لم تكن نظرية ولاية الفقيه بصورتها وقراءتها الخمينية هي الوحيدة في منظومة الفقه السياسي الشيعي، بل كانت ثمة نظريات أخرى ربما تكون أشدّ إحكاماً ومتانةً وسدًّا للثغور المنهجية، فقهياً وأُصولياً، بل سياسياً عن طريق احترام الإرادة الشعبية وولاية الأُمّة على نفسها. فكان لآية الله الشيرازيّ نظرية «ولاية شورى الفقهاء»، ولمحمد باقر الصدر نظرية: «الفقيه المنتخب»، وكان للمرجعية العربية الممثلة في حوزة النجف وجبل عامل رؤية مغايرة تمام المغايرة لنظرية ولاية الفقيه، بل كانت هناك رؤية من أغلبية الفقهاء داخل قُم نفسها –مثل آية الله شريعتمداري- رافضة رفضا تامًّا لنظرية ولاية الفقيه، بل إن الخميني نفسه لم يكن المرجع الأول في قم [1].

علاوة على بعض التعديلات التي أراد رفقاء درب الخميني إدخالها على النظرية، مما يوحي برفضهم الجزئي لها، نظراً لأنها كأيّ نظرية عندما تنسحبُ على الواقع والتطبيق يعتريها خللٌ لم يكن في ذهن المُنظّرين، فينبغي سدّ الثغرات، وترميم الفجوات، كتلك التعديلات التي طالب بها آية الله منتظري [2]، وطالقاني وغيرهما، فلم يسمع لهما الإمام الخميني، بل صادر رأيهم، ونبذ طرحهم، وكان مصير آية الله منتظري الإقالة من منصبه -قبل وفاة الخميني بأربعة أشهر فقط- وفُرضت عليه الإقامة الجبرية في منزله، على الرغم من أنّ الرجل كان نائباً مباشراً للخمينيّ، أي أنه كان سيحلّ محلّ الخميني في يوم من الأيام ويصير هو المتحكم في مفاصل النظرية، وشئون الدولة.

لكن استطاعت نظرية ولاية الفقيه بقراءتها الخمينية أنْ تكون لها الأولوية في ميدان الحكم والدولة لأنّ الدولة تبنتها في فترة ما بعد الثورة، وقام النظام الإيراني بمأسستها دستوريا وقانونياً، وصار المعارض لها فيما بعد معارضا لإرادة الأمّة ودستورها، بل عقيدتها [3]. في هذا الخلاف الشيعي الشيعي -بل القُمّي القُمّي- بين الملالي والفقهاء [4] أين وقف حجة الإسلام والمسلمين رفسنجاني؟!


أين وقف رفسنجاني؟!

في ظلّ هذه المعمعة الفقهية والتنظيرية كان رفسنجانيّ من صقورِ المحافظين [5] الذين يوالون كلّ الموالاة للخمينيّ، وكان يرفضُ التقارب –أي تقارب- مع الغرب أو الانفتاح على الخليجِ العربيّ. تحالفَ رفسنجاني مع خامنئي لمجابهة الخصوم المشتركين مثل آية الله منتظري في ذلك الوقت، ثم سرعان ما اشتد الخلاف بين الرجلين بعد توليّ خامنئي منصب الإرشاد وتولي رفسنجاني منصب الرئاسة خاصة مع بداية الدورة الثانية لرئاسته [6]. وصار رفسنجانيّ يتجه أكثر نحو الإصلاحيين ربما بحكم منصبه السياسي الذي يفرض عليه إصلاحات اقتصادية واجتماعية لينال رضا الجماهير، في حين أن منصب المرشد يتخفى خلف الرئاسة والحكومة، فلا يتحمل أيّ فشل سياسي أو اقتصادي بقدر ما يتحملها أصحاب المناصب التنفيذية، وربما بحكم التنافس الشديد بين الرجلين لطبيعة العمل السياسي وإرادة السيطرة على صناعة القرار.

