في إحدى قاعات معهد جوتة في العاصمة الأردنية عمان، تتوجه المعلمة الألمانية الهرمة بسؤالها لطالبٍ شاب قد أطلق لحيته: «لماذا لا تشرب الخمر؟»، يجيبها بنوعٍ من الخجل: «لأنها غير صحية!»، تهب فيه مستنكرة: «ما هذه الإجابة؟ قل إنك لا تشربها لأنها ممنوعة (حرام) في دينك. تأكد أنه لن يجبرك أحد على شربها هناك في ألمانيا!». في نفس الفصل تهمّ المعلمة بتوزيع شهادات النجاح في المستوى اللغوي والانتقال للذي يليه على طلابها، تسلّم الشهادة بيسراها وتصافح الطالب الناجح بيمناها، تصل إلى صديقنا نفسه، فيأخذ الشهادة منها ثم يبسط يمناه على صدره قائلاً: «آسف، لا أصافح النساء، هذا ممنوع (حرام) في ديننا!»، تهب فيه المعلمة مرة أخرى: «غير معقول! لن تستطيع العيش في ألمانيا وأنت لا تصافح السيدات!».

الدرس المستفاد: في ألمانيا، عارٌ عليهم إن قدموا لك الكحول وأنت ترفضها، وعارٌ عليك إن قدّموا لك الأكفّ الناعمات فرفضتها. لكن لماذا؟


رغم المظاهر الإسلامية القليلة، إلا أن حركات سياسية تنشأ بين الألمان على اعتبار أن هذه الإشارات ليست سوى نذير خطر بأسلمة ألمانيا وأوروبا في المستقبل القريب

في الفيلم الكوميدي الألماني، الحائز عام 2011م على جائزة مهرجان برلين العالمي للأفلام، « – Almanya Willkommen in Deutschland »، والذي يحكي عن صراع الهوية في مخيلة طفلٍ مولودٍ لأبٍ تركيّ وأمّ ألمانية، يتقدم الجد «حسين» والجدة «فاطمة» بطلب للحصول على الجنسية الألمانية بعد عشرات السنين من الإقامة والعمل، فيصارحهما الموظف بعد إنهاء كمية ضخمة من الأختام البيروقراطية: «كمواطنين ألمانيين جديدين عليكما قبول الآتي: سيتعيّن عليكما الاشتراك في نادٍ للرماية، وستأكلان لحم الخنزير مرتين أسبوعيًّا، وستشاهدان مسلسل «تات أورت» كل أحد، وستزوران مايوركا في الصيف مرة كل سنتين!»، يسقط في يد حسين، بينما تبتسم فاطمة (العجوز التركية المحجبة) – التي بالكاد فهمت ما قاله الموظف – وتوقّع مباشرةً على الموافقة! المشهد كوميدي ساخر بالطبع، يعيش في ألمانيا قرابة 3 ملايين مواطن من أصولٍ تركية، لا أحد يجبرهم على تناول لحم الخنزير!

حسب إحصاءات رسمية، يعد الإسلام ثاني الأديان انتشارًا في الأراضي الألمانية، بعد المسيحية (بشقّيْْها الكاثوليكي والبروتستانتي) بنسبة تصل إلى 5% من مجموع الشعب (النسبة تم حسابها قبل موجة اللاجئين الأخيرة)، بأغلبية سنّية تليها علوية تركية، بالإضافة لأعدادٍ أقل من الشيعة الإمامية والأحمدية وغيرهم، تنتشر مساجدهم في معظم مدن ألمانيا الكبرى، ويُدار معظمها بواسطة منظمات تركية متصلة بالبلد الأم تركيا، بالإضافة لمساجد عربية أقل عددًا، تقام فيها الصلوات الخمس والجُمع وصلوات العيدين، بعضها يمتلك مآذن قصيرة ترتفع على استحياء، ومعظمها يخلو منظرها الخارجي من أي إشارة معمارية كالقباب والمآذن.

