رواية بطلها رجل عادي ثم تصوف، كانت الموسيقى دواء أسقامه، وترياق روحه. إنه بطل أخرس أنطقته الموسيقى وأطلقت لسانه. يساوره الشك، والشك باب الحقيقة، رواية يزيّنها الحوار والجدل، حوار بين القديم والحديث، بين الحداثة والأصالة.. إلى آخر هذه الثنائيات الصلبة، التي تعج بها ثقافتنا، وتسم طريقة تفكيرنا، هنا خرافة تدافع وحداثة تهاجم، والغلبة لمن في النهاية؟ سنعرف ذلك في خاتمة رواية «أمطار صيفية» للكاتب المصري أحمد القرملاوي، التي حصلت مؤخرًا على جائزة زايد للكتاب.

تُعرف الأشياء من بداياتها، غالبًا، فالمرسول دليل على الراسل، ولئن كان للصفحات الأولى وسم خاص فهو: التكثيف والتشويق في آن واحد، فتأمله مثلًا وهو يقول، على لسان يوسف: «اجلسي وستعرفين كل شيء»، كأنه يقول للقارئ تمهل وسترى.

قليل جدًا من الأعمال الأدبية هي التي تجذبك منذ البداية، بيد أن هذا العمل -وهذه واحدة من حسناته- خطفني منذ الأسطر الأولى، ناهيك عن أن خواتيم فصوله مذهلة، وبنيته الروائية في غاية المتانة والحبكة، فكلما أنهيت فصلًا تراني متلهفًا للانخراط في الذي يليه.

يستهل الكاتب روايته بشكر الناشر، الذي هو زينة الديناري في الرواية، ولعله أراد بهذا أن يعترف بفضلها في إيقاظه من سُباته الدوجمائي، عبر طرحها السؤال عليه، ووضع أفكاره على منضدة النقد والتشريح. ولعل هذا أيضًا علامة مضمرة على ما ستؤل إليه الرواية في النهاية.

تحكي الرواية عن بقعة جغرافية محددة وهي وكالة الموصلي، بما يدفعنا على التجاسر بالقول إن فيها كثيرًا من إثنوجرافيا المكان، إن جاز أن نطلق هذا المصطلح، إذ اقتطع الراوي بقعة مكانية معينة (وكالة الموصلي) ودوّر روايته عليها، «إنها بقعة على اتصال دائم بالسماء»، هكذا قال عنها الشيخ ذاكر رسلان. يُتابع رسلان مبالغًا في تقريظ هذه الوكالة قائلًا:

لكل مكان روح تتشكل، حسبما يطرأ عليه من أحوال. هذه الجدران لم تشهد شجارًا قط، لم تسمع جدالًا لمئات السنوات، لم تُرق دماء فوق هذه الأرض ولم يعبرها فاسق، حتى المساجد يدنسها لصوص الأحذية، أما هنا فالله خير حافظًا.

وكأن الله لم يحفظ بقعة أرضية سوى هذه، لكنه (ذاكر) شيخ، وهذا يعني أن عقله في الثلاجة.

روايتنا هذه رواية صوفية كالعادة؛ أي كعادة أغلب الأدب الرصين الآن، أو بالأحرى الأدب الذي يكتبه أدباء موجوعون وجدانيًا، وكأن التصوف هو المهرب الوحيد من كل هذا الخراب الروحي الذي يحياه العالم حاليًا.

تبدأ أحداث الرواية في التكاثف منذ اللحظة التي يتم فيها تنصيب يوسف شيخًا للطريقة الموصلية خلفًا للشيخ ذاكر رسلان، إذ وثَق هذا الأخير في الشيخ يوسف، وثق في قلبه، ومعرفته بالطريقة وتعاليمها، الأمر الذي دفعه إلى إلقاء هذا العبء على كاهل هذا الشاب الذي يدرس تاريخ الموسيقى، وينقب، فيما بعد، في الأسفار عن كلمة تذكر شيخهم الموصلي هذا.

يوسف هو بطلنا، لا بل هو شيخ الطريقة الذي يُستهل حفل تنصيبه بمعزوفة موسيقى! هل آن لنا أن نفهم الرسالة؟ أن الفن والموسيقى وسيلة ناجعة لمحاربة الغلو والتنطع. ربما يكون هذا مستغربًا، فالجميع، أو بالأحرى الذين انفتحت عيون رؤوسهم على الصحوة المزعومة وأفكارها، تربى على أن الموسيقى حرام، لكن للمتصوفة دائمًا قول آخر، لكنه قول القلب.

ولا تظن أن الموسيقى، عند الطريقة الموصلية، كانت مقصورة على حفل التنصيب فحسب، بل قالوا:

التمرين وسيلة للعبادة، تذكر ذلك كلما أمسكت العود.