وصار رفسنجاني من أعلام الإصلاحيين المطالبين بمزيد من الحريات والانفتاح على المنطقة والإقليم، الداعين للحوار مع الغرب والعالم. في حين تمترس المرشد والحرس الثوري خلف مبادئ الثورة، مع اتخاذ مواقف صارمة ضد الخارج. وتفاقم الخلاف السياسي والاقتصادي يوما بعد يومٍ، بين المرشد الأعلى وصديقه رفسنجاني. لكن المشهد السياسي لم يكن يسمح بمواجهة حاسمة مع رفسنجاني بمعنى إقصائه كليا من على الساحة نظراً لوجوده في مجلس الخبراء، وتغلغل تياره وتلاميذه في مفاصل الدولة، وإنْ كان المرشد وفريقه حاولوا تقليم أظافره عبر اعتقال عدد كبير من أنصاره، ورموز التيار الإصلاحي، وفرض الإقامة الجبرية على عدد كبير منهم.

لكن في السنوات الأخيرة قبل موت رفسنجاني بدأ الرجل يطالب بإصلاحات جريئة على غرار سلفه آية الله منتظري. لقد طالب بمأسسة منصب المرشد وتحويله إلى قيادة جماعية –عن طريق تشكيل مجلس قيادي يضم عددا من رجال الدين، بعد وفاة المرشد الحالي علي خامنئي [7]، على أن يتم التخلص نهائياً من نظام الفقيه الواحد الذي يحكم ويُسيطر على كلّ شيء [8]. وطالب رفسنجاني بإعادة مادة دستورية حُذفت من الدستور الإيراني بعد تولي الخامنئي منصب المرشد، تتيح القيادة الجماعية في حالة فشل مجلس الخبراء في تنصيب مرشد، أو في حين فقدان الشروط المطلوبة في شخص الفقيه. ممّا تسبب في عواصف عليه من التيار المحافظ وصلت لحد تهديده واعتقال ابنه، وإيصال رسائل إليه أن مصيره كمصير آية الله منتظري إنْ لمْ يكفّ.


ماذا بعد موته؟!

بعد موت رفسنجانيّ – الوحيد الذي جهر بالمطالبة بالقيادة الجماعية لإيران – صار الطريق مفتوحاً أمام فريق المحافظين، ليُحكم سيطرته على الدولة، ويُؤمّن انتقال سلطة الوليّ الفقيه إلى رجل من رجالاته بعد وفاة المرشد الحالي خامنئي المريض والكبير في السنّ. فقد جاءت وفاته في وقت يريد فيه المحافظون ترتيب أوراقهم خوفا من موت خامنئي قبل ترتيب الأوراق، وتحديد الأدوار. وخروج رفسنجاني بأطروحته السابقة أزعجت الحرس الثوري وبلاط المرشد؛ لأنه ربما يُحدث قلاقل مجتمعية، وتوعوية جماهيرية تعرقل من الخطة التي تدار في المطبخ برعاية المحافظين والحرس الثوري، بعيداً عن أعين الجماهير وإرادة الشعب. فمصلحة الجيش والحرس الثوري ومؤسسات الدولة العميقة تكمن في وجود فرد واحد لمنصب الولي الفقيه لا مجموعة من الفقهاء، وذلك تكلمة لسيناريو الخميني المختلق، ولأنّ دخول المعتدلين إلى ولاية الفقيه عن طريق مجموعة من فقهائهم تمثل عائقا أمام الحرس الثوري ورجال خامنئي المسيطرين على ماكينة تنظيم الجيش، ومجلس الخبراء، ومجلس صيانة الدستور، والحرس الثوري وإمبراطوريته الاقتصادية المتضخمة علاوة على ملفات مهمة ينفردون فيها بالقرارات المصيرية كالملف السوري واليمني وصفقات السلاح. فتمّ إجهاض أطروحة رفسنجاني قبل استفحالها وتحولها إلى مطلب جماهيري، وتمّ تهديد الرجل بمصير آية الله منتظري، وتمّ اعتقال ابنه، والتضييق عليه شخصيا، ومنعه من خطبة الجمعة، وربما لو بقي حياً لتمّ تحديد إقامته فيما بعد كما حصل مع غيره.

