منذ أكثر من 6 قرون، كان العلامة ابن خلدون يخط سطور تاريخه «العِبر»، وقد أظلته ظرفية تاريخية يصفها بانقلاب أحوال العمران وتبدله، ووهن السلطان، واضمحلال الأموال، وخراب الأمصار والمصانع، يقول:

وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر الإجابة!

لقد كان ابن خلدون معاصرًا إذن لخراب العمران الإسلامي، الذي بدأ في المغرب وأخذ في الزحف على المشرق. ولم يجسد ابن خلدون ميلاد الوعي التاريخي الإسلامي؛ لأن ذلك ابتدأ مع تثبيت القرآن الكريم للنموذج التاريخي لبني إسرائيل، باعتبارها أمة رسالة انحرفت عن مسارها في أذهان المجتمع الإسلامي الأول.

لكنه يعد معلمًا بارز الصيرورة التاريخية لذلك الوعي، ولا تزال ملامح الوعي التاريخي الخلدوني الذي تخضّب بالظرفية التاريخية لخراب العمران في آخر المائة الثامنة بعد هجرة الرسول الكريم تطل علينا في أكثر من جوانب حياتنا حتى تلك التي نعتقد أنها الأبعد عن أي وعي تاريخي.


بين الغلَب والتقليد!

حاول ابن خلدون من وراء حجاب القرون المتطاولة أن ينفذ إلى القوانين الحاكمة لحركة التاريخ الذي قلب ظهر المجن للعمران الإسلامي وأحاله خراباً وانهياراً شكل صدمة حقيقية للعقل المسلم بالضياع التدريجي لديار الأندلس، فردوس المسلمين المفقود.

تجسدت تلك المحاولة في سعيه لجعل سنن العمران البشري مبتدأ يعرض عليه الأخبار المختلفة والمتناقضة والخيالية أحياناً للمسلمين فيظفر من ذلك بديوان للعبر.

تشكل مقدمة الكتاب في هذا السياق المبتدأ أو خلاصة أسس الوعي التاريخي الذي استخلصه ابن خلدون من إطلاعاته وخبراته العلمية وما مر من خطوب. ولعل من أشهر مقدمات الوعي التاريخي الخلدوني التي تتداولها الألسن لتجعل منها مقدمة للتحليل هي أن المغلوب مولع بتقليد الغالب.

وسيحاول كاتب هذه السطور المتواضعة التعليق على تلك المقولة الخلدونية، وسيتجرأ على إضافة ما يخاله ثغرة في التحليل تركها العلامة ابن خلدون في ذلك الفصل القليل المبنى الهائل المعنى في مقدمته.

فلنتأمل مقولة ابن خلدون الشهيرة التي تلخص فكرته، ربما بأكثر من اللازم، والتي عنون بها الفصل الثالث والعشرين من مقدمته. «في أن المغلوب مولع أبداً بتقليد الغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده».

يبرز ابن خلدون العلاقة الارتباطية بين ظاهرتين تنتميان إلى مجالين مختلفين، وإن كانتا متداخلتين أشد التداخل، ألا وهما ظاهرة الغلب في مجال السياسة والتي سيقابلها ظاهرة التقليد في المجال الثقافي – الاجتماعي. ومما تجدر الإشارة إليه أن ابن خلدون نظر إلى العلاقة الارتباطية من منظور المغلوب/المهزوم أو الطرف الأضعف في علاقة القوة، ومن هنا تحدث في المجال الثقافي – الاجتماعي عن ظاهرة التقليد.

ولو نظر ابن خلدون إلى الأمر من نظر الغالب/المنتصر أو الطرف الأقوى في علاقة القوة لتحدث عما نسميه اليوم بالهيمنة (Hegemony) في المجال الثقافي – الاجتماعي. وهو ما يفتح الباب أمام الباحثين لدراسة الخلفية الاجتماعية والسياسية التي دفعت ابن خلدون للنظر للأمر من هذه الزاوية على وجه التحديد.


ممَ يتكون «الغلَب الخلدوني»؟

من خلال إقامة العلاقة السابقة تمكن ابن خلدون من تشييد تكوين تحليلي منمق نحتاج في هذا المقال إلى رده إلى عناصره الأولية.

