في 15 يوليو/تموز الماضي، فوجئ العالم بأن ثمة انقلابًا عسكريًا في تركيا. صحيح أنه ما لبث أن فشل بعد ساعات من الإعلان عن قيامه، إلا أنه كان منطقي لهذا الحدث الخطير أن يخلّف ارتدادات نوعية على مستوى الداخل والخارج على السواء. في هذا المقالة، نسلط الضوء على ارتداداته خارجيًا فيما يخص الملف السوري.

لقد كانت تركيا ومنذ انطلاق الثورة السورية في 15 مارس/آذار 2011م وحتى الانقلاب الأخير في 15 يوليو/تموز الماضي، الداعم الإقليمي الأكبر لهذه الثورة سياسيًا ودبلوماسيًا وعسكريًا ولوجستيًا، كتدريب لبعض فصائل المعارضة المعتدلة وتدعيمهم بأسلحة خفيفة، وتبني مطلب المعارضة المتعلق بتنحي بشار الأسد عن الحكم، واحتضان الجبهات السياسية الممثلة للمعارضة في الخارج ومؤتمراتها، واستقبال العدد الأكبر من اللاجئين، وذلك استنادًا؛ للعامل الجيوسياسي لتركيا وغيره من العوامل.

لكن هذا الدعم خاصة على المستوى العسكري كان محدودًا بحدود السقف الأمريكي، سواء فيما يتعلق بتسليح المعارضة بأسلحة نوعية، تغير موازين القوى على الأرض لصالحها، وإنشاء منطقة آمنة؛ تكون ملجأً للفارين من نيران المعارك، ومركزًا لتدريب المعارضة المسلحة، وأداة لمنع قيام كردي مستقل على الحدود الجنوبية التركية، وكلا الأمرين ترفضهما أمريكا.


الثبات والتغير في الموقف التركي من الثورة

http://gty.im/470809202

نتيجةً للمحاولة الانقلابية الفاشلة الأخيرة، ذهب البعض إلى أن الموقف التركي تجاه الثورة السورية سيشهد تغييرًا سلبيًا؛ انطلاقًا من الانكفاء على الداخل من أجل إعادة ترتيب البيت التركي ومواجهة عناصر الانقلاب، ومن ثم سيتراجع الدعم التركي للثورة وفصائلها المعتدلة. وبقراءة واقعية لما حدث في الأيام التي تلت هذا الانقلاب، نكتشف أن ثمة تراجعًا نسبيًا في الموقف التركي، لم ينقلها من صفوف الدول الداعمة للثورة للدول المعادية أو حتى المحايدة، لكن منبع هذا التغيير لم يكن نتيجةً للانكفاء على الداخل بعد محاولة الانقلاب، وإنما نتيجةً للتقارب التركي الروسي.

هذا التقارب الذي جاء محاولةً من تركيا؛ لكسر العزلة التي فرضتها مواقفها من التطورات الإقليمية المختلفة عليها. وعلى الرغم من أن التقارب التركي مع روسيا كان مُعدًا له أن يتم قبل محاولة الانقلاب؛ فإن هذه المحاولة أتت لتدفع تركيا بالتعجيل والتسريع من هذا التقارب وتعميقه، خاصة مع الموقف الروسي المؤيد للحكومة المنتخبة ومعارضتها لمحاولة الانقلاب، خاصة وأن قادة هذا الانقلاب قد استغلوا حالة العزلة التي وضعت تركيا نفسها فيها، باعتبارها بيئة مناسبة لهذه العملية، لدرجة ذهب البعض للربط بين إسقاط الطائرة الروسية ومحاولة الانقلاب الأخيرة، على اعتبار أن من قام بها ضباط تابعين لمدبري الانقلاب، كمقدمة لتأزيم العلاقات التركية الروسية يسهل معها إنجاح الانقلاب.