فموت رفسنجاني في هذا التوقيت يمثل عنصر قوة لفريق خامنئي، ويُقوّي من جبهة خامنئي والحرس الثوري، ويقلل من نفوذ المعتدلين. ويقضي على أيّ أمل مرحلي على المدى القريب والمتوسط في إضفاء أي تعديلات على نظرية ولاية الفقيه تسمح بقيادة جماعية للدولة الإيرانية. خاصة مع غياب أي وجه إصلاحي قويّ له قواعد شعبية كتلك التي كونها رفسنجاني بتاريخه وكاريزميته، علاوة على عمل المحافظين لتجريف أي قيادة إصلاحية قد تحلّ محلّ القيادات الراهنة فتم تقييد إقامة موسوي وكروبي، واعتقال حفيد الخميني، ونحو ذلك من إجراءات القمع والاعتقالات التي نفذتها السلطات من 2009م وحتى الآن، والتي تهدف في النهاية إلى سيطرة كاملة من المحافظين على مفاصل الدولة.

وباعتبار نجاح خطة المحافظين في إجهاض أطروحة رفسنجاني والإصلاحيين، في إدخال أي تعديلات على ولاية الفقيه، وكذلك في إجهاض أي بروز وجوه إصلاحية ذات قواعد جماهيرية، وعلى فرض إمساك المحافظين بزمام الأمور، وتخلصهم النهائي من مخاطر الإصلاحيين، فإنّ تلك السياسة خطرة على المدى المتوسط وربما ينتج عنها ظهور أجنحة يمينية ويسارية داخل التيار المحافظ نفسه، خصوصا أنه لا توجد قواعد حاكمة لإدارة المسائل المختلف عليها داخل تلك التيارات، ورجحان عامل الشخصانية والقوة والنفوذ وأيهم أقرب إلى الجيش والحرس الثوري والمرشد، مما يعمق الخلاف في إدارة الدولة، ويعيدها إلى المربع الأول، مربع الإصلاحيين والمحافظين، ولكن في صورة معدلة.


لماذا التشبث بولاية الفقيه؟

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة لماذا تتمسك القوى النافذة في إيران «بولاية الفقيه»، ويرفضون أيّ تغييرات عليها بقراءتها الخمينية؟ الجواب عن هذا السؤال معقد جدا. فالإمام الخمينيّ مَأْسَس نظرية ولاية الفقيه دستوريا، ورسخها اجتماعيا، وصارت جزءا لا يتجزأ من الدولة الإيرانية، وأيّ تغيير فيها، أو تعديل عليها يعتبره المحافظون بمثابة انقلابٍ على الثورة ودولة الخميني، ومن ثمّ انقلاب على مؤسسات الدولة التي أسسها هؤلاء. فبمرور السنين مع تطبيق ولاية الفقيه عرفت كلّ مؤسسة موقعها ونفوذها، وأدرك كل شخص خطوطه ونفوذه في ساحة النظام وحدود ذلك النفوذ، وبدأت تفريخ القيادات والبدائل وقت الاحتياج أو الطوارئ. فأُنتج ما يُسمى بالجهاز البيروقراطي للدولة، أي الدولة العميقة والمتغلغلة التي يصعب تفكيكها، إلا بصدمات ثورية رأسية، وهو ما لم يتوفر حتى الآن ولم يسع إليه أحد حتى الإصلاحيين ليس من مصلحتهم السياسية تفكيك الدولة بأجهزتها وصورتها الراهنة، وإلا فقد تولوا المناصب التنفيذية كرئاسة الجمهورية فترات أكثر من المحافظين ولم يخلخلوا هذا الجسم المركّب والبالغ التعقيد.