قالها يوسف لزياد معلّمًا. فكلما أمعن الطالب -طالب الوصل أو الوصول- في التدرب على العود، وبذل في ذلك حُشاشة نفسه، كان قُربة لله وتعبدًا. ومبلغ ما يمكن قوله على مثل هذا الصنيع أنه ثورة على العقائد السلفية والأصولية، التي تريد قهر التقدم، والعودة بالتاريخ إلى الوراء.

لاحظنا على طول هذه الرواية وعرضها وجود نوعين من الصراعات، مختلفين عن بعضهما تمامًا؛ الأول: صراع بين الصوفية والسلفية على كعكة موروثات رمزية، يريد كل طرف، كما كل الجماعات العرقية والدينية، أن يستأثر بها بمفرده. فالسلفيون يقولون بفسق بل بحرمة الموسيقى والأغاني، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، يريدون الظفر بوكالة الموصلي كبقعة جغرافية، إذ يرغبون في التمدد فيها وتوسعة مساجدهم، وكأن الله لم يخلق للمساجد أرضًا سوى الوكالة!

والصراع الثاني: أعم من هذا وأطم، إذ زُرعت زينة الديناري لتضع الصوفية -لا بل الميثولوجيا وفكرة الدين من الأساس- في مواجهة أمام ذاتها أولًا، إذ من الواجب عليها تطوير مبادئها وإلا تخطاها الزمن، وفي مواجهة الحداثة من جهة أخرى. إنها مواجهة ثنائية الأبعاد على الصوفية اجتيازها إن هي أرادت أن تبقى معينًا روحيًا لقلوب الحيارى والتائهين.

وفي ظني أن زينة الديناري هي العنصر الأهم في الرواية برمتها، فهي التي ألقت بحجر الشك في بركة عقل يوسف الراكد، ولولاها لما كان لوجود يوسف معنى، ولكانت الرواية وعظية، صوفية، أو قل ما شئت. إنها (أي زينة) هي التي قالت ليوسف، ولنا أيضًا، إن لك عقلًا هيا استعمله، وأوقظه من غفوته، فلا يجمل بك أن يُضحك عليك باسم الله. تُرى هل قامت زينة بدور كانط وأخذت على عاتقها تعليم النقد وبث مبادئه؟ لست أدري، وإن كنت واثقًا من أنها آمنت بشعار التنوير -كن جريئًا واستخدم عقلك- واتخذته لها قِبلة عندما سمعت من يوسف، ذات مرة، كلمة «الموروث الروحي» قالت ساخرة ثائرة:

روحي! عن أي شيء تتحدث؟ عن الروح، ها؟ عن مادة لا يمكنك التعامل معها مختبريًا، ورغم ذلك تقول إنها صاحبة الأمر في كل شيء. ماذا لو أصابها خلل ما؟ نعجز حينها عن الإصلاح ونركن لحجة سهلة نغلّفها بقناعة بائسة!

إن لسان زينة الديناري هو سيف الحداثة المشهور في وجه كل جنود الخرافة والتخلف، وتضع بآرائها وتساؤلاتها أفكارنا على المحك، وتشكك فيها، وتوجه مدافعها الحداثية الثقيلة إلى صدر الخرافة والأساطير، ماذا لو كان الشيخ الموصلي نفسه غير موجود، كما تقول زينة الديناري؟ أليست هي القائلة:

الله! الحقيقة أني لست متأكدة، أو قل إني غير مهتمة، لست في حاجة لمرجعية كبرى ألتجئ إليها حين يستغلق عليّ الأمر، مرجعيتي هي العقل والمنطق، وأؤمن بكل ما يمكنني إخضاعه للتجربة. كما أؤمن بقدرة الإنسان على إحداث المعجزات، حين لا ينتظر هبوطها من السماء؟

بخلاف زينة الديناري، التي هي ابنة ذاكر رسلان نفسه، كان هناك زياد صديق يوسف وتلميذه فيما بعد، هذا الرجل عاش حياة «النبيل المتوحش»، لو جاز لنا أن نستعير تعبير جان جاك روسو، آمن بالحس وبالهوى، ودأب جاهدًا على تلبية مرغوباته وشهواته. ولعل الراوي قصد بوجود هذه الشخصية أن تكون الطرف المقابل والمعادل لشخصية يوسف ورسلان وكل أتباع الطريقة الموصلية. لم يكن زياد مثل زينة، إذ بينهما تقاطعات شتى، بيد أن الذي جمعهما هو إنكار الخرافة، والإيمان بالمادي والمحسوس، وإن كان زياد ليس جريئًا للتصريح بذلك.

تنتهي الرواية بمشهد احتراق وكالة الموصلي على يد السلفيين، لم يكن لها لا حافظ ولا حارس، فقط استجابت للنار المتقدة، احترقت الوكالة لكن العقل انتصر.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.

المراجع
  1. رواية «أمطار صيفية» للكاتب المصري أحمد القرملاوي ص 193