الأرقام لا تكذب. هذه حقيقة نعرفها جميعًا، وما تخبرُنا به الأرقام بخصوص الأمراض النفسية يثير الرعب ويذهب بالعقل. سنضرب المثل بالاكتئاب، والذي لا نُبالغ إن وصفناه بمرض العصر، إذ تُقدِّر منظمة الصحة العالمية أن هناك على الأقل أكثر من 260 مليونًا من البشر يعانون منه حولَ العالم، وأن حوالي 800 ألف إنسان يفقدون حياتهم بالانتحار – والذي يعد أخطر مضاعفات الاكتئاب – سنويًّا. أمَّا مرض الفصام أو السكيزوفرينيا، أخطر الأمراض النفسية المُذهِبة للعقل وللبصيرة، فهو يعصف – وفقًا لمنظمة الصحة – بأكثر من 20 مليون إنسان حولَ العالم.

إذًا فنحنُ في زمنٍ أصبح فيه الاكتئابُ واضطرابات القلق وغيرهما من الأمراض النفسية وباءً عالميًّا، ولذلك فلم يعُد الحصول على حدٍّ أدنى من المعلومات الطبية الصحيحة عن تلك الأمراض وعلاجاتها من باب الرفاهية أو الترف العقلي، إنما واجبٌ لا ينبغي التقصير فيه.

وفي العقود الماضية حدثت طفرةٌ هائلة في مجالِ الطب النفسي في فهم العديد من جوانب الأمراض النفسية المختلفة، وتُوِّجَت بظهور العشرات من الأدوية النفسية ومضادات الاكتئاب، التي أسهمت في إعادة الملايين من  البشر إلى الحياة بالمعنييْن الحقيقي والمجازي. لكن للأسف يواجهُنا العديد من الأفكار الخاطئة الشائعة حول تلك الأدوية، والتي يمكن اعتبارها دون مبالغة أفكارًا قاتلة تحتاج لإعلان حربٍ ضارية للقضاء عليها.

اقرأ: انتحار المكتئب: المسئولية في الدين والطب.

في نقاطٍ سريعة، سنستعرض أشهر الخرافات السائدة حول الأدوية النفسية عمومًا، والرد العلمي الموجز على كلٍّ منها.

1. التشكيك الزائف في قدراتها/المبالغة في تقدير فاعليتها

رغم مرور عشرات السنين على ظهور الأدوية النفسية، وتكاثف إنتاجها وتعاطيها في السنوات الأخيرة، فإن الكثيرين ما يزالون حائرين بين طرفي نقيضٍ في الحكم عليها، بين مُشككين فيها يرونها مفيدة بالأساس لشركات الأدوية المنتجة لها، وآخرين يرفعون سقف التوقعات إزاءها إلى عنان السماء. وما تراكم لديْنا على مدى عشرات السنين يدحض كلا التطرُّفيْن.

والحقيقة التي تدعمها الأدلة والمشاهدات الواقعية من المختصِّين، أنَّ الأدوية النفسية على اختلاف مجموعاتها، مثلها مثل غيرها من الأدوية، تختلف قوة تأثيرها العلاجي ونجاحه على حسب جودة التشخيص، ومناسبة الدواء لحالة المريض، ومدى التزام المريض، وكذلك شدة المرض، ومدى توافر العوامل المساعدة في إنجاح العلاج مثل تعاون الأسرة، والعلاجات الداعمة كالعلاج النفسي السلوكي… إلخ.

اقرأ: كيف تتعامل مع صديق تبدو عليه أعراض مرض الاكتئاب؟

2. الإدمان

تتشابه بعض جوانب الأدوية النفسية مع العقاقير المخدرة، مثل أن بعض الحالات يضطر معها الطبيب إلى رفع تركيز الدواء بعد فترة، أو أن التوقف المفاجئ عن تعاطيها قد يسبب تدهور الحالة… إلخ. لكن لا يعني هذا على الإطلاق أن الأدوية النفسية تُسبِّب الإدمان.