إذن يمكن الخروج بنتيجة واحدة من التمسك بنظرية ولاية الفقيه وهي أنها صارت الدولة والدولة هي، وأيّ انفكاك منها سوف يشهد سلسلة تصدعات رأسية وأفقية في النظام، يعقبه موج هادر من المطالب الأخرى لا يمكن لأي نظام أن يتحكم فيها، وهذه هي المراحل الحرجة في تاريخ الدول: الانتقال من رؤية وأيديولوجية إلى رؤية وأيديولوجية أخرى. ومن المستحيل أن تنتقل الدولة من أيديولوجية إلى أخرى بنفس الوجوه المؤسسة، والمُنظّرة والمُفلسفة.

أضف إلى ذلك أنّ الصراع الكامن بين المحافظين والإصلاحيين هو خلاف تشوبه بنود براجماتية، وشخصانية، واستقطابات وولاءات، وإن صُدّرت في صورة اختلاف حول الرؤى والإصلاحات. فخامنئي عندما كان رئيسا للجمهورية اصطدم كثيرا مع رئيس وزرائه مير حسين موسوي، الذي اصطدم بدوره مع رفسنجاني رئيس البرلمان وقتئذ، مما دعا الإمام الخميني إلى إنشاء مجمع «تشخيص مصلحة النظام» عام 1988 لحل المشكلات التي لا يتم الاتفاق حولها بين السلطة التشريعية والتنفيذية. لكن السيد خامنئي لم ينس هذا الموقف، وتعامل بحسم وشدّة مع مظاهرات الثورة الخضراء سنة 2009م التي اندلعت بعد الانتخابات الرئاسية بين موسوي وأحمدي نجاد، حيث فاز فيها أحمدي نجاد المقرب من المرشد والتلميذ الوفيّ لآية الله مصباح يزدي، لكن موسوي وأنصاره شككوا في نتيجة الانتخابات وطالبوا بإعادة الفرز مما جعل المرشد علي الخامنئي يتدخل ويعلن فوز نجاد ويرفض إعادة الفرز، وقامت السلطات بقمع المظاهرات وقامت بعمليات اعتقال واسعة ضد أنصار موسوي والتيار الإصلاحي، واعتقلت موسوي نفسه وهو قيد الإقامة الجبرية حتى الآن. فالخلافات الشخصية بين قادة الثورة تتعدى الخلاف السياسي حول الرؤى السياسية والاقتصادية، وتتركز في مواقع النفوذ وخرائط الصراع.


الخلاصة

والخلاصة أنّ كاتب هذه السطور يرى أنّ خطّ الإمام أو الخطّ الثوري الذي يقوده خامنئي وفريق المحافظين سوف يستمر، وسوف تستمر نظرية ولاية الفقيه بصورتها الخمينية؛ إذْ في التنازل عنها إعلان بفشلها وفشل نظام الحكم الإيراني، وانتصار للإمبريالية الغربية كما يظنّ العقل الجمعي لصقور المحافظين. علاوة على أن إدخال أي تعديلات حولها سوف ينسف نظرية الخميني، لصالح نظريات أخرى كـ«ولاية الفقهاء» للشيرازي، أو «الدستورية البرلمانية» لشريعتمداري وموسى الصدر، أو «ولاية الأمة» للعلامة شمس الدين، أو «الفقيه المنتخب» للعلامة باقر الصدر، وهو –الخميني- الذي لم ترق له تلك النظريات في حياته، بل قتَل واعتقَل بعض أصحابها، فأيّ تنازل عن خطّ الإمام هو بمثابة هزيمة كاملة لمشروع الإمام ورؤيته للدين والدولة والثورة والأُمّة، وهو ما لا يمكن أن تتحمل تبعاته القيادات الإيرانية الراهنة –رفيقة درب الخميني-. وهنا ملحظٌ آخر مهمّ جدا: أنّ أي تنازل عن خطّ الإمام سوف يسحب الهالة الإيرانية أو ما يُسمى بمشروع الجيبولوتيك الإيراني [9] في المنطقة، ويُحجّم الدور الإيراني ويُعيدها إلى عهد التقوقع، بمعنى أنّ أنصار حزب الله سيُقيمون مراجعات داخلية ربما تئول بهم إلى لبننة التشيع اللبناني في رجوع وارتداد إلى حاضنة المرجعية العربية، ومُنظّري التشيع اللبناني (فضل الله وشمس الدين والأمين)، وكذلك شيعة العراق يلجئون إلى عرقنة التشيع العراقي، أي أنّ السطوة الإيرانية على شيعة العالم ستتعرض لهزات وصدمات عنيفة، ربما تُفقدها السيطرة الراهنة، ويعود الجسم الشيعي كما كان قبل قدوم الخميني وتثويره للمذهب، ودعوته العابرة للحدود والأوطان [10].