أول عناصر المركب: الغلَب وهو عبارة عن علاقة قوة بالمعنى الواسع للكلمة الذي يدخل فيها أشكالاً ترتبط بظاهرة الحكم في الداخل أو موازين القوة بين الأمم أو حتى علاقة التحكم داخل نطاق الأسرة.

ثاني عناصر المركب: هو التقليد وهو عبارة عن الاقتداء التدريجي الذي تتسع دائرته بالطرف الأنثوي في علاقة القوة وهو يبدأ بالأسهل فالأصعب أو بالخارج فالداخل (بالشعار الخارجي ثم الزي ثم المعتقد ثم سائر الأحوال والعادات) ومن ثم يصبح التقليد ليس اندياحاً فحسب للخلل في علاقات القوة في المجال السياسي إلى المجال الثقافي – الاجتماعي وإنما تعميقاً لعلاقات القوة غير المتكافئة لدى الطرف المهزوم وكذلك إشاعتها ومأسستها في كافة مجالات حياته بحيث تكتسب إلف وتكرار العادة.

ثالث عناصر المركب: هو الولع وهو يدخل في نطاق العنصر الثاني من حيث تكييفه نفسياً وهو يشير كذلك إلى الأساس الذي يقوم عليه المركب، فالولع يدل على أن التقليد لا يلقى أي مقاومة من المهزوم بل إن نفسه كما تشير أصول اللفظ اللغوية تتحرق وتشتعل فيها الرغبة في التقليد، أكثر من ذلك فدلالة لفظ «الولع» تعني أن صاحبه قد خلب لبه وصار مهووساً بما ولع به، بحيث إن ذلك المولع به قد صار غاية في حد ذاته لا وسيلة لأمر آخر.

رابع عناصر المركب: الارتباط أو التلازم الأبدي بين الغلب والولع بالتقليد وذلك العنصر، هو الذي يشد بقية العناصر لبعضها ويجعل منها مركباً تتفاعل وتتكامل عناصره، فعندما يظهر عدم تكافؤ في علاقة القوة بين طرفين ينشأ الولع بتقليد الطرف الأقوى وهو ما يصب في زيادة الخلل في علاقة القوة المختلة الأصلة ومن ثم يزداد الولع بالتقليد والشغف بالغالب من خلال الأخذ عنه في المزيد من المظاهر المرتبطة به، وفي اعتقادنا أن كلمة «أبداً» التي يضعها ابن خلدون في المقولة السابقة بين الولع والاقتداء تشير إلى دائرة العلاقة بين الغلب والتقليد.

ويبدو المركب ( الغلب-التقليد ) في الحقيقة لا منطقياً لمن ينظر إليه من الخارج؛ لأن التقليد لا يؤدي إلى شيء سوى تعميق الخلل في علاقة القوة بين الطرفين أي بعبارة واضحة المزيد من تقوية الأقوى وإضعاف الأضعف، أفلا يدرك المغلوب/ المهزوم إذن أنه بتقليده للغالب يزيد من هيمنته وسيطرته عليه ويضعف ذاته؟.

وهنا على وجه التحديد يصل تحليل ابن خلدون لعلاقات القوة إلى ذروته حينما يجعل التلازم الأبدي بين الغلب والتقليد الذي يشد دعائم المركب السابق مرتكزاً على العامل النفسي بمعنى خداع الذات أو بلغة ابن خلدون المغالطة.


المغالطة!

إن العامل النفسي أو المغالطة تلك هي ما يؤكد لا منطقية التلازم الأبدي بين الغلب والولع بالتقليد «للمراقب الخارجي» ويرسي في الوقت ذاته شرعية ذلك الارتباط لمن يتواجد في داخل علاقة القوة المختلة.

ويجدر بنا هنا التفصيل بعض الشيء في تلك المغالطة التي أوقع المغلوب نفسه فيها كي يفسّر بها لنفسه غلب الغالب، والذي يدل ما يسوقه ابن خلدون من كلمات أنه يشير إلى أن وقع الهزيمة شديد الإيلام بالنسبة للمهزوم بحيث إن الهزيمة مثلت بالنسبة له ما يعرف في علم النفس الحديث بخبرة الرضة (Trauma) مما يجعله يفقد توازنه فلا يضع الأمور في نصابها أو يدركها وفقاً لحقيقتها.

