لا شك أن القانون – أي قانون – يعبر عن سياسات معينة، أي أنه يضع نظمًا لأحوال المجتمع وفقًا لسياسات معينة قررها واضعو القانون. ولكن ما أن توضع هذه السياسات في صيغة قانون يصدر حتى تصير نظامًا يطبق على جميع من تشملهم أحكامه من أشخاص وتصرفات، حتى على واضعي القانون أنفسهم. فالقانون وهو يجسد سياسات معينة يعبر عنها، إلا أنه ما أن يوضع ويصدر حتى يتميز عن هذه السياسات ذاتها، ليصير له شأنه المحدد من حيث صياغة أحكامه ومنطق ما يسري عليهم من أشخاص وتصرفات ووقائع، حسبما تضمنت نصوص أحكامه وصياغتها التشريعية.

وفي هذا السياق القانوني، فإن أول ما يتعلمه طالب الحقوق في أول درس له عندما يدخل الجامعة لدراسة هذا المجال العلمي، أول كلمة تقال له ويسمعها في صباح يومه الأول، هو أن «القاعدة القانونية» عامة ومجردة. وأن هذا العموم والتجريد يميزها عن أشخاص قرروها وعن نياتهم الخاصة، وهي في عمومها وتجردها تصدق على الأشخاص بأوصافهم الموضوعية لا بذواتهم الخاصة، وتصدق على تصرفاتهم ووقائعهم بموجب ما تتميز به من شرائط موضوعية بغض النظر عن أعيان من أدوا هذه الأمور أو علقت بهم هذه الوقائع. وأن غاية البحث القانوني والقضائي في هذا الشأن، إنما يتعلق بمدى توافر أركان التصرف أو الموافقة في الحالة المعروضة، ومدى نسبتها إلى من يدعي حصولها منه أو تعلقها به، بصرف النظر عن الأعيان والذاتيات، التي لا تتعلق بالحالة الموضوعية المعروضة.

أول ما يتعلمه طالب الحقوق في أول درس له عندما يدخل الجامعة لدراسة هذا المجال العلمي، هو أن «القاعدة القانونية» عامة ومجردة

وأن ما يكمل هذا الوضع بالنسبة لسياقه هذا، هو عمل القاضي وأداؤه بموجب ما يتمتع به من استقلال. فإن استقلال القاضي في حقيقته يعني استقلاله عن كل ما يحيط به فيما عدا القانون، أي أنه استقلال كامل وتام وبات إلا عن القانون، أي أن الاستقلال هنا يعني الخضوع للقانون وحده دون غيره. لأن خضوعه لأي اعتبار آخر غير القانون من شأنه أن يوقعه في دوائر التأثر بالسياسات أو الأشخاص أو الهيئات المتعارضة في المجتمع، ومن شأنه أن يؤدي إلى خضوعه أو تأثره بأي من هذه العوامل فيفقد حيدته، وأن فقدانه حيدته من شأنه أن تفقد القاعدة القانونية على يديه في هذه الحالة ما تقررت به وتفردت به وتحددت به من «العمومية والتجريد» فلا عمومية لأي قاعدة قانونية ولا تجريد لها إذا لم يكن القاضي مستقلا ًومحايداً وبعيداً عن التأثر بذاتيات الأوضاع والأشخاص والهيئات المحيطة بأي عمل يعرض على القاضي. ويفقد القانون قانونيته، أي عموميته وتجريده إذا لم يكن القاضي مستقلًا ومحايدًا، أي إن خضع لغير القانون وحده.

وقديما قرأت لأحد القضاة الإنجليز عبارة لم أنسها قط، وهي أنه إذا فقدت القاعدة القانونية عموميتها وتجريدها تحول القاضي إلى رجل شرطة. وبهذا ينهار النظام القانوني القائم على تعدد السلطات، وبهذا يستحيل الفصل بين استقلال القضاء وحيدته وبين قانونية القانون.

(2)

لذلك نلحظ أن نظم استقلال القضاء في الدساتير والقوانين قد أكدت دائماً هذا المعنى في صدر تنظيماتها، بحسبان أن استقلال القضاء وحيدته هو الضمان الأساسي لصحة التشريع الصادر من السلطة التشريعية، من حيث جوهر ما يعتبر به القانون قانوناً، وبحسبان المؤدي الوحيد الأساسي لاستقلال القضاء هو خضوعه للقانون وحده دون غيره.

إذا فقدت القاعدة القانونية عموميتها وتجريدها تحول القاضي إلى رجل شرطة، وبهذا ينهار النظام القانوني القائم على تعدد السلطات.

