تكلّمنا في الجزء الثاني عن أن الحرية تستلزم وجود الشر، فلا معنى للحرية بدون الشر، وعرفنا لماذا لم يجعلها الإله جنة، وبأن الشر والخير وجهان لعملة واحدة، ودحضنا حجة «الشر الميتافيزيقي» التي تقضي بأن النقص الموجود في الإنسان يعتبر شرًّا، فلنتابع…


ما بال الكوارث الطبيعية؟

الزلازل تنفس عن الضغط المكبوت في داخل الكرة الأرضية، وتحمي القشرة الأرضية من الانفجار، وتعيد الجبال إلى أماكنها أحزمةً وثقالاتٍ تثبت القشرة الأرضية في مكانها، والبراكين تنفث المعادن والثروات الخبيئة الباطنة، وتكسو الأرض بتربة بركانية خصبة.

والبراكين دائمة الثوران قليلة جدًا على سطح الأرض (ممثلة بالنقط الحمراء في الصورة)، أما البراكين متقطعة الثوران أو الهادئة نسبيًا فهي الشائعة على سطح الأرض.

ومعظم الزلازل وانفجارات البراكين لا تسبب أذى للبشر، فغالبية الزلازل تكون صغيرة جدًا ونحن نعلم بهذه الزلازل عن طريق أجهزة العلماء الدقيقة شديدة الحساسية (مثل السيسموغراف Seismograph)، لأنها تستطيع قياس أقل الحركات الأرضية، وهناك انفجارات بركانية تحدث بشكل دائم فوق قيعان المحيطات، إلا أنها بعيدة في العمق بدرجة كافية فلا تؤثر على الناس ومع ذلك نجد أن خبرًا يتعلق بزلزال أو انفجار بركاني يتصدر العناوين الرئيسية للأخبار.

ويمكن أن يموت ألف شخص نتيجة انفجار بركان ولكن يستفيد مليون شخص من الانفجار نفسه، فيركبون السيارات ويأكلون النباتات الناتجة من المعادن التي خرجت من البركان.

فمن الآثار الإيجابية التي تلحقها البراكين: ظهور الينابيع الحارة المعروفة بالحمامات، ورفع معدل خصوبة التربة، وتكوين الجزر، والاستفادة من الصخور والأحجار العديدة للبناء، وتعتبر مصدرًا لتكوين بعض المعادن المهمة اقتصاديًا، كما أنه يمكن استخدام حرارة البركان لتوليد طاقة كهربائية.

أما لماذا لم يجعل الله الأرض غير قابلة للتشقق والتزلزل، وليس بها حمم تندفع كالنوافير، فذلك – كما أسلفت – لأن الأرض مخلوق ناقص وليست كاملة لذا يجب أن يشوبها هذه الاضطرابات.


منطقٌ سليم أم مشاعر فارغة وأنانية متعالية؟

في الفيديو التالي، سيُثبت الدكتور عدنان إبراهيم مدي تهافت معضلة الشر:

لا يمكنك أن تقارن عقلك ووعيك وإدراكك المحدود بإله خلق هذا الكون الفسيح بكل ما فيه من مجرات ونجوم وجزيئات وذرات وإلكترونات، لا يمكن ذلك بأي حال من الأحوال!

لذا حتى إذا لم نجد تفسيرًا لظواهر تحدث أمام أعيننا الآن فلا يجب أن نرتبك إطلاقًا، كل ما علينا أن نصدق بأننا لا نستطيع إدراك علة حدوثها في الوقت الحالي، كما يجب أن نبحث ونفكر جاهدين لمعرفة سبب وجودها. فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن نعرف حكمة الإله البديع الخالق الواسع، بالطبع نحن نستطيع أن نعرف شيئًا منها فنقترب إليها، لكن لا نستطيع أن نعرفها كلها بأي حال من الأحوال.

تأثير الفراشة Butterfly effect هو مصطلح في النظريات الفيزيائية والفلسفية، استعارة لفظية تستخدم للتعبير عن مفهوم الاعتماد الحساس والمهم للحدث على الظروف الأولى المحيطة له.

فرفرفة جناح فراشة في نيويورك يمكن أن تُحدث إعصارًا في طوكيو بعد 30 سنة!

وكما يقول المثل الإنجليزي الشهير:

بسبب المسمار، حدوة الحصان ضاعت، بسبب الحدوة، الحصان ضاع، بسبب الحصان، الفارس ضاع، بسبب الفارس، المعركة ضاعت، بسبب المعركة، المملكة سقطت! وهذا كله بسبب مسمار في حدوة حصان!

ونخلُص من هذا أن ما من موقف يحدث مهما كان هيّنًا إلا وله حكمة وغاية، قد لا نعرفها الآن ولكن يمكننا معرفة تلك في المستقبل.

