نعم، ما زلنا نحاول الاستمتاع بتلك اللعبة، ما زلنا في مرحلة الإنكار، أو بالأحرى التجاهل. نجلس كل عام أمام الشاشات منتظرين حفل جوائز الفيفا للأفضل في العالم. لم تعد الاختيارات منطقية والأمر أصبح مريبًا. ماذا نفعل؟ سنتسابق في التعليقات والردود لنثبت أن هذا أفضل من ذاك، وأن الرعاة والأموال ليس لهم دخل في لعبتنا، ويا ليت الأمر يقف عند هذا الحد.

تنص القواعد على عدم توجيه أي رسائل سياسية داخل الملعب، لا من اللاعبين ولا الجماهير، لكن من قال إننا بحاجة لتوجيه الرسائل من داخل الملعب؟ الأمور في طريقها للخروج عن السيطرة، إن لم تكن خرجت بالفعل. اللعبة لم تعد نقية كما كانت أو أن الأمر ازداد سوءًا عما مضى.

أصبحت كرة القدم تُستغل في أغراض أخرى، ومن دون أن نشعر انطلت علينا الخدعة. الأمر طالنا نحن المشجعين. عليك أن تنحاز لفريقك دائمًا وأبدًا، لأنه لا مبادئ في التشجيع كما يقولون، لكن دون أن تدري قد تجد نفسك متخليًا عن مبادئ أخرى، أو تخليت عن عقلك بأكمله، لأن كرة القدم أصبح لها أبعاد أخرى، لم ندركها جميعًا بعد.


العميل 007

شاب إنجليزي في الـ31 من عمره، كان متواجدًا بدولة الإمارات لأغراض بحثية. وبينما هو في طريقه للمغادرة من مطار دبي، تم القبض عليه. وجد نفسه خلف القضبان، وزوجته بجواره عاجزة لا تملك إلا الدعاء.

خلال ستة أسابيع تم استجوابه دون حضور محامٍ أو مندوب من القنصلية الإنجليزية. أجبروه على التوقيع على أوراق باللغة العربية وهو لا يفهمها، وتبين فيما بعد أنه قد وقع على اعتراف بالتهم الموجهة إليه. تقول أسرة الشاب إنه قضى نحو ستة أشهر في الحبس الانفرادي، مما أثر عليه نفسيًا وذهنيًا، ثم انتهى به المطاف إلى جلسة محاكمة استغرقت خمس دقائق فقط، ومن دون محامٍ حُكم على الشاب بالسجن مدى الحياة.

الشاب يدعى «ماثيو هيدجيس»، وهو طالب بـ«جامعة دور» بإنجلترا وقد اختار القدوم إلى الإمارات ليقوم ببعض الأبحاث ضمن رسالة الدكتوراه خاصته. كان يجمع معلومات عن سياساتها الأمنية في الداخل والخارج، وعن حرب اليمن أيضًا. ووفقًا لأقوال عائلته فإنه كان يملك كافة التصاريح لذلك.

اختار «ماثيو» الإمارات تحديدًا لأنه قضى فيها جزءًا من طفولته، وما زال والده يعيش بها، ومن هنا كانت الصدمة أكبر. وشى به أحد الإماراتيين بدعوى طرح أسئلة حساسة عن أقسام حساسة، فتم منعه من مغادرة البلاد وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة بتهمة التجسس.

ازداد الأمر غرابة بوقوف بعض الأصوات داخل إنجلترا على الحياد، بل إنهم لم يشككوا في القضاء الإماراتي.رصد «بارني روناي» الكاتب الرياضي بصحيفة الجارديان الإنجليزية ردود الأفعال تلك، حيث قال إن هؤلاء من مشجعي مانشستر سيتي!

النادي المملوك من قبل العائلة الحاكمة لدولة الإمارات ممثلة في «الشيخ منصور بن زايد» استطاع أن يؤثر على عقول البعض. ثلاثة ألقاب للدوري، واستثمارات وصلت إلى اثنين بليون جنيه إسترليني على مدار تسع سنوات كانت كافية لكي يتخذوا موقف الحياد غير المتوقع في قضية كتلك! سمى «بارني» هذا المشهد باسم «Sports-washing».

تعتبر منظمة العفو الدولية تلك الاستثمارات محاولة جريئة من دولة الإمارات لتجميل صورتها الملطخة فيما يخص حقوق الإنسان، لكن في النهاية يبدو أنهم نجحوا في التأثير على البعض، وجعلهم يتناسون مبادئهم وهذا هو التأثير الأسوأ لكرة القدم حاليًا.

تلك الازدواجية التي تجعلك راضيًا عن الفوز بهدف غير شرعي، وساخطًا على الخسارة بمثله – لم تعد تكفي. بل تطورت حتى وصلت بالبعض لتجاهل حقوق الإنسان لمجرد التأثر بصورة النادي الذي يشجعه وهذا غير مقبول بالطبع. لكن ماذا لو كان الضرر قد وقع عليك وتجاهلته بسبب فريقك؟ لنعد إلى مونديال روسيا لنعرف ما حدث.