[1] – راجع: الخبرة الإيرانية: الانتقال من الثورة إلى الدولة، د. أمل حماد، ص315، ط1/ الشبكة العربية للأبحاث والنشر 2008م، وانظر: إيران من الداخل، فهمي هويدي، ص128، ط/ الشروق.[2] – يُعتبر حسين منتظري من أكبر المناهضين لولاية الفقيه المطلقة، وتناول في كتابه “دراسات في ولاية الفقيه” دور الشعب في السُّلْطة، واعتبار السُّلْطة الشعبية أساسًا لمشروعية السُّلْطة إلى جانب السُّلْطة الإلهية. ويقول إن ولاية الفقيه المطلقة شِرْك. “ولاية مطلقة فقيه شرك است”. الشيماء العقالي، نظرية ولاية الفقيه وتطبيقاتها في جمهورية إيران الإسلامية، مركز الحضارة لتنمية الفكر السياسي الإسلامي، ط&/ بيروت 2011م ص174.[3] – راجع: محسن كديور: نظريه هاى دولت در فقه شيعه ، تهران، نشر نى، 1376ﻫ.[4] – راجع: آية الله الخميني بين الثورة والطغيان، د. أحمد زكي، ص369، 393، 323، 350. ط1/ دار الكتب 2015م. وانظر: إيران من الداخل، فهمي هويدي، ص126، 137، ط2/ الشروق 2014م.[5] – ولكي نفهم إشكال المصطلحات وثنائية (إصلاحيين ومحافظين) نقول بأنّه لا يُوجد كيانٌ له أبعاد وأسوار اسمه محافظون أو إصلاحيون، فهذا التيار أو ذاك، ليس بحزب أو تنظيم له مبادئه، ورجاله، ومنهجه، بل إنّ الأمر قائم في الأساس على بُعْد ولاءاتي، ونفوذ داخل مؤسسات صناعة القرار الإيرانية المتمثلة في الحرس الثوري والبرلمان والرئاسة ومجلس الخبراء وبلاط المرشد الأعلى. (راجع: فاطمة الصمادي: نتائج الانتخابات الإيرانية تنازع الفوز وأفول الطروحات، مركز الجزيرة للدراسات). وعلى سبيل المثال: آية الله منتظري كان قطبا من أقطاب المحافظين وكان يؤمن بالنهج العسكري في تصدير الثورة، ويرفض أي تقارب مع القوى الإقليمية والخارجية، ثم كان مآله –بعد الإقالة والإقامة الجبرية- أن صار من مُنظّري الإصلاحيين، ورمزاً من رموزهم، وصار مرجعية روحية لهذا التيار الآخذ في التبلور ففرخ أمثال موسوي وكروبي وخاتمي. وكان آية الله رفسنجاني من كبار المحافظين، وما لبث أن تحول إلى رمزٍ إصلاحيّ كبير. ويُقصد بالمحافظين: الذين يتقوقعون حول مبادئ الثوري ويؤمنون بأنّ الثورة أولا –الثورة قبل الدولة وفوق المجتمع- ويتخذون مواقف راديكالية مع الخارج ومع الخصوم السياسيين داخليا وخارجيا، ويتخذون خيارات فقهية متشددة، أمّا الإصلاحيون فيدعون إلى الانفتاح على المنطقة والإقليم، ويتبنون داخليا خيارات فقهية وسطية خاصة بالمرأة والنظام التعليمي ونحو ذلك.[6] – راجع: الخبرة الإيرانية الانتقال من الثورة إلى الدولة، د. أمل حمادة، ص317، ط1/ الشبكة العربية للأبحاث والنشر 2008م. وانظر: نظرية ولاية الفقيه وتطبيقاتها في جمهورية إيران الإسلامية، الشيماء العقالي، ص255، ط1/ مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي بيروت.