يشير الفريق الجمسي في مقدمة مذكراته إلى ملاحظة مُلفتة؛ وهي أن الغالبية العظمى من القادة الذين أجادوا في أكتوبر ١٩٧٣، كانوا ممن ذاقوا الهزيمة المُذِلَّة في يونيو ١٩٦٧، رغم خطورة الموقف العسكري والإستراتيجي في أكتوبر ، فالعدو متحصن خلف حدودٍ آمنة، طبيعية كالقناة، وصناعية كخط بارليف المنيع. فمثلاً الفريق فوزي القائد العام بعد هزيمة ٦٧، والمضطلع بالجانب الأصعب من إعادة البناء، كان رئيس أركان الجيش المهزوم!، والمشير أحمد إسماعيل القائد العام أثناء أكتوبر، كان هو رئيس أركان جبهة سيناء عام 1967م.

كان الفارق الرئيس في قمة الهرم، إذ كان قائد جيش النكسة عبد الحكيم عامر، مستبدًا، منشغلًا بطموحاته، وصراعاته مع عبد الناصر، فغرق الجيش في (الشِّلَلية)، وقادَهُ أهل الثقة لا الكفاءة. وزاد الطين بلة، المستنقع اليمني الذي غاص فيه الجيش لسنوات نتيجة عناد القيادة السياسية. لم يكن عامر الذي رُقِّيَ من رتبة النقيب إلى المشير، خلال 6 أعوام بعد انقلاب يوليو 52، يمتلك المواهب العسكرية المؤهلة لمنصبه، وظهر هذا جليًّا في قراره الكارثي بالانسحاب العشوائي من سيناء ٦-يونيو-١٩٦٧، دون خطة، ودون مشاورة قادته.

أما في أكتوبر، فشهدت السنوات السابقة للحرب إصلاحات سياسية جزئية، أطاحت بالحرس القديم، ووارَبْت أبواب المعتقلات، وخفَّفت ميراث القمع الناصري. وأُبعِدَ الجيش من الوظائف المدنية البعيدة عن المعركة. كذلك أُسنِدَت القيادات للكفاءات، كالشهيد عبد المنعم رياض، والعبقري سعد الدين الشاذلي.

لم تكن الصورة ورديةً تمامًا، فمصر ما زالت دولة غير ديموقراطية، تجتمع خيوط سلطاتها بيد السادات. ولضمان سيطرته على الجيش، حافظ الرجل على الوضع الشائه الذي لا تعرفه معظم جيوش العالم، بوجود رأسيْن عسكريَّيْن، هما القائد العام وهو وزير الحربية أيضًا، ورئيس الأركان.

يرى الشاذلي في مذكراته (الفصل 17)، أن السادات تعمَّد جعل القيادتيْن عام 1972 بيد رجُليْن ليسا على وفاق: أحمد إسماعيل للقيادة العامة، وهو – أي الشاذلي – لرئاسة الأركان، لضمان عدم اجتماع الجيش ضده. وقد تسبَّب هذا في مشاكل جمَّة أثناء الحرب.

كان إسماعيل ممتنًّا للسادات الذي أعاده إلى الجيش بعد 3 سنوات من عزله عام 1969م، من منصبه  كرئيس للأركان، بعد هجوم إسرائيلي شهير على منطقة الزعفرانة بالبحر الأحمر أثناء حرب الاستنزاف، عربدت فيه قوات العدو لساعات. بناء على هذا الامتنان، كان إسماعيل دائمًا ما يتبنى رأي السادات في تدخلاته في سير العمليات، رغم فقره – السادات – في الخبرة العسكرية، مخالفًا آراء قادته الميدانيين، وعلى رأسهم رئيس أركانه الشاذلي الذي انتقد هذا بمرارة شديدة في مذكراته.


