تعرض تاريخ المماليك للتشويه لأسباب مختلفة، وهذا العرض ليس الغرض منه تشويه المماليك بل دراستهم. فالتعرف على أزمات مصر الحالية والحديثة ربما يفيد فيه، معرفة تاريخ المماليك.

لم يعتمد هذا المقال على التحليل بدون ذكر وقائع. بالتأكيد يميل المقال لوجهة نظر معينة ولكن وجهة النظر هذه لديها مصادر لها وجهات نظر أخرى، وهذا سيفيد الباحث كثيرا في معرفة وجهات نظر مختلفة والتوصل لإطار محدد لأفكاره عن المماليك، سيمهد له ولنا الكتابة عن الثورة الفرنسية والدولة الحديثة في مصر، وبالتالي نستطيع التحدث عن أزمات الحركة الوطنية والتنوير وتكون الجيش، بقاعدة تاريخية.

ففهم أزمة مصر وتطور المجتمع بالتأكيد سيحتم علينا معرفة الفترة ما قبل الحديثة والصراعات المجتمعية ونضج المجتمع وتشكل طبقاته، إلخ. وفترة المماليك هي التي سبقت هذا العصر ولذلك فهي هامة في دراستها، خصوصا وأنه قد تم إهمالها واختزالها، في التاريخ الرسمي، بانتصار قطز على التتار ثم مقتله على يد الظاهر بيبرس.


البداية في عين جالوت

ينطلق حكم المماليك في الرواية التاريخية الرسمية من سلطان عظيم هو سيف الدين قطز الذي انتصر نصرًا مؤزرا على جيوش التتار العظيمة. ربما تُستغل هذه الرواية لأغراض الدعاية السياسية سواء من بعض أطراف الإسلام السياسي باعتباره إنقاذا للخلافة الإسلامية، أو من قبل الخطاب الرسمي للتدليل التاريخي على استمرار عظمة جيش مصر (برغم أن المماليك ليسوا مصرين ولا قطز كذلك بالأساس).

ولكن لا بأس؛ فهذه الرواية لأسباب أو لأخرى هي التي تنتشر بين المصريين دائما، فأصبح المتعارف عليه أن سلاطين مثل سيف الدين قطز والظاهر بيبرس وقلاوون هم مماليك عظام؛ ثم بعد ذلك انتشر الفساد بينهم فعم الظلم. ولكن هذه القصة برغم تماسكها إلا أنها تختزل الصورة الحقيقية الكاملة.

لم تشهد مصر استقرارا سياسيا طوال عصر المماليك بسبب طبيعة المماليك أنفسهم ونظام حكمهم الاقتصادي والاجتماعي وبسبب العلاقات والحروب الخارجية

فصورة الانتصار العظيم الذي كُتب باسم قطز، على جيوش التتار العظيمة التي تبلغ مئات الآلاف ليست صادقة تماما.

فموقعة عين جالوت التاريخية جرَت بين المماليك، ومؤخِّرة الجيش المغولي وبقاياه بالشام، الذين كان عددهم ثمانية عشر ألف مقاتل، بعدما كان هولاكو قد عاد إلى بلاده، بجيشه الذي دخل به بغداد وخرَّبها (كان عدد الجيش مائة وعشرين ألف مقاتل).

وقد اضطر هولاكو للعودة، بعدما قطع عليه الإمداداتِ ابنُ عمه الحاكمُ المغولىُّ، زعيمُ القبيلة الذهبية بركة خان عقابًا له على دخول بغداد، وتدميرها على هذا النحو المفجع، تلبيةً للسخائم التى كانت تملأ قلب هولاكو تجاه المسلمين، والتي كانت زوجة هولاكو المسيحية النسطورية طقزخاتون تؤجِّها فى قلب زوجها هذه الكراهية.

