعطي دفعة وأملاً للثائرين ضد حكم البشير.تواصلت المظاهرات وأخذت منحى أكثر خطورة يوم 6 أبريل/ نيسان، تزامنًا مع ذكرى الإطاحة بالنظام العسكري للرئيس جعفر النميري، إذ تظاهر آلاف السودانيين أمام مقر القيادة العامة للجيش، واقتحموا بيت الضيافة الخاص بالرئيس البشير، وسط تغاضٍ من قوات الجيش التي لم تمنعهم وحمتهم من بطش الشرطة.

متظاهرون يدخلون قصر الضيافةلازال بعض الحاكمين يحلمون بالاستمرار#تسقط_بس

Gepostet von Osman Fadlalla am Samstag, 6. April 2019

اعتصم آلاف المتظاهرين أمام مقر قيادة الجيش طوال الأيام الخمسة الماضية، من أجل الضغط على قيادته حتى تنحاز للإرادة الشعبية وتدعم رحيل البشير، وتسلطت أضواء وسائل الإعلام الإقليمية والعالمية على حراكهم السلمي المتواصل.واصل النظام وأجهزة الأمن الموالية له محاولاتهم لفض الاعتصام بالقوة، وجرى إطلاق الرصاص على المتظاهرين أمام مقر القيادة ما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 22 شخصًا بينهم 3 جنود في الجيش، لكن تلك المحاولات فشلت وبقي المتظاهرون متمترسين في أماكنهم، لا زالوا إلى الآن حتى بعدما أعلن وزير الدفاع الإطاحة بالبشير.