المشهد الإسلامي الثاني في ألمانيا ستجده في المطاعم والبقالات العربية التي تقدم اللحوم المختومة بالختم «حلال»، الختم ذاته ستجده في بعض المنتجات المتوزعة على رفوف سلاسل محلات ألمانية مشهورة، جنباً إلى جنب مع لحوم الخنزير وشحومه.

أما في التعليم فينحصر وجود المدارس الإسلامية في قليلٍ من المدن الكبرى كالعاصمة برلين.

رغم هذه المظاهر الإسلامية القليلة، والتي يعتبرها كثيرٌ من المسلمين القاطنين في ألمانيا مجحفةً بحقهم وتعدادهم، إلا أن حركات سياسية تنشأ وتقوم بين الألمان على اعتبار أن مثل هذه الإشارات ليست سوى نذير خطر بأسلمة ألمانيا وأوروبا في المستقبل القريب، كحركة «بيجيدا» الناشئة في مدينة دريسدن شرقي البلاد عام 2014م، والذي يعتبر اسمها مختصرًا للعبارة «أوروبيون وطنيون ضد أسلمة الغرب»، ويتصدر رفوف الكتب الأكثر مبيعًا كتاب مثل «Mekka Deutschland – مكة ألمانيا» لواحدٍ من أشد متطرفي اليمين الألماني «أدو أولفكوته»، الذي يحشد فيه المؤلف كل القرائن والبراهين التي يعتقد أنها ستؤدي لأسلمة القارة الأوروبية وألمانيا مستقبلاً.

لكن قبل أن نجيب سؤال العنوان: «إلى أي حد يحق لك أن تكون مسلماً في ألمانيا؟»، علينا أن نجيب سؤالاً سابقاً وهو: «ماذا بقي من الدين أصلاً في ألمانيا؟».


ماذا بقي من الدين أصلاً في ألمانيا؟

سؤال ضخم، سأجيب عليه ببعض الملاحظات والمشاهدات الشخصية:

  • يمكن تصور توزيع السكان في ألمانيا بـ«التوزيع الأفقي»، فبخلاف المدن الرئيسية الكبرى، تتكون ألمانيا من مدن صغيرة وقرى متباعدة ومنتشرة في كل مكان، في منتصف كل مدينة أو قرية تنتصب كنيسة أثرية ضخمة قديمة تشكل قبلة سياحية وسمة بارزة للمدينة بشكل عام. هذه الكنائس تخلو عادةً من زوارها إلا في الأعياد الكبرى كالكريسماس والفصح، ما دون ذلك فهي محطّ زيارةٍ سياحية، لكنها على أي حال مركز المدينة.
  • عند انتمائك لإحدى الكنيستين الكاثوليكية أو البروتستانتية، فإن جزءًا من ضرائبك سيتوجه تلقائيًّا لدعم هذه الكنيسة، هذه الضريبة لا يمكن التهرب منها إلا في حال تخليك عن الانتماء للكنيسة، وعندها قد تُحرم من الدفن في مدافنها الخاصة!.
  • بين الفينة والأخرى سيطرق بابك مبشر ما، وقد يُسقط في صندوق بريدك منشورًا كنسيًّا دعويًّا، أو دعوة للتبرع بما فاض من ملابسك أو نقودك لحملاتٍ تبشيرية في أفريقيا وغيرها من دول العالم، هؤلاء المبشرون قد ينتظرونك في «ستاندات» منصوبة في الساحات العامة، أو قد يقطعون عليك الطريق ويواجهونك بدعوتهم وتوزيع منشوراتهم.
  • تشكل المستشفيات الكنسية جزءًا هامًّا من القطاع الصحي في ألمانيا، وهي بالعادة مستشفيات متطورة وغنية مرتبطة بكنائس، تنتشر في ردهاتها وغرف مرضاها الصلبان وتماثيل المسيح والعذراء – عليهما السلام – ، وتطوف في ممراتها الراهبات والقساوسة. الغريب في الأمر بأنها تشترط للتوظيف في كوادرها الانتماء لدين ما، لذلك فهي تقبل بتوظيف المسلمين لكن لا تقبل الملحدين.
  • تشكل المؤسسات الكنسية الخيرية عموداً مهمًّا من أعمدة العمل المجتمعي، من دور مسنين، إلى خدمات نقل المرضى، إلى حملات عون اللاجئين والتبرع لهم، وهي مؤسسات ضخمة ذات هيكل إداري متين ومتجذرة ومنتشرة في أصقاع البلاد.
  • تشكل الأعياد الدينية الجزء الأعظم من أيام العطل في التقويم الألماني، ورغم ذلك فلا تستغرب إذا سألت ألمانيًّا متعلمًا عن معنى يومٍ ديني معين، يستفيد من عطلته منذ ولد، ثم يجيبك بابتسامة: «لا أعلم عنه شيئاً!». أمّا عيدا الكريسماس والفصح فهما مناسبتان اقتصاديتان تسويقيتان، واحتفالية كرنفالية أكثر من ارتباطهما بمعتقدٍ ما.
  • سياسياً، يُعتبر الدين جزءًا من هوية الدولة الذي لا يمكن التنازل عنه، فحزب «ميركل» الحاكم هو «الاتحاد المسيحي الديمقراطي»، وهذه الهوية تتخذ الدور التاريخي الفلكلوري أكثر مما تتخذ معنى دينيًّا حقيقيًّا، وتظهر أكثر ما تظهر بوجود الأضداد (وعلى رأسها الضد الإسلامي)، فيتم التلويح بها مثلاً عند إشارة اليمينيين إلى خطر «الغزو الإسلامي» لألمانيا خاصة وأوروبا عامة، كأن يرفع المتظاهرون في حركة «بيجيدا» العنصرية الصلبان في مسيراتهم الأسبوعية للتنديد بالوجود الإسلامي في البلاد!
  • شعبيًّا، وعلى مستوى الفرد، يأخذ الدين عند الغالبية العظمى لونًا باهتًا كسرابٍ يلوح من بعيد، كإجابة إحدى الألمانيات عند سؤالي لها إن كانت تؤمن بوجود الله، فأجابت:
    لم يكن الأمر يعنيني مطلقًا، حتى ذلك اليوم الذي وقعت فيه ضحية لحادث سيرٍ رهيب، شعرت معه بقرب نهايتي لا محالة، لكنني في لحظة غيبوبة ما على طاولة العمليات الطارئة في المستشفى، أدركت بأنني -لا بدناجية، وأنه -لا بد
    من قوةٍ خارجية ستنقذني؛ قوة إله!

إذن ورغم أن المجتمع الألماني مجتمع علماني إلحادي؛ إلا أن الدين حاضر دائمًا، ولا يُعقل حقًا أن بلدًا مُثقلاً بتاريخه الديني الجدلي كألمانيا، موطن «مارتن لوثر»، وأرض المعارك الطاحنة المُفنية بين الكاثوليك والبروتستانت في غابر الأيام، وأرض الاضطهاد الديني الأشد وضوحًا لجماعات اليهود، لا يُعقل بأن لا يعلق به شيء من رائحة الدين والغيب.

الدين في ألمانيا هوية وثقافة في المقام الأول، في حين تضمحل الشعائر والتعاليم إلى مقاماتٍ ثانوية تكاد تكون مهملة، وبما أن الدين هوية؛ فهو أكثر حضورًا بوجود ضده الإسلامي، وهنا يمكنك فهم ما يُسمح وما لا يُسمح به للمسلمين في ألمانيا.

الغربة هنا لا تنتهي مع العزلة الاجتماعية حتى تتعدّاها إلى غربةٍ في بيئة العمل، حيث تبدأ المضايقات والمشاكل التي قد يصعب معها إيجاد وظيفةٍ مناسبة مرة أخرى.