أما وصف العلاقة بين المصريين وسلاطين المماليك باعتبارها علاقة عظيمة بين قادة المماليك العظام، فهو وصف غير صادق كذلك؛ فلم تشهد مصر استقرارا سياسيا طوال عصر المماليك، سواء بسبب طبيعة المماليك أنفسهم ونظام حكمهم الاقتصادي والاجتماعي، أو العلاقات والحروب الخارجية.

وسوف نشرح في الفقرات القادمة بشكل أكثر تفصيلا وتوثيقا العلاقة العدائية بين المصرين بأعراقهم المختلفة والمماليك.


الاقتصاد والسياسة في عهد المماليك

كان النظام الاقتصادي في العصر المملوكي قائمًا على مبدأ الدولة الاحتكارية حيث يتركز الاقتصاد في أيدي السلطان: سك العملة والزراعة والصناعة والنقل المائي واحتكار المرافق العامة المنافسة للاسثتمار الفردي في الزراعة والتجارة والصناعة. ولم يكن توسع الحكام المماليك في تملك مرافق الإنتاج بغرض تنمية الاستثمار العام، ولكن كانت تذهب نتائج الاحتكار في نفقات الجيش.

حدث تناقض بين الأغنياء والنظام المملوكي فكلما كانت تخوي الخزائن كان يتم الاستعانة بمصادرة أموال الأغنياء ومصادرة الأموال الموروثة عن طريق ديوان المواريث؛ مما جعل الأغنياء يلجأون لتخزين أموالهم والذهب والفضة في أماكن سرية، ويعزفون عن الاستثمار الزراعي.

وبسبب الانقلابات المستمرة، كانت التنمية تستغل للنهب من قبل السلطان حيث كان السلطان ينهب ما يستطيع نهبه قبل الانقلاب عليه.

وبسبب احتكار الدولة للمواد الخام وأخذها بالمجان، عجزت الصناعة الفردية عن منافسة صناعة السلطان التي كانت تُعفى أيضا من كافة الرسوم والضرائب؛ بل وأحيانا لجأ المماليك لإغلاق المصانع.

يذكر ابن دقماق أنه كان في مدينة الفسطاط 58 مصنعًا لم يبق منها سوى 19 مصنعا، أما المصانع الباقية، 39 مصنعا، تحولت لنشاط آخر أو أغلقت مباشرة من قبل الدولة.

ومن هنا تكوَّن نظام أشبه بالإقطاع الأوروبي مع الاختلاف؛ حيث كانت الدولة تحتكر الصناعات مع منح شبه ملكية أو حق استغلال لأبناء السلطان والمماليك الكبار. يذكر ابن دقماق أنه كان هناك 23 مصنعا للسكر يملكها الأمراء الكبار؛ أما كبار التجار فكانوا يقومون بدور الوسطاء للسلطان. وكانت كلما امتلأت خزائنهم نهبها السلطان مرة أخرى لصالحه.

ولكن كان المماليك الجدد المجلوبون يستولون على تلك الأملاك من المماليك القدامي، وهو الأمر الذي حال دون تكون طبقة أرستقراطية كالتي حدثت في أوروبا.

يقول الدكتور لويس عوض أن نظام المماليك بالإضافة لأنه لم ينضج لدرجة تكون أرستقراطية، كذلك فصل بين المدن والقرى والطبقات المختلفة في نضالاتهم أو مطالبهم ضد المماليك. وربما هذا الانفصال الذي بدأت ملامحه في التشكل في عصر المماليك ما زال حاضرا إلى اليوم.


تعامل المماليك مع الموظفين وعامة الشعب

في هذه الفقرة سيتم الاستعانة بمؤرخي هذا العصر، ونقل فقرات منهم توضح كيف كانت المعاملة، وذلك اعتمادا على كتاب: «المجتمع المصرى في ظل تطبيق الشريعة السنية في عصر السلطان قايتباى: دراسة في كتاب (إنباء الهصر بأنباء العصر) للمؤرخ القاضى ابن الصيرفي».