فالمغلوب يقوم بإضفاء جوهر ثابت على الغالب يتسم بالكمال ومن ثم تقوم بإجلاله وتعظيمه، ويترتب على ذلك أنها تضفي القداسة على كل ما يرتبط به من مظاهر القوة أو الغلب (العوائد والنحل) تخفي عن نفسها المرتكزات الحقيقية لقوة الغالب «كان ذلك هو العصبية في تقدير ابن خلدون في إطار الظرفية التاريخية التي عاصره».

إذن هناك مغالطتان يقوم بهما المغلوب، اعتقاد الكمال في الغالب والخلط بين مظاهر القوة وأسبابها الحقيقية، تضفيان الشرعية على تقليده للغالب وتهيجانه للقيام بذاك التقليد.

ويلاحظ أن المبررات التي يسوقها المهزوم لنفسه كي يبرر بها هزيمته سماها ابن خلدون بالمغالطة وندخلها نحن في باب خداع الذات لأنها تلقي بتبعة الهزيمة برمتها على الغالب (ذي الجوهر الثابت الكامل)، ورغم أن المهزوم بحكم المنطق والعقل لابد أن يتحمل نصيبه من المسئولية، إلا أن تلك التبريرات تدفع عنه المسئولية تماما وتنفي عنه أي شبهة من ذنب أو تقصير أفضى إلى الغلب.

لقد هزم المغلوب لكمال الغالب وتحليه بعوائد ونحل أرقى ولا دخل للمغلوب في ذلك من قريب أو من بعيد، ومن ثم يقي خداع النفس بتلك الطريقة المغلوب من الألم الناجم من الشعور بالذنب الذي لا محالة أنه سيتولد من المحاسبة الجادة للنفس عن التقصير المفضي إلى الهزيمة.

بل أكثر من ذلك سيتيح خداع النفس السالف للمغلوب فرصة رائعة لكي لا يفتح على نفسه «أبداً» باب محاسبة النفس حيث تم حسم المسألة بتحميل الذنب للطرف الأقوى في العلاقة وما على المغلوب سوى تقليده والاقتداء به وسيكون ذلك دون بذل أدنى جهد لأن التقليد سطحي لا يمس الجوهر أو ينزل في العمق الذي يتجنب المهزوم مواجهة نفسه فيه بأي شكل.

إن المهزوم في حقيقة الأمر لا يرغب في مواجهة نفسه ويفر منها فلا يملك حينئذ سوى أن يرتمي في أحضان الآخر الغالب، ويصير ذوبانه في الآخر من خلال التقليد نوعاً من العقاب المستتر للذات يمارسه المغلوب ربما دون وعي منه على نفسه لما ارتكبته من تقصير أدى إلى الهزيمة حتى لو كان يفر من تلك الحقيقة في وعيه.

ليس هناك جدوى من الانسياق وراء المغلوب ومتابعته في فراره من الواقع إلى عالم الخيال المرتبط بكمال الغالب ولا في تحليل الحيل النفسية الدقيقة والمعقدة التي يقوم بها لخداع ذاته، وإنما تجدر إثارة بعض التساؤلات: لماذا يفر المغلوب من واقع هزيمته؟ لماذا يتهرب من المسئولية وتبعة التقصير؟ بل ولماذا شكلت الهزيمة أو «الغلب» بلغة ابن خلدون «خبرة رضة» شديدة الإيلام بلغتنا المعاصرة جعلته يفقد صوابه ويقوم بكل ذلك من الأساس؟

تشكل الهزيمة أو الغلب خبرة رضة بالنسبة للطرف المغلوب بسبب أنه مصاب في المقام الأول بتضخم مرضي للذات، فهو حينما اعتقد الكمال في الآخر حسب ابن خلدون إنما كان يقوم بإسقاط صورته المتضخمة عن الذات التي توارت في الخلفية ولكنها سرعان ما تجسدت في الآخر/ الغالب بسبب حقيقة هزيمة الذات وغلب الآخر.

إن صورة الذات المتضخمة التي تحيط بها هالات الكمال في الجوهر والعصمة في السلوك، لو أردنا الاستعانة بالتراث الديني في توصيفها، ما هي إلا عقدة الشعب المختار الذي يظن نفسه مفضلا على العالمين بسبب صلة قربى خاصة بينه وبين قوة الأزل والأبد التي تضفي عليها حماية لا حد لها.