نلحظ ذلك في الدساتير كلها، فدستور 1923 في مصر ينص في المادة (134) على أن «القضاة مستقلون لا سلطات عليهم في قضائهم لغير القانون، وليس لأية سلطة في الحكومة التدخل في القضاء». ودستور 1956 ينص في المادة (175) على أن «القضاة مستقلون لا سلطات عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأية سلطة التدخل في القضايا أو في شئون العدالة». ودستور 1964 ينص في المادة (156) على أن «القضاة مستقلون، لا سلطات عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأية سلطة التدخل في القضايا أو في شئون العدالة». ودستور 1971 نص في المادة (64) على أن «سيادة القانون أساس الحكم في الدولة»، وفي المادة (65) على أن «تخضع الدولة للقانون، واستقلال القضاء وحصانته ضمانتان أساسيتان لحماية الحقوق والحريات»، وفي المادة (165) على أن «السلطة القضائية مستقلة، وتتولاها المحاكم»، وفي المادة (166) على أن «القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأية سلطة التدخل في القضايا أو في شئون العدالة». ودستور 2012 ينص في المادة (168) على أن «السلطة القضائية مستقلة. وتصدر أحكامها وفقاً للقانون ويبين القانون صلاحياتها والتدخل في شئون العدالة أو القضايا جريمة لا تسقط بالتقادم»، وفي المادة (170) ينص على أن «القضاة مستقلون غير قابلين للعزل، لا سلطات عليهم في عملهم لغير القانون»، وتكرر هذان النصان في التعديل الدستوري الصادر في 2014.

وإن إطراد وجود هذه الأحكام في الدساتير المتعاقبة رغم الخلافات العميقة الحادة التي شملتها هذه الدساتير بين بعضها البعض، من نظام ملكي إلى نظام جمهوري ومن نظام رأسمالي إلى نظام اشتراكي ثم إلى نظام بين بين ثم إلى نظام رأسمالي. رغم كل ذلك تبقى الأحكام الخاصة بالقضاء، كما هى دائمة، لا يخضع لأية سلطة ولا يخضع إلا للقانون وحده.

إن ذلك يفيد أننا أمام قاعدة ليست دستورية فقط، وإنما هي تنتمي إلى أصول أصول ما تقوم عليه الجماعة، وينظم شئونها الجماعية، وما يقوم عليه بناء الدولة التي تتصف بالقدر المعقول من الرشد والصلاحية لحكم الجماعة، وما يقوم عليه أساس الشرعية الجماعية في المجتمع. وأنه يستحيل أن يُغض عنها الطرف، إنها من مبدأي تقوية الدستور ذاته من أصول تتعلق بالجماعة الحضارية، وهى أصول لا تحكم عمل القاضي فقط، ولكنها أيضا تصوغ عقيدته في التفكير وتصوره عنها في تقديره لأي من الأمور والتصرفات.

القانون والموقف القانوني والشرعية المتولدة عن القانون هي أساس الموقف الثقافي للقاضي، وأساس تشكله الفكري في إطار ما ينحاز إليه من صواب وخطأ.

ولذلك نلحظ أن القاضي لا يمارس عمله القضائي ولا يكون صالحًا للبدء في أداء مهنته وممارسة رسالته القضائية، ولا تنسبغ عليه ولاية القضاء بين الناس لتجعل له القدرة على أن يجلس مجلس القضاء بين الناس، لا يكون ذلك إلا بعد أن يحلف اليمين باحترام القانون. ونص القانون الذي يحلفه وارد في قانون السلطة القضائية بالمادة (71) من القانون 46 لسنة 1972: «يؤدي القضاة – قبل مباشرة وظائفهم – اليمين الآتي (أقسم بالله العظيم أن أحكم بين الناس بالعدل وأن أحترم القوانين)».

فالقانون والموقف القانوني والشرعية المتولدة عن القانون هي أساس الموقف الثقافي للقاضي، وأساس تشكله الفكري في إطار ما ينحاز إليه من صواب وخطأ. وطبقًا لهذا التكوين «الأصولي» والفكري والثقافي الذي يحيط بمهنة القضاء، يرِد السؤال عن كيفية أن أحاسب القاضي عندما يعلق على أحداث جارية بأنها مشروعة أو إنها غير مشروعة، إذا كان يصدر حكمه على هذه الأحداث أو الأنشطة مستندًا إلى النظام القانوني القائم وقت أن جرى الحدث وأبدى فيه رأيه.

(3)

والحاصل حسبما وردت الإشارة في صدر هذا الحديث، أن أحداثًا تقع وتكون سياسية، ثم تتخذ وضعها القانوني أو تتخذ الشكل القانوني المسوغ لها وفقاً لما يجّد من تنظيم للجماعة وللدولة يكون منشأ لشرعيتها أو مبررًا لها، وذلك بانتخابات أو استفتاءات تتم أو بالأمر الواقع بإصدار القوانين بأسلوب الفرض والهيمنة، وبالأسلوب الذي تعتمد صياغته في أي من البلاد المعنية. فثمة مرحلتان، مرحلة إبداء الرأي في الأحداث، ومرحلة النظر في شرعية الأحداث وفقًا للنظام القانوني القائم.