تتركز مواطن التغيير في الموقف التركي من الثورة، حول التراجع عن المطالبة المتكررة بضرورة رحيل بشار الأسد، والقبول به كجزء من العملية الانتقالية دون أن يكون له دور في مستقبل سوريا. وقد كان هذا التراجع حاضرًا في تصريحات بن علي يلدريم رئيس الوزراء التركي، والذي صرح في وقت سابق أنه يأمل في إعادة العلاقات إلى طبيعتها مع سوريا، على غرار ما جرى مع كل من روسيا وإسرائيل، وبرغم تعارضها مع تصريحات لمسؤولين أتراك آخرين، تبقى لها دلالتها التي جاءت في إطار التحسن الأخير في العلاقات.

في ذات السياق، يمكن الإشارة لمطالبة تركيا على لسان وزير خارجيتها «جاويش أوغلو»، جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقًا)، يوم السبت (15 أكتوبر/تشرين الأول الماضي)، بالانسحاب من حلب، وهو نفس الشرط الذي تشترطه روسيا؛ لإدخال المساعدات ووقف إطلاق النار، وهو ما يمكن النظر إليه في إطار التوافق التركي الروسي الأخير وتداعياته على الملف السوري، خاصة وأن فصائل المعارضة ترفض هذا الطلب.

فالتحسن في العلاقات التركية الروسية، وما تبعه من تراجع نسبي في الموقف التركي من الثورة السورية، لا يتناقض مع التدخل التركي العسكري في الأزمة السورية. فهذا التدخل الذي انطلق في 24 أغسطس/آب الماضي في إطار عملية «درع الفرات»، قد تم بتوافق روسي أمريكي، وهو لا يأتي في إطار تحقيق تقدم للمعارضة المسلحة (الجيش السوري الحر) على كامل الأراضي السورية في مواجهة نظام بشار، فلو كان الأمر كذلك لما وافقت عليه روسيا، خاصة وأن لها السيادة جويًا على كامل سوريا بعد نشرها صواريخ إس 400 في وقت سابق. وإنما تأتي العملية في إطار تأمين تركيا للحدود الشمالية السورية المحاذية لجنوبها، والتي يتمركز فيها كل من داعش والأكراد؛ وذلك مخافة أن يهرب عناصر داعش عبر حدودها للداخل التركي، أو يتمكن الأكراد من إنشاء كيان كردي متصل مستقل بين شرق وغرب الفرات على الحدود السورية التركية.

ويتمثل الدور التركي في غطاء جوي وقصف بالمدرعات وقوات خاصة، هذا بالإضافة لطيران التحالف الدولي، بينما القوام الرئيسي للقوات على الأرض، تتمثل في المعارضة المسلحة المعتدلة «الجيش السوري الحر».

إذن فإن هذه العملية وبمراحلها المختلفة ستقتصر على المناطق الشمالية فقط، والتي ترغب تركيا في إقامة منطقة آمنة بها من جرابلس لإعزاز، والتي تتمركز فيها داعش والأكراد فقط وليس نظام بشار، ولذلك فإن عملية درع الفرات وحتى الآن انتزعت السيطرة على مدينة جرابلس وريفها في المرحلة الأولى من تنظيم داعش والأكراد، لتضمن تأمين الحدود التركية السورية بين مدينتي الراعي وجرابلس وانتزاعها من داعش خلال المرحلة الثانية من العملية، وفي المرحلة الثالثة المستمرة حاليًا استطاعت السيطرة على أخترين ودابق ذات الدلالة الرمزية والمعنوية لتنظيم داعش، وذلك كمقدمة لانتزاع السيطرة على مدينة الباب من هذا التنظيم.

حتى في المراحل القادمة فإن تركيا سيكون أمامها التوجه إما نحو منبج والتي يسيطر عليها الأكراد، أوالرقة والتي يسيطر عليها تنظيم داعش والتي لن تكون بمبادرة تركية بل في إطار التحالف الدولي نظرًا لأهميتها.