حيث يقوم الكاتب والباحث أحمد صبحي منصور باستعراض كتاب القاضي ابن الصيرفي، وهو مؤرخ عرف بركاكة لغته نتيجة فقره في صغره. حيث يستمد اسمه ابن الصيرفي من مهنته القديمة ومهنة والده، ولكنه برع في تملق المماليك حتى عيَّنه قايتباي قاضيا، على الرغم من انحياز ابن الصيرفي للماليك وعرضه تاريخهم بإعجاب ولكننا بمخليتنا الحاضرة نستطيع فهم كيف كان يتعامل المماليك مع كبار الموظفين ما بالك بعامة الشعب.

أقيم النظام الاقتصادي في العصر المملوكي على مبدأ الدولة الاحتكارية حيث يتركز الاقتصاد في أيدي السلطان كسك العملة والزراعة والصناعة والنقل المائي

حيث يذكر ابن الصيرفي أنه كان من المعتاد ضرب الموظفين بشدة، وذكر بعض وقائع ذلك الاعتداء؛ حيث يقول أحمد صبحي منصور:

«وهؤلاء المجرمون الكبار كانوا يضربون الموظفين المصريين إذا أرادوا تطبيق القانون. وفي يوم الأحد 30 محرم 875، اشتكى موظفو الجمارك (المكس) للدوادار الكبير، من مماليك الأمير تمر الحاجب لأنهم ضربوا أولئك الموظفين وشجوا رؤوسهم حين طلبوا منهم دفع الجمارك. وتأكد الدوادار من صدق أولئك الموظفين فأرسل للأمير تمر الحاجب يطلب إحضار أولئك المماليك المعتدين فرفض الحاجب.

فما كان من الدودار الكبير إلا أن أرسل إليهم قوة من المماليك ومعهم قضاة فأحضروهم «على أقبح صورة» وضربوهم بالمقارع وأشهروهم في البلد، فتبهدل تمر الحاجب إلى الأرض وقويت شوكة الأمير الداودار».

«وقد حدث نفس الشيء في شهر ربيع ثان سنة 874، فقد وصلت شحنة أغنام من الوجه القبلي للأمير قنصوه فأراد أخذها بدون أن يدفع المكس (الجمارك) ولكن الوزير قاسم أعاق تسليم الغنم إلا بعد دفع الجمارك، فأرسل إليه قنصوه يطلبها فامتنع قاسم، فغضب قنصوه واستعد ليركب إلى الوزير «ليبهدله ويضربه» على حد قول ابن الصيرفي، «فبلغ قاسم ذلك فركب وحضر إليه ليصالحه على شيء» أي ليتفق معه اتفاقا وديًّا، فما كان من الأمير قنصوه الاينالي إلا أن ضرب الوزير ضربا مبرحا مؤلما.

ويقول ابن الصيرفي: «ومع ذلك فلم يطلق له قاسم الغنم وفي النهاية تدخل الداودار الكبير وحصل قنصوه على الغنم».


السارق الأكبر يطبّق قطع اليد والأطراف على الجوعى من العوام

ومن خلال الفقرة القادمة سنعرف من ابن الصيرفي كيف وصل الفقر والظلم في عهد المماليك:

يقول ابن الصيرفي في أحداث أول صفر 874:وفيه رسم السلطان نصره الله يشنق حرامي وهو مستحق لذلك، فإنه سرق فقطعوا يده وأطلقوه فسرق ثانيا فقطعوا أرجله وأطلقوه فسرق ثالثا فرسم فشنق، وقطعت يد صغير سرق وهو غير مكلف.