هذا ما يواجه الناس والرأي العام على وجه العموم، أما بالنسبة للقاضي الملتزم بالقانون وحده دون غيره من أوجه النظر والتسويغ السياسي والاجتماعي، فهو في هذا الشأن مقيد مهنيًا ووظيفيًا بما فُرِض عليه من ضوابط قررتها المادة (73) من قانون السلطة القضائية ونصها «يحظر على المحاكم إبداء الآراء السياسية». ويحظر كذلك على القضاة الاشتغال بالعمل السياسي ولا يجوز لهم الترشح لانتخابات مجلس الشعب أو الهيئات الإقليمية أو التنظيمات السياسية إلا بعد تقديم استقالاتهم.

ومفاد ذلك أن ثمة تباينًا واختلافًا في مراتب الحظر التي شملتهما كلتا الفقرتين، الحظر الأول للمحاكم، أي للأداء القضائي ولمجالس القضاء حال انعقاد المحاكم بجلساتها وما يصدر من أحكام. وهذا الحظر يتعلق بإبداء الرأي السياسي أيا كان، فلا يجوز ذلك في قرار تصدره المحكمة ولا في حكم تنطق به ولا في حيثيات الأحكام المدونة، كما لا يجوز أيضًا في جلسات المحاكم المنعقدة. وكل ذلك لا يسيطر عليه إلا القانون وحده.

أما الحظر الثاني فهو لا يتعلق بالعمل القضائي ولكن بالقضاة أنفسهم في غير مجلس القضاء وفي غير ممارستهم للعمل القضائي المشمول بالحظر الأول. وهذا الحظر الثاني يتعلق «بالاشتغال بالعمل السياسي»، ويكون ذلك بالانتماء لأي من هيئاته ومؤسساته الرسمية كالمجالس النيابية أو الأهلية كالأحزاب، أو يكون بممارسة تجري على سبيل الاستمرار والاعتياد بما يجعل صاحبها طرفًا ملازمًا في تيارات سياسية وجماعاتها وما يؤدي إليه ذلك من توافقات جماعية سياسية أو تحالفات أو خصومات وصراعات.

وإن إدراك الفروق بين نوعي الحظرين المشار إليهما، يفضي إلى فهم أن القانون لا يمنع القاضي كشخص من إبداء الآراء السياسية التي أشارت إليها الفقرة الأولى وحصرتها في أعمال المحاكم جلسات وأحكاما، ويمكن أن يرِد ذلك في كتابات تاريخية أو معاصرة أو في بحوث وندوات علمية أو في مواقف يجد الإنسان نفسه مدفوعًا فيها إلى التعبير عن رأيه الفردي في أمور جلل تشغل الجماعة الوطنية في عمومها.

وفي هذا الشأن، فمن الطبيعي أن القاضي بحكم أصل تنشئته الفكرية وممارسات ولاياته القانونية بضوابطها الثقافية، من الطبيعي أن تغلب عليه دائما فيما يبديه من آراء عن أحداث ماضية أو جارية، تغلب عليه فكرة «الشرعية» وأن يقيس الإجراءات التي يعلق عليها بموجب ما تتحلى به من مشروعية أو تفقده منها، وفقاً للقوانين والنظم السائدة، أو يعلق عليها حسبما تهديه مفاهيمه عن العدالة المطلقة ووجهة ما يتبنى من مُثُل فكرية.

(4)

القاضي كشخص من إبداء الآراء السياسية التي أشارت إليها الفقرة الأولى وحصرتها في أعمال المحاكم جلسات وأحكاما.

والحاصل أن عددًا من السادة القضاة الأجلاء يحاكمون تأديبيًا الآن في الهيئة القضائية، بتهمة العمل السياسي لأنهم أصدروا بيانًا في 24 يوليو 2013 يتضمن تعقيبًا منهم على الأحداث التي جرت في 3 يوليو 2013. وإن مطالعة نص هذا البيان يظهر أنه لم يتضمن سوى إبداء رأي عام في تلك الأحداث التي شغلت مصر والمصريين وغيرت مصير أوضاعها السياسية.

من الطبيعي أن القاضي تغلب عليه دائما فيما يبديه من آراء عن أحداث ماضية أو جارية فكرة الشرعية

والبيان حسبما هو معروف ومشتهر وجاري التحقيق بشأنه، لم يوقع عليه ولا ورد به إلا أسماء القضاة من أعضاء الهيئة القضائية، ولم يتضمن أية إشارة أو اسم يتعلق بقوى سياسية أو منظمة أو أشخاص من خارج القضاء. فهو محض إبداء رأي في إجراءات عامة من جمهرة من القضاة.