[7] – يرى الباحث د. معتز سلامة –رئيس وحدة الدراسات الخليجية بمركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية-: أنّ مأسسة منصب المرشد وتحويله إلى قيادة جماعية من شأنه أن ينزع القداسة عن المنصب وقال: “من شأن القيادة الجماعية لمنصب الولي الفقيه إنهاء الرمزية والمكانة الروحية للزعيم المتفرد في مكانته، وتشتيت هذه المكانة وإنزالها المنزلة البشرية دون إحاطتها بهالة من القداسة على نحو ما جرى مع الخُميني والخامنئي، وإنهاء اعتبار ولاية الفقيه امتدادًا أو بديلًا للإمام الغائب، ومن ثم يتحول منصب الولي الفقيه تدريجيًا من مقام ديني مقدس إلى مقام بشري عادي، ومن ثم لا تكتسب تصريحات أعضائه أو مواقفهم الهالة التي لها الآن، وسوف تتعرض لنقاش مجتمعي وانتقادات أوسع، خصوصًا إذا اختلف أعضاء القيادة حول إدارة السياسة الخارجية للبلاد، وعلى الأرجح سوف تتراجع مكانة ومنزلة مجلس القيادة في تحديد التوجهات الكبرى للسياسة الخارجية، وسوف ينتهي ربط السياسة الخارجية بالجانب الديني وبالمحرمات أو المحللات، وسوف تخضع قرارات القيادة الجماعية وتوجهاتها الخارجية لمصالح الدولة الإيرانية أكثر، وليس للأيديولوجيا الدينية. ومن ثم يتبدد التأثير الروحي لمقام الإرشاد، وتتراجع طاقة العداء الأيديولوجي والمذهبي لدول الخليج من جانب هذه المؤسسة، إذن فاحتمالات تحققه ضعيفة جدًا، حيث إنه من الصعب أن تتنازل المؤسسات المحافظة التي يقف المرشد على رأس هرمها السياسي طواعية لتغيير يقضي على رأسها ويخضع أسرارها وأنشطتها وميزانياتها للمحاسبية والرقابة عبر مجلس جماعي”. فجماعات المصالح تحمي نفوذها الاقتصادي والسياسي عبر مظلة المرشد. انظر: معتز سلامة، العلاقات الإيرانية الخليجية من دون ولاية الفقيه، الخليج العربي للدراسات الإيرانية، 10 مايو 2016م.[8] – راجع: القدس العربي، 16 فبراير 2015م.http://www.alquds.co.uk/?p=296657 https://www.youtube.com/watch?v=5kmDACPqUbk [9] – راجع: د. محمد السلمي: الجيبولوتيك الشيعي، مجلة الدراسات الإيرانية، ص32، العدد الأول 2016م.[10] – قام الخميني بخليط عجيب وتذويب لعدد من الرؤى والأطروحات، فقد تأثر بسيد قطب في الأمة الواحدة والحاكمية، وتأثر بالماوردي في شروط الحاكم، وتأثر بالفقه الشيعي في أمر ولاية الفقيه المقيدة، ثمّ ابتدع نظريته “ولاية الفقيه”، التي لا مثيل لها في تاريخ الفقه الإسلامي كلّه، من حيث الطرح، والتطبيق. ويبقى للتاريخ أن يحكم على التطبيق والممارسات الأخلاقية للنظرية.