على الرغم من إعجاب ابن الصيرفي بقوة وبأس السلطان؛ ولكننا نلاحظ أن هناك سارقا بلغ به الفقر أنه فقد ثلاثة من أطرافه وقرر السرقة لسد جوعه بكل تأكيد. وبخيالنا نستطيع توقع ما سرقه هذا اللص الفاقد لثلاثة من أطرافه. فحالة من ليس لديه سوى يد واحدة بالتأكيد لا تسمح له سوى بسرقة رغيف خبز يسد به جوعه.

وهنا نري بوضوح كيف بلغ الفقر وكيف بلغت قسوة المماليك في إيصال رسالة قوية مفادها أنهم بلا شفقة أو رحمة، ويدل أيضا على وجود منظومة كاملة من القضاة والمشايخ الموافقين على هذا الحدث. كذك قطع يد الطفل الصغير فهذا يدل على أي منطقية يفكر بها المماليك.

وفي رأي الدكتور أحمد صبحي منصور أن فترة المماليك لم تكن مستقرة أبدا، وأنها مليئة بالاحتجاجات الكثيفة فيقول في وصف احتجاجت حدثت في عصر الأشرف اينال:

«على أن الشعب المصري لم يعرف الخنوع المطلق أو الاستسلام المستمر للعسف المملوكي. كان المماليك هم القوة الحربية الوحيدة التي يؤيدها جمهور من رجال الدين وعلماء الدين وعلماء السلطة يطبقون الشريعة وفق ما يرتضيه السلطان صاحب النعمة. ولذلك كانت ثورات الشعب المصري في العصر المملوكي مظاهرات صاخبة تحتج على المماليك وعلى المشايخ والقضاة والعلماء معا باعتبار أن القضاة ورجال الدين كانوا جزءًا من السلطة المملوكية الجائرة».

والأمثلة كثيرة نكتفي منها بتلك اللوحة التاريخية الناطقة التي حكاها المؤرخ المملوكي الأصل المصري النشأة أبو المحاسن ابن تغري بردي، يقول:

«اضطرب الناس وأبطل السلطان موكب ربيع الأول من القصر، وجلس بالحوش، ودعا القضاة الأربعة والأمراء والأعيان. ووقف العامة أجمعون في الشارع الأعظم من باب زويلة إلى داخل القلعة، واجتاز بهم قاضي القضاة علم الدين البلقيني وهو طالع إلى القلعة فسلم على بعضهم بباب زويلة فلم يرد عليه أحد السلام، بل انطلقت الألسن بالسب له وتوبيخه من كل جانب لكونه لا يتكلم في مصالح المسلمين.

استمر على هذه الصورة إلى أن طلع إلى القلعة، وقد انفض المجلس بدون طائل ونودي في الحال بعدم معاملة الزغل (أي بعدم التعامل بالعملة المغشوشة التي أصدرها السلطان) فلم يسكن ما بالناس من الرهج ولهجوا بقولهم (السلطام من عكسه -أى من سوء حظه- أبطل نصفه) (أي أبطل العملة الذهبية التى أصدرها) و(إذا كان نصفك إينالي لا تقف على دكاني) (أي إذا كانت العملة التي تتعامل بها من تلك التي أصدرها السلطان اينال المملوكي لا تقف على دكاني). وبعدها في العصر العثماني كان أحفادهم يقولون (ايش من تفليسي يا برديسي….)».

ويستمر المؤرخ أبو المحاسن معلقا على هذه المظاهرة الشعبية وتلك الأمثال الشعبية التي اخترعتها جموع الشعب فيقول:

وأشياء كثيرة من هذا، من غير مراعاة وزن ولا قافية، وانطلقت الألسنة بالوقيعة في السلطان وأرباب الدولة، وخاف السلطان من قيام المماليك الجلبان بالفتنة وأن تساعدهم العامة وجميع الناس فرجع عما كان قصده، وقد أفحش العامة إلى ناظر الخاص ورجموه وكادوا يقتلونه….

وهنا نتأكد أن الاحتجاجات أحيانا كانت قد تأخذ منحنى عنيفا تكاد تصل لدرجة قتل السلطان أحيانا.