والبيان كذلك: بوصفه فعلاً أحدثه موقعوه، لم يتابع بعد ذلك كحدث بأحداث أخرى ممن وقع عليه، إلا أن يكون محض إبداء رأي للبعض منهم فيما جدّ من أوضاع مما يجري بطريق تلقائي، وذلك على غير سبيل الانتظام المتعلق بالشئون العامة، ولم ينسب لأحد من هؤلاء السادة أي نشاط علني أو غير علني آخر يتعلق بشأن سياسي. وهذا الوضع يكشف عن أن البيان كان محض إبداء رأي فردي، وهو بطبيعة الحال يخرج عن كونه عملاً من أعمال المحاكم مما حظرته الفقرة الأولى من المادة (73) سالفة الذكر.

ومن حيث مضمون البيان، فهو يعلن رأياً يعتبر الإجراءات التي جرت في 3 يوليو 2013 عملاً غير مشروع، وهي على وجه التحديد «عزل الرئيس المنتخب لمصر»، «تعطيل العمل بالدستور الذي أقره الشعب المصري في استفتاء حاشد نزيه»، «حل المجلس النيابي المنتخب بالمخالفة لحكم المحكمة الدستورية العليا»، «إغلاق منابر إعلامية بغير أحكام قضائية».

ونحن نتساءل: كيف يمكن أن يكون القول بعدم مشروعية هذه الأمور مما يعتبر وقتها عملاً سياسياً أو اشتغالاً بالسياسية؟ إنه محض دفاع عن الشرعية وعن القانون الذي ألزم الدستور والقانون القضاة بالخضوع له وحده دون غيره، وألزمهم باحترامه والصدور في كل التصرفات والقرارات عنها وحدها. بملاحظة إن جرى هذا البيان في 24 يوليو 2013 قبل أن يجري أي تصرف أو إجراء أو عمل نظامي يتخذ شكل القانون ويسبغ شيئا من الشرعية الدستورية أو القانونية أو مظهرًا من مظاهرها على الذي جرى.

إن من اتخذ موقفاً سياسياً بحتاً عارياً عن الشرعية القانونية، مثل نادي القضاة، هو من طالب باتهام من وقف مع الشرعية الدستورية والقانونية.

ونحن إن ميزنا بين العمل القانوني الشرعي وبين العمل السياسي المجرد من الشرعية القانونية، فإننا يتعين علينا القول بأن من يصم بعدم الشرعية عزل رئيس جمهورية منتخب في انتخابات حرة ونزيهة أجراها المجلس العسكري السابق، ويصم بعدم الشرعية تعطيل دستور استفتي عليه الشعب وحصل على نحو ثلثي الأصوات المستفتاة، ويصم بعدم الشرعية القانونية حل المجلس النيابي بالمخالفة لحكم القضاء، من يفعل ذلك هو من يقف مع الشرعية القانونية والدستورية وقتها ولا يقوم بعمل سياسي محض ومجرد عن الصفة القانونية.

وإن من يوافق على كل هذه الإجراءات وقتها وفي ذلك الحين، عزلاً لرئيس الجمهورية وتعطيلاً للدستور وحلاً للمجلس النيابي بكامله هو من يقوم بالعمل السياسي المجرد عن الشرعية. ولكن العكس هو ما حدث، فإن من اتخذ موقفاً سياسياً بحتاً عارياً عن الشرعية القانونية، مثل نادي القضاة، هو من طالب باتهام من وقف مع الشرعية الدستورية والقانونية، ويجري التحقيق على وفق هذا الموقف المعكوس. وكما يقول المثل القديم «رمتني بدائها وانسلّت».

والسؤال الاستنكاري الأخير هو: إن كان ثمة مجال للتحقيق مع قاضٍ أبدى رأياً سياسياً في غير أعمال المحاكم، فكيف يكون ذلك مع من وقف يدافع عن شرعية المؤسسات الدستورية الموجودة وجوداً صحيحاً، و«استهجن» تعطيل الدستور المستفتى عليه «واستنكر» حل المجلس النيابي خروجاً على أحكام الدستور والقانون و«اعترض» على عزل رئيس جمهورية منتخب انتخاباً صحيحاً قبل انتهاء مدته، وكل ذلك يتم بإعلان من أحد الوزراء الذين عينهم رئيس الجمهورية في إطار تنظيم الدستور المذكور. ومن الذي يوصف بأنه يزدري النظام، من اعترض على هذه الأمور وقت حدوثها وذلك في 24 يوليو 2013، صدر البيان المذكور، أم من فعل العكس؟

والحمد لله…