فتصاعدُ الجرعة في بعض الأوقات يكون متناسبًا من شدة الحالة وحاجتها للمزيد من الدواء، وليس بسبب ظاهرة التعود الإدمانية التي تسببها المخدرات. والتوقف المفاجئ يسبب تدهور الحالة وعودتها إلى المربع صفر، لعدم  اكتمال علاج المرض، وليس لأن تلك أعراضٌ انسحابية.

3. أنت تأخذ دواءً نفسيًّا… إذًا أنتَ مجنون

بالرغم من اختفاء هذا المنظور تدريجيًّا بمرور الوقت، وزيادة الوعي، وانتشار اللجوء للطب النفسي، وبالتالي زوال الوصمة الاجتماعية للمرض النفسي تدريجيًّا، فإنَّ تلك النغمة ما تزال موجودة في بعض الأوساط، بل قد تكون اعتقادًا خاطئًا ضاغطًا على المريض النفسي في أعماق نفسه، ويُشعرُه بالانكسار النفسي.

إذا عرَّفنا المجنون بأنه منْ فَقَدَ بصيرته، واختلطت عليه الأمور، وانفصل عن الواقع، فمعظم الأمراض النفسية الشائعة كالاكتئاب والقلق والرهاب الاجتماعي… إلخ لا تفعل هذا، بل قد يكون سببها هو تضخم الوعي بالمحيط وما فيه. بينما يمكن للفصام النفسي -السكيزوفرينيا- أن يكون هو الأقرب إلى هذا الوصف، لا سيَّما في الحالات المتأخرة.

يحدث اللبس لأنه أحيانًا ما يصف بعض الأطباء النفسيين الأدويةَ النفسية غير النمطية atypical anti-psychotics التي تعالج السكيزوفرينيا، لدعم وتسريع علاج بعض الأمراض النفسية الأخرى التي لا تُفقد البصيرة مثل الاكتئاب والوسواس القهري… إلخ وهي حالات أكثر شيوعًا بكثير من السكيزوفرينيا.

إذًا فليس كل من يتعاطى دواءً نفسيًّا هو فاقدًا للبصيرة وعلى حافة الجنون.

4. من يتعاطاها سيضطر إلى المداومة عليها إلى الأبد

ليس هذا صحيحًا، إذ في معظم الحالات يمكن التوقف التدريجي تحت إشراف الطبيب عن تعاطي الأدوية النفسية بعد مرور فترةٍ كافية -3 إلى 6 أشهر- من تحسن الأعراض، وقطع أشواطٍ جيدة في العلاجات غير الدوائية كالعلاج النفسي السلوكي، وتعديل البيئة الاجتماعية… إلخ.

5. تلك الأدوية تُعالج الأعراض ولا تصلُ إلى جذر المشكلة

الأدوية النفسية، ولا سيَّما مضادات الاكتئاب، تساهمُ في علاج العرض والمرض معًا، وإن كان بالطبع الأثر الأسرع لها هو السيطرة على أعراض المزاج السيئ، ما يصاحبه من قصف الأفكار السلبية وجلد الذات، بينما العلاج الجذري يتأخر قليلًا ويحتاج إلى تضافر الوسائل العلاجية الأخرى كجلسات العلاج النفسي غير الدوائي psychotherapy وخلق بيئة أسرية واجتماعية أكثر صحية.

ولا يُمكن الاستهانة بأثر السيطرة على الأعراض في القضاء على المرض نفسه، فبعض الحالات الشديدة من الاكتئاب على سبيل المثال تكون الأفكار السلبية والإحباطية قد هيمنت على ذهنها بالكامل، وجعلت طاقتها على الفعل مستنزفة للغاية، وبالتالي يكون من العسير عليها أخذ خطواتٍ إيجابية في حياتها لكسر حلقة الاكتئاب المفرغة الجهنمية، وهنا يأتي دور مضاد الاكتئاب -بناءً على وصف الطبيب بالطبع- فيسيطر  ولو جزئيًّا على تلك الأعراض، فيصبح الشخص أكثر قدرة على العودة إلى عمله وأنشطته اليومية، وبالتالي امتلاك زمام المبادرة في إخراج نفسه من حالة الاكتئاب.