الثورات في عهد المماليك

لم يكن عهد الممالك مستقرا منذ بدايته. ربما هو أكثر العهود التي شهدت تمردات وثورات قبل العصر الحديث. ربما نقول أن عصر المماليك هو عصر تفكك الأطر القديمة وأزمة في تشكل الأطر الجديدة التي يجب أن تحل محله.

وكما أسلفنا، تبدو ثورات مصر في عهد المماليك منفصلة عن بعضها. فثورات البدو والفلاحين مرتبطة ببعضهم في أغلب الوقت؛ سواء في شكلٍ تحالفيٍّ أو في شكل صراع ما بينهم؛ وفي نفس الوقت تنفصل عن ثورات الحرافيش (وهم عوام سكان القاهرة) التي قد ترتبط مع ثورات العبيد.

سيتم عرض أمثلة علي تلك الثورات المختلفة ثم التركيز على تجربة بالتفصيل باعتبارها التجربة الثورية الوحيدة في عهد المماليك التي حازت حضورا كبيرا في التراث الشعبي الثقافي، وهي ثورة عرب هوار بقيادة شيخ العرب همام.

ثورات البدو (فساد العربان)

بدأت العلاقة بين البدو والمماليك بنوع من التحالف، حيث كان يفرض على العرب المزارعين ضرائب محددة لا يجوز أن تقل. فبعد أن كانت قبائل البدو المستقرة تعتمد على الزراعة، أصبحت، بسبب ضخامة الضرائب، تزرع الأجزاء اللازمة فقط لتسديد الضرائب، واتجهت إلى تربية المواشي.

وكان البدو يلعبون دور الحارس أحيانا بتكوين ميليشيا وسط القرى، وأحيانا أخرى كان هناك رضا خفي من المماليك عن بعض أنواع النهب وقطع الطرق من البدو، حيث كان يستغل ذلك استغلالا سياسيا لتثبيت حكمهم ومنع التمردات.

بدأ أول خلاف أو تمرد بدوي، أو كما يسمى بفساد العربان، عام 1253 بزعامة حصن الدين بن ثعلب الذي شنق في عهد بيبرس الأول. كان الهدف هو إقامة سلطنة بدوية مستقلة عن سلطة المماليك في مصر، واستطاع بالفعل إقامة سلطة بدوية في الصعيد، ولم يستطع بيبرس استردادها منه سوى بالخديعة.

استمرت هذه الثورة في ذاكرة المماليك طويلا، فبسببها اختار المماليك سلاطين شديدي القوة كبيبرس الثاني وبرقوق والمؤيد، كذلك قرروا عدم الاستعانة بالبدو في أي صراع بينهم. ولم يكتفوا بذلك، بل وصل الأمر إلى قفل باب الترقي في الوظائف العسكرية أمام المماليك المتمصرين (أبناء القدامى)، واصطناع لهجة تركية كنوع من العزلة الثقافية. ولم تنته ثورات العربان، فقد أخذت موجات أخرى صغيرة. وذُكر أن المماليك كانوا دائما يقومون بعمل استعراضات عسكرية لإرهاب البدو.

برغم قوة البدو واستطاعتهم السيطرة على أماكن كبيرة من مصر؛ إلا انهم لم يستطيعوا الدخول للقاهرة بسبب قوة المماليك في استخدام الفرس والمحاربة به، وهو ما لا يستطيعه البدو.

ثورة عرب هوارة

أما الثورة الأهم التي قامت في الصعيد وربما في تاريخ عصر المماليك كله، هي ثورة عرب هوارة بالتحالف مع فلاحي الصعيد، بزعامة شيخ العرب همام الذي استطاع تكوين قوة عسكرية والانفصال بالصعيد من أسيوط للشلال.

