لا يملك متابع عربي، يشاهد يوميًا ما يحدث لعشرات الأطفال في فلسطين وسوريا واليمن، تحت سمع وبصر العالم، أن يسيطر على فائضٍ من الشعور بالغيرة عند متابعة تفاصيل الملحمة العالمية التي تحدث الآن على أرض تايلاند لإنقاذ أطفالها المحتجزين داخل «كهف الموت»، واحد من أعمق الكهوف في البلاد، والتي تخصص لها كافة وسائل الإعلام العالمية مساحة كبيرة من المتابعة والاهتمام بكافة التفاصيل، وتتضافر بيانات وجهود التضامن والمساعدة بأحدث الوسائل التكنولوجية والهندسية لمساعدة تايلاند في إتمام إنقاذ أطفالها.

وهذه هي فصول القصة المتوافرة لدينا الآن، والتي لا تزال ملحمتها مستمرة على مدار الساعة.


1. ما الذي حدث؟

اثنا عشر طفلًا تايلانديًا، يمثلون فريقًا ناشئًا لكرة القدم، أعمارهم تتراوح بين 11 و 16 عامًا، يأخذهم مدربهم الشاب يوم 23 يونيو/حزيران 2018، في جولة استكشافية لمجمع كهوف ثام لوانج، الواقع بمنطقة جبلية بشمال تايلاند، الواقعة في جنوب شرق آسيا، والتي ما تزال تعتبر من البلاد النامية، رغم الطفرات الصناعية التي حققتها في السنوات الأخيرة.

تحدث كارثة غير متوقعة، إذ تداهمهم أمطارٌ موسمية شديدة الغزارة على حين غرة، وتندفع السيول داخل ممرات الكهف، وتقطع عليهم طريق العودة، وينقطع اتصالهم بالعالم الخارجي لحوالي 10 أيام. يعثر الأهالي والسلطات على دراجاتهم وبعض متعلقاتهم التي تركوها عند مدخل الكهف قبل بدء جولتهم.

تجنِّد السلطات التايلاندية كل الطاقات المتاحة لها للعثور على الأطفال، ويتطوع عشرات المنقذين والغواصين من أنحاء مختلفة من العالم للمساعدة. بعد 10 أيام، من الجهود المضنية، ينجح غواص بريطاني يوم 3 يوليو/تموز 2018 في الوصول للأطفال ومدربهم، محتمين بصخرة عالية نسبيًا في أعماق الكهف محاطة بالمياه من كل اتجاه، وحصل ذووهم والعالم على أول لقطات فيديو لهم، وكانوا جميعًا على قيد الحياة، لكن يبدو عليهم الهزال الشديد. تم إطلاع الأطفال على مقاطع فيديو لذويهم، وللمتضامنين من أنحاء مختلفة حول العالم، وذلك لرفع معنوياتهم.


2. لماذا يحمل إخراج الأطفال من الكهف كل تلك الصعوبة؟

هناك عدة حقائق مرعبة تطمس بهجة العثور على الأطفال؛ الأولى أن الأطفال في نقطة عميقة من الكهف تبعد حوالي 4 كيلومترات من أقرب نقطة للخروج، عبر ممرات بها الكثير من الأجزاء شديدة الضيق والوعورة خاصة في الكيلومتر الأول، ويحتاج الغواص في المتوسط لـ10 ساعات ذهابًا وإيابًا لقطع المسافة، مما يحتاج إلى قدر كبير من الأكسجين، ومعظم الأطفال لا يجيدون السباحة.

أما الثانية، فهي أن الكهف الضخم ممتلئ بالمياه بكثافة، ستجعل عملية إفراغه من المياه تستغرق أسابيع أو شهور، حتى باستخدام مضخات عالية القدرة.