فأنت عندما تمرض وتنظر إلى مرضك على أنه لا فائدة منه غير أنه لم يجلب لك إلا الألم والعَطَلَة والحزن، لكن قد يكون هذا المرض الذي أقعدك له فائدة لا تعرفها وحكمة لم تصل إليها، فإذا لم تمرض لواصلت ذهابك إلى البنك الذي تعمل به والذي صادف أنه سيحدث به عملية سطو غدًا!

وإذا لم تضل الطريق لم تكن لتسأل هذه الفتاة أن ترشدك والذي صادف أن تكون زوجتك التي بقيت تحبها طوال حياتك وهلم جرّا! فكل أمر مهما بدا صغيرًا ولا فائدة منه له حكمة وغاية لا يجب بالضرورة أن نعرفها في الوقت الراهن إلا أنه يمكننا ذلك في المستقبل.

الموضوع كبير وعميق ويحتاج إلى الكثير من التفكير، لكن أرجو أن تكون وجهة نظري قد وصلتك!

هامش: مَنْ يظن أن «تأثير الفراشة» يدل على أن الإله عبثي وأن الكون عبثي فليستمع إلى خطبة دكتور عدنان إبراهيم «التزامنية بين الصدفة والقدر»، ففيها الرد الكافي.


المخلوقات الشريرة

قسّم أرسطو الموجودات من ناحية الخير والشر إلى خمسة أقسام:

1 ـ ما هو خير كامل ومطلق لا يشوبه شر.

2 ـ ما هو خير كثير يشوبه شر قليل.

3- ما فيه خير قليل ممزوج بشر كثير.

4ـ ما يتساوى فيه الخير والشرّ.

5 ـ ما هو شرّ مطلق لا خير فيه بتاتًا.

ثم صرح أرسطو بأن الأقسام الثلاثة الأخيرة لا وجود لها، ومستحيل أن نثبت وجودها (على الأقل في نظره).

لذا فالعالم يحتوي على نوعين فقط من المخلوقات، ما هو خير محض مثل الملائكة، وما هو خير كثير يشوبه شر قليل مثل الإنسان، أما الأقسام الثلاثة الأخرى فلم تُخلق أصلًا ولا يمكن إثبات وجودها وحتى ما يبدو أنه شر مطلق سيتضح بأنه ليس كذلك كما سنثبت في المقال.

وبالطبع قد نتخلّى عن وجود الملائكة بما أن السيد س لا يعترف بالغيبيات، لكن يبقى الإنسان الذي هو خيرٌ كثير يحتوي على شر قليل.

وهذا ينقلنا إلى السؤال السابع للسيد س:

إذا كان الإله شريرًا، فلماذا توجد مخلوقات لا شر فيها أبدًا؟

أما السؤال الثامن:

إذا كان الإله شريرًا، فلماذا لا توجد مخلوقات لا خير فيها أبدًا؟


صعوبة تحديد الشر والخير

الذي يقرأ في علم الأخلاق (الفرع الثالث من فروع الفلسفة) يعرف تمام المعرفة صعوبة تحديد الشر والخير. سأضرب مثالًا:

هب أن هناك سيدة جميلة حُبلى بطفلين، تمشي بهدوء في الشارع العريض، فجأة وقعت عليها شرفة ضخمة! وماتت هي وطفلاها.

الآن سيتهامس الناس بثلاثة آراء:

1- من يعرفها ويحبها سيقول بأن هذا شر، أو بأن الإله أخذها إليهِ لأنها صالحة وتقية، أو ربما سيسخط علي الإله لأنه فعل ذلك.

2- من يعرفها ولا يحبها سيقول بأن هذا خير، أو بأن الإله أخذها لأنها كانت فاسقة ولئيمة، أو ربما سيقول بأن الله كلي الرحمة لأنه فعل ذلك.

3- من لا يعرفها سيمضي في طريقه بغير اهتمام أو سيكتفي بالدعاء لها والسلام.

والثلاثة ضروب نسوا بأن هناك طفلين بريئَيْن ليس لهما ذنب في أي شيء قد ماتا أيضًا!

هنا يتأتى لنا صعوبة تحديد الشر والخير، فموقف بسيط كهذا فسّره الناس على ثلاثة صنوف، وهذا يرجعنا إلى موضوع نسبية الشر أيضًا.

ملحوظة: عرفت أن تقسيم الموجودات إلى خمسة أقسام كما ذكرتها يرجع إلى أرسطو، لكني لم أجد مصدرًا لهذا القول، على أنه يُقال أن ذلك ذُكر في الأسفار الأربعة لمُلا صدرا الشيرازي.

هكذا نكون قد أنهينا الجزء الثالث من المقال، وأرحب بكل الانتقادات والآراء باحترام، على أن يكون ردي بعد نشر الجزء الرابع.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.