وتحدث رفاعة الطهطاوي الذي عاصر هذا الانفصال ووصفه بأنه كان نظام حكم شبه جمهوري بما يوحي أنه كان هناك نظام ما للمجالس النيابية، كما ذكر عديد من الأوربيين تجربة همام بالتجربة الأمثل لقدرة المصرين على التغير الاجتماعي. لم يكن نظام همام جمهوريا بمعنى ديموقراطي، ولكنه نظام قائم على مؤسسات ما نيابية وقضائية وقائم بطرق شبه حديثة وليس بالتوريث.

استمرت تجربة همام لفترة ولكنها بعد مكائد وخدع وضغوطات كثيرة انهارت. وبقيت في تاريخ المصرين كنوع من السيرة الشعبية.

الثورة في الريف والمدن

لم يكن عهد الممالك مستقرا منذ بدايته فهو أكثر العهود التي شهدت تمردات وثورات قبل العصر الحديث كثورات البدو وثورة عرب هوارة

كانت الضرائب تُفرض عينيًّا في أغلب المناطق خصوصا على الوجه القبلي، وكانت تنقل الغلال بالكامل للقاهرة في مخزن الغلال في بولاق، وهذا أدى إلى أن الفلاحين حين كانوا يريدون الخبز يذهبون للمدن.

أما في لحظات المجاعات فكانت تحدث عمليات هجرة جماعية للقاهرة، وهذا أدىَّ مع الوقت لتمردات فلاحية كثيرة تأخذ طابع الاستيلاء على مخازن الغلال والحبوب الخاصة بالمماليك ونهبها، بل وأحيانا تجويع المدن عن طريق عدم نقل الغلال لهم. بهذه الطريقة كان الفلاحون يفرضون شروطهم على المماليك.

وحتى في المدن، فنتيجة لانخفاض عدد الحرفيين والأسطوات، ازداد الفقراء بالتدريج. ومن أمثلة ثورات الحرافيش ثورة 1449، والتي ضرب فيها الحرافيش القاضي أبو الخير الذي قال للسلطان إن من معه مال ليشتري الحشيش والحلوى لن يعز عليه شراء الخبز مهما غلا ثمنه.

ربما نهاية عصر المماليك معقدة، معها بدأ العصر الحديث مع تعقيداته وتناقضاته في مصر. ولكن تلك التعقيدات والتناقضات بدأت في العصر المملوكي، والاختفاء والتشوه التام للطبقة الوسطي في مصر بسبب التجريف التام لها من المماليك.

في النهاية لم يكن هذا المقال من قبيل الحكم على المماليك بعكس الشائع، بمعنى أن النمط المنتشر أن المماليك جيدون فيأتي آخر ويقول أنهم لعنة في تاريخ مصر، ليس هذا هدفنا حتى وإن ظهر ذلك للبعض؛ بل الهدف دراسة قدسية المماليك ومعاركهم، والعلاقة بينهم وبين الشعب التي تختلف لسبب أو لآخر. كذلك درجة التنوعيات التي حدثت في المجتمع.

فسلطة مماليك مشتتتة غير قادرة على السيطرة علي القطر المصري. هذا أنتج دولة ضعيفة المؤسسات، ونتيجة الضعف والفساد ولدت هذه الصراعات وهذه التمردات على الأطراف في الصعيد من البدو، أو موجات الغضب من العوام.

ظهرت الحركة المتصوفة والمشايخ والاعيان في نهايات عصر المماليك بقوة كسلطة موازية لسلطة المماليك، بل وأصبح لهم مريدون مقيمون يٌستغلون أحيانا. ذلك المشهد طبيعي للفراغ الذي تسبب فيه ضعف المماليك. في نهاية الأمر تكونت سلطات موازية وقيادات قادرة على الحلول محل الماليك، كما حدث في أوروبا، ولكنها لأسباب مختلفة لم ترد ذلك وهنا تبدأ احد أزمات تشكل مصر الحديثة.