اقرأ: الصدمات الكهربية: علاجُ طبيٌّ أم تعذيب كما في الدراما؟

6. آثار جانبية تزيد المريض مرضًا 

يكاد لا يخلو دواءٌ فعال في أي مجالٍ من آثارٍ جانبية غير مرغوب فيها، لكنها تتصاغر على الميزان أمام الفوائد العلاجية المرجوة. والعلاجات النفسية ومضادات الاكتئاب لها العديد من الآثار الجانبية مثل زيادة الوزن واضطرابات الجهاز الهضمي وبعض الاختلالات في الإثارة الجنسية والوصول للذروة -الأورجازم- وبعض الاضطرابات المزاجية… إلخ. لكن لحسن الحظ فإنَّ أكثر تلك الأعراض مؤقتة، وكذلك لا يُشترَط حدوثها للجميع، كما تتفاوت شدتها من شخصٍ لآخر. ولحسن الحظ لدينا العديد من المواد الفعالة المتفاوتة في تلك الآثار الجانبية، ويمكن للطبيب النفسي مع المتابعة أن يصل للدواء الأنسب والأقل في آثاره الجانبية بالنسبة لكل مريض.

على سبيل المثال، بالنسبة للاضطرابات الجنسية المصاحبة لتعاطي مجموعة  مضادات إعادة امتصاص السيروتونين SSRIs، أشهر مضادات الاكتئاب، فإنك تلك الاضطرابات تظل أقل بكثير من الاضطراب الجنسي الذي يسببه مرض الاكتئاب نفسه، ولذا يشعر الكثير من متعاطيها بتحسن العلاقة الجنسية نتيجة تحسن المرض نفسه. وتتفاوت أفراد تلك المجموعة الدوائية في هذا الأثر السلبي، ويمكن للطبيب اختيار الأنسب منها طبقًا لحالة كل مريض.

7. مضادات الاكتئاب تُسبِّب الانتحار

الانتحار هو أخطر مضاعفات مرض الاكتئاب، وكان الهدف الأسمى من ابتكار مضادات الاكتئاب هو حفظ حياة الملايين من مرضى الاكتئاب المعرضين لخطر الانتحار. لكن كان من الغريب أنه بالفعل أظهرت نتائج بعض الدراسات أن تعاطي مضادات الاكتئاب قد يُسبِّب زيادة طفيفةً في الميل إلى الانتحار لدى المراهقين والشباب. لكن في المقابل لدينا دراسات أخرى كبيرة تؤكد على الأثر الإيجابي للاستخدام الواسع لمضادات الاكتئاب في تقليل نسب الانتحار عن طريق السيطرة على الاكتئاب، لا سيَّما بين السيدات.

إذًا فلا يصح وصم مضادات الاكتئاب مطلقًا بهذا الاتهام الخطير، وفي كل الأحوال يجب تعاطي الأدوية النفسية عمومًا، ومضادات الاكتئاب خصوصًا، تحت الإشراف المباشر لطبيبٍ نفسي حاذق، مع ضرورة الاستشارة الفورية له في حالة ظهور أي أفكار انتحارية.

8. اللجوء إليها يُعبِّر عن خللٍ إيماني

https://www.youtube.com/watch?v=reP88wV0h1w

يمثلُ هذا المفهوم ضغطًا إضافيًّا كبيرًا على الكثير ممن يعانون من الاضطرابات النفسية، ويسبب تدهور الكثير من الحالات، لا سيَّما بين المتدينين. وبالرغم من أن الرؤية الدينية التقليدية قد تُرجِع الكثير من التقلبات النفسية والمزاجية والاضطرابات التي يعاني منها الناس إلى ثغراتٍ في التدين وفي العلاقة بالله، فإنَّه أيضًا من المفاهيم البدهية في الدين الإسلامي أن التداوي من الأمراض عمومًا -ومنها النفسية بالطبع- يتدرج بين الإباحة والوجوب.

إذًا فتعاطي الأدوية النفسية بمختلف أنواعها، بناءً على استشارة الطبيب النفسي المُختص، وتشخيصه للحالة بأحد الأمراض النفسية المعروفة، هو تطبيقٌ إيماني، وليس خللًا على الإطلاق. والقاعدة الشرعية تقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والسلامة النفسية واجبة بلا شك.