التطوير العنتري والفرصة الصهيونية

إن النجاح في اختراق الخط الدفاعي للخصم، والنفاذ إلى مؤخرته، هو حلم كل مهاجم. إذ يتمكن من تدمير النظام الإداري للمدافعين، ووسائل القيادة والسيطرة، وعزل المدافعين عن مناطق إعاشتهم، فيصبح تدميرهم مسألة وقت.
الفريق الشاذلي، ص277 من مذكراته

في مقال «حين حدث انهيارٌ عصبي في غرفة عمليات حرب أكتوبر»، ذكرنا كيف تسبّب قرار السادات بالتطوير شرقًا 14 أكتوبر/تشرين الثاني خارج مدى حائط الصواريخ، رغم اعتراضات قادة الجيشيْن الميدانييْن، في تدمير 300 دبابة مصرية في ساعات، وجلَّها من الاحتياطي الإستراتيجي الذي كان متمركزًا غرب القناة لحماية مؤخرة الجيشين الثاني والثالث المسيطريْن على 12-15 كم شرق القناة، من أية محاولات تسلل إسرائيلية.

استطلعت طائرة أمريكية الجبهة مجدّدًا صباح 15 أكتوبر/تشرين الأول، فأصبحت إسرائيل على علم تامٍ بخلو غرب القناة من قواتٍ مؤثرة (ذكر الشاذلي أنه لم يتبقَ سوى لواء مدرع قوامه ١٠٠ دبابة، وتمّ بعد أيام ٍتعزيزه بآخر من القاهرة، وبقي واحد بالعاصمة).

انتهز الصهاينة الفرصة، مع توالي الإمدادات الأمريكية، فحشدوا فرقتيْن مدرعتيْن كاملتيْن (٧٠٠ دبابة) بقيادة القائد المندفع الشهير شارون، للهجوم المركز على ميمنة الجيش الثاني المكونة من فرقة مشاة، يدعمها لواء مدرع، وبقايا الفرقة ٢١ المدرعة التي تحملت أغلب خسائر التطوير، قرب المفصل الضعيف بينه وبين الجيش الثالث، للوصول إلى منطقة الدفرسوار الهشَّة دفاعيًا، والعبور منها لغرب القناة.

وهكذا منذ ليلة 16 أكتوبر/تشرين الأول، بدأ اختراق الثغرة. وفي صباح 16 أكتوبر/تشرين الأول، بينما كان السادات يتباهى بالنصر في خطابه بمجلس الشعب، كانت عشرات الدبابات الإسرائيلية والمظليين قد تسللوا بالفعل إلى غرب القناة رغم الدفاع المصري الباسل. دمر المتسللون المواقع القريبة، وأخطرها مواقع الدفاع الجوي، مفاجئين المدافعين الذين ضلّلتهم بيانات القيادة العامة التي ادَّعت وجود تسلل محدود بـ ٧ دبابات فقط، فأصبح الطيران الإسرائيلي أكثر حرية فوق الثغرة.

شهدت منطقة المزرعة الصينية شرق القناة على مدار يومين أعنف المعارك الالتحامية، وتكبد فيها الطرفان خسائر جسيمة، وافترشت أرضها مئات الدروع المحترقة شاهدة على التصدي العنيد. لكن حسمها التفوق النوعي والعددي للمدرعات والطائرات الإسرائيلية.

استمات الإسرائيليون في اندفاعهم رغم مئات القتلى. فالعبور المضاد كان فرصتهم لقلب هزيمتهم المبدئية انتصارًا. وبدأوا بإقامة أول جسورهم نهاية 17 أكتوبر/تشرين الأول.كان المخطط أن تنقسم قوات اختراقهم بعد عبورها إلى جناحين كبيرين. يندفع أحدهما شمالًا، فيحتل الإسماعيلية، وبورسعيد مطوقًا الجيش الثاني، ويندفع الآخر جنوبًا، ليطوِّق الجيش الثالث، ويحتل السويس. فتصبح قوات العبور (حوالي 100 ألف جندي مصري ) تحت رحمتهم، فإما الانسحاب، أو الموت جوعًا.

الثغرة، حرب أكتوبر، السويس، أكتوبر، كيبور، الدفرسوار، الإسماعيلية، المقاومة، الحرب، الصهاينة
خريطة العمليات الإسرائيلية أثناء الثغرة

فرْق السرعات في قيادة العمليات

كان الرئيس وحيدًا، وكان هو الذي اختار أن يواجه الموقف وحدَه. بينما كنت أظن أن الساعات الحرجة التي نمر بها، هي الظروف التي من أجلها بُني تنظيم الأمن القومي ليعاون على اتخاذ الإجراءات المصيرية.
مستشار الأمن القومي أثناء الحرب حافظ إسماعيل، أمن مصر القومي، ص٣٦٠

كان أسلوب القضاء على الثغرة محلّ خلافٍ شديد في أروقة القيادة المصرية، تجنبت الرواية الرسمية ذكرَه، بينما أبرزه الشاذلي في مذكراته.