بكلماتٍ أخرى، وبعباراتٍ موجزة، كل ما لا يتصادم إسلاميًّا مع الثقافة الألمانية، ورعاتها الرسميين من دولة ودستور وقوانين، هو متاح للمسلمين، بشرط ألا يبدو جليًّا وقويًّا في تمثيله إلى حد إثارة الذعر الشعبي وتحريك وساوسه حول فقدان بلده أمام عينيه، فقدان بات التدليل عليه والتحذير منه رسالة اليمين المتطرف الأولى في دعواهم لإغلاق الباب على المهاجرين واللاجئين المسلمين، أولئك المتكاثرين بنسبٍ وبمعدلات خصوبة تفوق ما لدى الشعب الألماني الهرم والمُعرض عن الإنجاب. إذن هو خوف (أو تخويف) من شبح المستقبل القريب للقارة العجوز!

وطالما أن الدين الإسلامي غير معترفٍ به رسميًّا إلا في بضع ولايات، فيبقى هامش الحريات الدينية مكفولاً ظاهريًّا بقوة القانون، لكنه على أرض الواقع متاح بمقدار ما تسمح به الإرادة الشعبية الجمعية للألمان، لذا فإن فتاةً محجبة قد لا يمنعها قانونٌ ما من التوظف، لكن رحلة بحثها عن ربّ عملٍ يقبل بها في بيئة عمله قد تطول كثيرًا.

وإذا أردت أن تعرف أكثر كيف أن قضية الإسلام في ألمانيا رهن قضية أكبر وهي «صراع الثقافات والهويات»؛ فعليك أن تلقي بنظرك على شيءٍ من معاناة المسلمين الجدد من الألمان. نحن نتحدث هنا عن علاقات تتقطع – فور إسلام هؤلاء – مع بيئتهم السابقة، سواء الأهل أو الأصدقاء، انقطاع علاقاتٍ تجعل منهم – بكل ما تعنيه الكلمة من معنى – «غرباء في أوطانهم».

الغربة هنا لا تنتهي مع العزلة الاجتماعية حتى تتعدّاها إلى غربةٍ في بيئة العمل (بالتحديد مع الالتزام بفريضة الحجاب للنساء)، حيث تبدأ المضايقات والمشاكل التي قد يصعب معها إيجاد وظيفةٍ مناسبة مرة أخرى.

«أشعر بأن مجتمعي يعاقبني على خيار الإسلام!»، قيلت حرفيًّا على لسان إحدى المسلمات الألمانيات الجديدات اللاتي التقيت بهن.

المؤلم أكثر في الموضوع، أن البديل لهؤلاء عن بيئتهم السابقة هي مجتمعات الجاليات الإسلامية، وهي مجتمعات منقسمة متفرقة ضعيفة، تميل إلى العزلة شبه التامة أو إلى الذوبان غير المشروط، وتميل أيضًا إلى التخلي عن حقوقها في المشاركة السياسية أو الاجتماعية، مفضلةً أن تبقى دائرةً حول محور بلدها الأصلي على أن تجد لها موطئ قدمٍ في المجتمع الجديد، بلدها الأصلي الذي وصمها بسماته التي قد تكون سلبيةً للغاية من ناحية العادات أو أخلاقيات التعامل.

يبقى العامل الأخير في تحديد نظرة الألمان للإسلام والمسلمين عمومًا، هو النظرة السلبية التي يحملها المعظم هنا في ألمانيا عن الإسلام كدينٍ خاص بالإرهابيين، أو بالشعوب المتخلّفة والمتناحرة، أو بالمهاجرين الأقل حظًا والأدنى مستوى. وصورة المسلم في الوعي الألماني سيئة بسوء الإعلام الغربي الأعور، وبسوء السياسات الحكومية الألمانية الموالية لأمريكا وإسرائيل على الدوام، وبسوء تجارة السلاح الألمانية المزدهرة لكل نقاط النزاع والقتال في العالم العربي والإسلامي، وبسوء شهرة المجتمع الإسلامي في ألمانيا كأكبر مصدرٍ للدواعش في القارة الأوروبية قاطبة.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.