أما الحقيقة الثالثة، وهي الأخطر، فهي أن موسم الأمطار الموسمية شديدة الغزارة، والتي تضرب منطقة جنوب شرق آسيا، وبالطبع تايلاند، والمعروف باسم Monsoon rains قد اقترب جدًا، ومن المتوقع أن يبدأ خلال أسبوع، مما سيضرب جهود الإنقاذ في مقتل، ويضيع جهود شفط المياه سُدى. هذه الحقيقة الأخيرة أدت إلى العدول عن الخطة الأولى المقترحة، والتي كانت تتضمن توفير المستلزمات للعالقين أولًا بأول بواسطة الغواصين، والانتظار حتى شفط الماء تمامًا، ثم إخراج الأطفال، والذي قد يحدث بعد أسابيع.

شاهد هذا الفيديو وفيه تصور افتراضي يحاكي الوضع داخل الكهف وصعوباته:


3. ما هي المخاطر الصحية التي تنتج عن تأخر الإنقاذ؟

من الوجهة الطبية هناك صعوبات إضافية، الأخطر على الإطلاق يتعلق بالتنفس. في منطقة تواجد العالقين داخل الكهف، والواقعة على بعد 800 متر على الأقل من السطح، لا يتجدد الهواء بالشكل الكافي، ويتم استهلاك الأكسجين أولًا بأول داخل هواء الكهف دون تعويض كافٍ، حتى أصبحت نسبته 15% في هواء الكهف، والنسبة الطبيعية في الهواء الجوي 21%، مما سيضع عبئًا جديدًا على جهود الإنقاذ لإيصال أسطوانات الأكسجين للأطفال العالقين، وإعادة ملئها كلما استهلكت.

كذلك يتراكم ثاني أكسيد الكربون الخارج من أنفاسهم داخل الكهف، وكلما زادت معدلات ثاني أكسيد الكربون في الهواء الذي يتنفسونه، تزداد فرص حدوث تسمم بهذا الغاز، والذي يثبط الجهاز العصبي تدريجيًا حتى يصل إلى فقدان الوعي التام، وقد يتبع ذلك توقف التنفس والدورة الدموية والوفاة.

كذلك لا يعني بدء وصول المواد الغذائية نجاة الاطفال، فإعادة التغذية إن لم تتم بشكل تدريجي سليم، فقد تسبب مضاعفات خطيرة للأطفال، نتيجة اضطراب في تركيزات الأملاح الحيوية الهامة بالدم كالفوسفور والبوتاسيوم والماغنسيوم… إلخ، وكذلك سكر الدم، نتيجة إفراز هرمون الأنسولين من البنكرياس بكثافة مع تناول كمية كبيرة من الطعام. قد يسبب هذا اضطرابات كهربية خطيرة بالقلب، وبالجهاز العصبي، ولا يمكن توفير رعاية صحية داخل الكهف للتعامل مع مثل هذه المضاعفات الخطيرة.

اقرأ أيضًا: كم يومًا تستطيع الصمود دون طعام .. 8 أسئلة تجيبك


4. كيف تتم محاولات الإنقاذ؟

يستمر الغواصون في نقل الاحتياجات الأساسية للأطفال عبر الطريق الصعب، ويصل طبيب وممرضة للكشف عليهم، وتتواصل بالتزامن مع ذلك عمليات شفط المياه لمحاولة تقليل منسوب المياه نسبيًا، لتسهيل عملية الإنقاذ، لكن يقل منسوب المياه فقط بمعدل 1 سم يوميًا، رغم الجهد الكبير في عملية الشفط. يتم إرسال كميات محسوبة من الأطعمة سهلة الهضم، وذلك لتجنب حدوث المضاعفات الخطيرة لإعادة التغذية، بينما الأطفال لا يزالون عالقين بعيدًا عن الرعاية الصحية الكافية.

شهد اليوم الرابع من عملية الإنقاذ، الجمعة 6-7-2018 حدوث أول حالة وفاة في العملية برمتها، بطلها هو متطوع تايلاندي، كان في الأصل ضابطًا متقاعدًا من الضفادع البشرية التايلاندية، فقد وعيه أثناء الغوص، بينما كان ينقل أسطوانات الأكسجين إلى الأطفال العالقين. تم تشييع جثمان سامان جونان في جنازة عسكرية مهيبة.