تبعًا لتطورات الثغرة، قدّم الشاذلي – الذي زار الجبهة عدة مرات أثناء الحرب، وتلمّس الأوضاع بنفسه – مقترحاتٍ جريئة للقضاء عليها (تفاصيلها في الفصل 33 من مذكراته) تتضمن سحب بعض المدرعات من الشرق للغرب (كانت أكثرية دباباتنا موزعة مع فرق المشاة لدعمها)، بما لا يضر بثبات الجبهة شرقًا. فخلال 10 أيام بعد العبور، كانت فرق المشاة قد حفرت مواقعها، وأقامت تحصيناتها، ولم تعد بحاجة ماسة للدبابات، إذ تضم كل منها مئات الأسلحة المضادة للدبابات.

لكن تصلَّب السادات – وإسماعيل – في رفض سحب جنديٍّ واحد غربًا، خوفًا – برأيهم – من انهيار معنويات القوات شرق القناة. والغريب، أنهما نفذا أكثرَ مقترحات الشاذلي بعدَ رفضها بأيامٍ، فأبطل فعاليتها تضخم الاختراق الإسرائيلي مع التأخير.

  • يوم 15، اقترح الشاذلي سحب بقايا الفرقتين 4 و 21 الناجية من مذبحة التطوير (حوالي 100 دبابة)، إلى مواقعها الأصلية غرب القناة.- يوم 16، لوأد الثغرة، اقترح هجومًا مزدوجًا من الشرق والغرب، باستغلال الفرقتيْن المذكورتيْن، يدعمهما اللواء 25 مدرع ويُسحب من الشرق، ليهاجم الثغرة من الغرب. وكانت قوات العدو غربًا حينها أقل من لواءٍ مدرع. عوضًا عن ذلك، أمر السادات وإسماعيل بهجوم عبثي من الشرق باللواء 25، فدُمِّرَ بالكامل!.
  • يوم 18، أصبح للعدو 5 ألوية مدرعة غرب القناة، وتوجه الشاذلي للجبهة.
  • صباح 20، عاد الشاذلي للقيادة، وطلب اجتماعًا عاجلاً، وطلب سحب 4 ألوية مدرعة من الشرق، لتنضم إلى لواءين تم توفيرهما غربًا، للقيام بهجوم شامل على الثغرة (5 ألوية) للقضاء عليها أو تحجيمها. وصل السادات للقيادة، واجتمع بإسماعيل منفردًا، ثم خرج للقادة وطلب كلماتهم جميعًا سوى الشاذلي!، ثم قال: «لن نقوم بسحب أي جندي من الشرق!».
  • ليلة 21، انضم لواءان آخران لقوات العدو غرب القناة.

بعد الحرب، اتهم السادات الشاذلي بأنه عاد يوم 20 من الجبهة منهارًا، يريد الانسحاب الكامل من الشرق. ندَّد الشاذلي بهذه الادعاءات كثيرًا، ونفاها الجمسي في مذكراته، رغم تأييده لطريقة السادات وإسماعيل في مواجهة الثغرة.


الإسماعيلية والسويس وحفظ ماء الوجه

الشيخ حافظ سلامة قائد المقاومة الشعبية بالسويس أثناء الثغرة

صورة حديثة للشيخ حافظ سلامة قائد المقاومة الشعبية بالسويس أثناء الثغرة

بتضحياتٍ باسلة، ثبَّت اللواء 150 مظلات – مدعومًا بكتيبتيْ صاعقة – فرقة شارون المدرعة، المدعومة بغطاء جوي كثيف، أكثر من أسبوع، قرب ترعة الإسماعيلية التي تم تفجير جسورها، ففشل احتلال الإسماعيلية وتطويق الجيش الثاني. لكن، ورغم قرار مجلس الأمن بوقف النار مساء ٢٢، اندفع الصهاينة جنوبًاـ فكانت مهمتهم أسهل، لغياب الموانع الطبيعية، ونقص الدفاع الفعال.