تسعى تركيا من خلال انتزاع سيطرتها – ومعها قوات المعارضة المسلحة – على بعض مدن الشمال السوري في إطار عملية «درع الفرات»؛ لإقامة منطقة آمنة في هذه المنطقة، وهي تتطلب توافقًا أمريكيًا روسيًا وهو غير متوفر حتى الآن، ومن ثم ستتطلب الموافقة الروسية على هذه المنطقة مزيدًا من التنازل التركي في الملف السوري. من ناحية أخرى تجدر الإشارة لقضية دعم المعارضة بالأسلحة المضادة للطائرات من خلال تركيا، والتي أصبحت شبه مستحيلة؛ لأن تقديمها يعني عودة للتوتر التركي الروسي بدلالته وانعكاساته المختلفة، وخروج تركي من سوريا، واستحالة إنشاء المنطقة الآمنة.

لم يكن التقارب التركي الروسي وحده سببًا للتغير التركي النسبي من الثورة السورية، وإنما أيضا تقدم نظام بشار وقواته على الأرض، وإحرازه مزيدًا من قضم للأراضي التي تسيطر عليها المعارضة، وذلك في ظل تموضع عسكري روسي قوي في سوريا، وتغاضٍ أمريكي عن هذا التموضع، وعدم اتخاذ موقف جاد ضد نظام بشار، وتشتت جبهات المعارضة.

ومن ثم أصبح استبعاد بشار من المعادلة السورية أمرًا صعبًا، وهو ما باتت تدركه تركيا جيدًا بدون الحاجة للنظر حتى لتصريحات مسؤوليها، خاصة مع عدم قدرة تركيا وحدها على تحقيق اختراق في هذا الملف بما يحقق تقدمًا للمعارضة، دون دعم أمريكي، وعدم قدرتها على تجاوز سقفها في دعم المعارضة المسلحة، وفي ظل سيطرة روسية على الفضاء السوري، وعدم رغبتها في إعادة التوتر للعلاقات معها.

ومن ثم ارتضت تركيا أن تستسلم للأمر الواقع، وتعمل – وفق الحد الأدنى – على دعم المعارضة دبلوماسيًا وسياسيًا من ناحية، ومحاولة تأمين الشمال السوري من أي تواجد كردي أو داعشي؛ تحسبًا لإمكانية إنشاء منطقة آمنة فيها. ومن ثم حددت تركيا دعمها للثورة في حدود ما يتوافق مع أمنها القومي من ناحية، وما يتوافق مع أمريكا وروسيا من ناحية أخرى. وبالتالي فإن مساحات المناورة التركية وخياراتها في الأزمة السورية قد انحسرت لحد كبير.


مستقبل الأزمة السورية

تتركز العمليات العسكرية التركية في الشمال السوري مخافة أن يهرب عناصر داعش للداخل التركي، أو يتمكن الأكراد من إنشاء كيان كردي متصل مستقل على الحدود.

إن مستقبل الأزمة السورية واستنادًا لما تقدم، سيشهد مزيدًا من التقدم لقوات بشار، ومزيدًا من قضمها البطئ للأراضي التي تسيطر عليها المعارضة، خاصة مع استمرار وبقاء العوامل ذاتها التي تسببت في تقدم بشار وتراجع المعارضة المسلحة حاليًا. وبالتالي فإن الموقف التركي إما أن يبقى على ما هو عليه، أو يشهد مزيدًا من التنازلات. حالة واحدة يمكنها أن تقلب الطاولة، وتغير موازين اللعبة، وهو وصول إدارة أمريكية جديدة، تتعامل بإستراتيجية مختلفة عن إستراتيجية أوباما مع الملف السوري.

وعن مستقبل الدولة السورية، فإن سيناريو التقسيم يبقى الأرجح إلى الآن، وما تفعله تركيا مؤخرًا في إطار عملية درع الفرات على المدى البعيد، هي محاولة؛ لضمان أكبر مساحة ممكنة للإقليم الشمالي المحاذي لحدودها الجنوبية في سوريا الفيدرالية المحتملة؛ يخضع لنفوذها وسيطرتها من ناحية، ويقضي على آمال إنشاء كيان كردي مستقل من ناحية أخرى، وذلك إذا ما أصبح خيار التقسيم أمرًا واقعًا، وهو ما لا يتعارض مع حقيقية رفضها المبدئي لخيار التقسيم.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.