هناك مخاوف بالفعل من تكرار حدوث هذه الواقعة المؤسفة نظرًا لطول المسافة التي يضطر الغواصون لخوضها، ولشدة التيارات المائية داخل الحفر التي يضطرون للغوص فيها في طريقهم إلى مكان العالقين، بجانب كثرة العوائق والنتوءات الصخرية في كل مكان.


5. ما علاقة إيلون ماسك بالأحداث؟

يدخل رجل الأعمال المبتكر إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة Space X الشهيرة، على الخط، معلنًا عن إمكانية مساعدة شركته في الملحمة التايلاندية، وذلك عن طريق تصنيع كبسولات تشبه الغواصات، وهي صغيرة بحجم الأطفال، ليسهل حملها، ومزودة في قلبها بوحدة نقل الأكسجين المسال كالمستخدمة في صواريخ فالكون 9 التي تنتجها الشركة. أكد ماسك أن تصنيع الواحدة منها لا يحتاج لأكثر من 8 ساعات، وبالفعل يتواجد الآن 10 من مهندسي الشركة في موقع أعمال الإنقاذ للمساعدة الفنية والتقنية، خاصة إذا تم اعتماد الخطة التي تحدث عنها إيلون ماسك.

على حسابه على تويتر، نشر ماسك مقطع فيديو يظهر استخدامًا تجريبيًا لإحدى الغواصات الصغيرة في حمام السباحة، وأكد الرجل أن الغواصة الصغيرة والطفل بداخلها، تظل خفيفة بشكل يسهِّل حملها بواسطة اثنين من الغواصين.


6. إلى أين وصلت محاولات الإنقاذ؟

الأحد 8-7-2018، استغلالًا للنقص النسبي في منسوب المياه ببعض المناطق في طريق الإنقاذ، تمَّت الجولة الأولى من إخراج العالقين بنجاح، حيث تم إجلاء 4 أطفال برفقة 10 غواصين من الضفادع البشرية التايلاندية، تم انتقاء الأطفال الأكثر صحة، وتوفير ملابس الغوص لهم، وإعطائهم شرحًا سريعًا لكيفية الغوص. وفي الممرات شديدة الضيق، كان المنقذون يمررون أنابيب الأكسجين أولًا، ثم يزحفون مع الأطفال برفق. (لم يتم استخدام خطة غواصات إيلون ماسك كما شاع على مواقع التواصل الاجتماعي).

تم نقل الناجين إلى المشفى للاطمئنان على حالتهم الصحية. جدير بالذكر أن السلطات حتى الآن لم تسمح لذوي الأطفال بزيارتهم، ولم يتم إخبارهم أي من الأطفال تم إخراجه، حتى لا تثير قلق من تأخر إخراج أطفالهم، وهناك محاولة لمنع تسريب مثل هذه الأخبار من داخل معسكر الإنقاذ.


7. آخر المستجدات

الإثنين 9-7-2018، تطور آخر صباح اليوم بإخراج طفلٍ خامس من داخل الكهف، بواسطة نفس طاقم الغواصين الذي أخرجوا الأطفال الأربعة بالأمس، بعد ساعات من الانتظار تم فيها إعادة التزود بالأكسجين والمعدات. تم نقل الطفل على الفور بالهيلوكوبتر إلى المشفى للاطمئنان على صحته. أكدت مصادر للجارديان البريطانية إخراج 3 أطفال آخرين لاحقًا اليوم، وبذلك يرتفع عدد من تم إخراجه إلى 8، ويتبقى بالداخل المدرب، وأربعة أطفال. ويذكر أن الهيلوكوبتر تستغرق 20 دقيقة للوصول إلى مهبطها القريب من المشفى. كذلك ذكر مراسل الجارديان من هناك على حسابه على تويتر، أنه قد اشترك 18 غواصًا في عمليات الإثنين، وأنهم قد تمكنوا من اختصار ساعتين من وقت رحلة الإنقاذ.

وما تزال الملحمة مستمرة على مدار الساعة.