توغَّلتْ الدبابات الصهيونية جنوبًا، فقطعت طريق مصر السويس الصحراوي، شريان حياة الجيش الثالث الرئيس، وأصبحت على بعد 100 كم من القاهرة. ثم احتلت ميناء الأدبية 15 كم جنوب السويس، وبذلك أطبقَ الحصارُ على الجيش الثالث (شمالًا قوات العدو بالثغرة، جنوبًا خليج السويس، شرقًا قوات العدو بسيناء، غربًا القناة وقوات العدو)، وتم تدمير مقر قيادته، ونجا قائده بأعجوبة (الشاذلي، ص300 الفصل 34)، وحوصِرَتْ السويس كليًّا.

بعد تمهيد نيراني وحشي لساعات بالمدفعية والطيران، استهدفَ كلَّ شبر بالسويس، اندفعت عشرات الدبابات الإسرائيلية ومئات المظليين يوم 24 لتحتل السويس المعزولة، لتحقق نصرًا إعلاميًا، نظرًا لشهرة السويس عالميًا.

مقطع رسومي يشرح ما حدث في معركة السويس يوم 24 أكتوبر/تشرين الأول عام 1973م

لم يكن بالمدينة سوى مئات المواطنين المدنيين، وعشرات الجنود المسلحين بأسلحة خفيفة. وحاول الجيش الثالث دعمها من الشرق للغرب بالمدفعية، وبتسلل بعض وحدات صائدي الدبابات عبر أنابيب البترول. إذ كان الطيران الصهيوني قد دمر كل جسور الجيش الثالث تقريبًا بعد تحييد صواريخ الدفاع الجوي.

خاض المدافعون قتال مدنٍ بطوليًا، فتزيَّنت شوارع المدينة الباسلة بعشرات الدبابات الصهيونية المتفحمة. وسقط للعدو أكثر 100 قتيل و ٥٠٠ جريح (الشاذلي، ص302 الفصل 34).٢٥ أكتوبر/تشرين الأول، فرَّ الغزاة من قلب السويس، وتمركزوا في ضواحيها. فاستحقَّ هذا اليوم أن يكون عيدًا وطنيًّا للسويس. وصبّت طائرات العدو المسعورة جام حقدها 3 أيام على السويس، فأوقعت 80 شهيدًا. وتوقف القتال فعليًا يوم 28 أكتوبر/تشرين الأول.


حصاد المعركة التلفزيونية

هكذا دأب السادات على وصف الثغرة للتقليل من فداحتها. وبغض النظر عن مبالغات الصهاينة في تقديرها، فإنها – بلاشك – لم تكن عملًا استعراضيًا. فقد أتاحت لهم:

  • حصار الجيش الثالث (45 ألف جندي)، وابتزاز القيادة المصرية – وصل إلى حد الإفراج عن بعض جواسيسهم المحكوم عليهم – مقابل السماح بوصول الإمدادات غير العسكرية له. أفرد الشاذلي لوقائع الحصار فصلًا بمذكراته عنوانه «مأساة الجيش الثالث».

  • الانتقال إلى خانة المبادأة، بعد الأسبوع الأول العصيب عليهم.

  • عودة طيرانهم للفعالية، بعد تحييد نصف حائط الصواريخ تقريبًا.

  • بعد أن رفض السادات اقتراحات السوفييت 8 و 9 أكتوبر/تشرين الأول بوقف القتال، حفاظًا على مكتسبات العبور. عاد منذ 21 أكتوبر/تشرين الأول يستجديهم الضغط على أمريكا وإسرائيل لوقف إطلاق النار، والالتزام به.

  •  الإصرار على عقد مفاوضات فض الاشتباك في الكيلو 101 طريق القاهرة، في إشارة لا تخفى دلالتها.

  • على المدى الطويل، مهدت الثغرة بتقليلها من حجم النصر، للتنازلات السياسية التي تلت الحرب، وصولًا إلى زمن كامب ديفيد، وخروج مصر من الصراع العربي الإسرائيلي. ومن المفارقات، أن السادات الذي رفض المناورة بسحب دبابة واحدة من الشرق لمواجهة الثغرة، وافق على اتفاقية فض الاشتباك الأولى 18-1-1974 التي تنص على سحب كل قواتنا من شرق القناة باستثناء 7 آلاف جندي و 30 دبابة، مقابل انسحاب إسرائيل من الثغرة!