روسيا والقمع الناعم

تستعد البلاد لاستقبال ما يقارب المليون شخص، وسيشاهد الحدث ما يقارب الثلاثة بليون مشاهد حول العالم. لن يجد «بوتين» فرصة أفضل من هذه لمحاولة طمس سمعة بلاده السيئة، حتى إنه قال في أحد اللقاءات:

كأنه يعلم ما فعله سلفًا في سمعة بلاده باستخدام السياسة، لذلك أراد أن يغير تلك الصورة. وصل الهوس بالروس إلى التدرب على الابتسام في وجه الوفود، وذلك على عكس عادتهم.

الأمور سارت جيدًا وبالصدفة أعلنت الحكومة الروسية عن رفع ضريبة القيمة المضافة إلى 20%، والموافقة على مشروع لرفع سن التقاعد حتى 63 سنة للنساء، و65 سنة للرجال – في اليوم الافتتاحي لكأس العالم. كانت البطولة غطاءً مثاليًا. حاول المعارضون تنظيم وقفات احتجاجية لكن لم يُسمح لهم بتنظيمها في أيٍ من المدن المستضيفة، لم ولن يسمعهم أحد. ثم زاد المنتخب الروسي الطين بلة بتجاوز دور الستة عشر بعد الفوز على منتخب إسبانيا. احتفل الروس بذلك الإنجاز، وكان هذا إلهاءً أكبر، نال ترحيب الحكومة الروسية.

لا حاجة لذكر أن عدد المحتفلين تجاوز عدد المعارضين، رغم أنهم مواطنون في نفس الدولة ويخضعون لنفس القوانين، والضرر سيقع عليهم جميعًا. ومع ذلك ساهم بعضهم في التغطية على عملية تمرير القرار. أخذت السياسة تتمكن شيئًا فشيئًا من كرة القدم، لكن ماذا لو كان الإعلام الرياضي هو من سعى خلف ذلك؟


مُمنهَج أم مجرد مجاملة؟

ستتمكنون من التعرف على روسيا. بلد فريد، يمتلك تاريخًا طويلاً وثقافة غنية. ستجدونها ليست سيئة، ليست سيئة على الإطلاق.

لطالما كان الإعلام هو اللاعب الأهم في الرياضة والسياسية، ولديه القدرة على الخلط بينهما دون أن تشعر. لكن ما الداعي لأن يصبح الأمر ممنهجًا؟ في عام 2011 بدأت شبكة قنوات «ESPN» في فقدان متابعيها،بمعدل وصل إلى خسارة 2 مليون مشترك في السنة. يعزي البعض سبب ذلك إلى وجود البدائل الإلكترونية المتاحة، والتي تتيح لك متابعة نتائج وأحداث المباريات بدون تكلفة.

لكن البعض الآخر رأى أن المحتوى الذي تقدمه ال «ESPN» هو المشكلة. حاولت الشبكة جذب شريحة أخرى من المشاهدين لتعويض خسائرها، وقررت تقديم محتوى رياضي سياسي. وبما أن شبكة القنوات الأمريكية تعتبر أحد رواد المجال، تبعها الآخرون. فأصبح المتابع الأمريكي الذي يتصفح أخبار الرياضة على «Yahoo» مثلاًيجد آراء اللاعبين في الرئيس بجانب رأيهم عن أدائهم في الملعب.

في فترة الانتخابات الرئاسية الأخيرة بالولايات المتحدة الأمريكية، وضعت شبكة «ESPN»إعلانًا للسخرية من «دونالد ترامب»، حيث شبهته بأحد لاعبي دوري الفانتازي الشهير الذي يتحدث طوال الأسبوع عن فريقه، وفي النهاية ينسى تعديل تشكيلته.

وصل الحال هناك لإجراء إحصائية عن عدد الصحفيين الرياضيين الذين شاركوا بالانتخابات، وعن اختيارهم لمرشحهم. حسب موقع «TheBigLead» فإن 80% منهم قد صوتوا لصالح «هيلاري كلينتون»، وأقل من 4% صوتوا لصالح «دونالد ترامب»، وهؤلاء لم يُفصَح عنهم حتى لا يفقدوا وظائفهم، أو على الأقل احترام زملائهم لهم.

بعد كل هذا هل يمكنك الفصل بين الرياضة والسياسة؟

الأمر أصبح واقعًا والحُجة جاهزة. فالرياضيون مثلهم مثل غيرهم، ويحق لهم إبداء الرأي في جوانب أخرى غير ركل الكرة، والوقوف في وجه الشر هو بحد ذاته فعل سياسي. لكن الأمر ليس بهذه البساطة لأن المشاركة السياسية ليست بريئة إلى هذا الحد، وكلما تدنى المستوى الثقافي للمتلقي ازداد تدني المشاركين، حتى وصلنا إلى تهنئة الرئيس بعد كل بطولة، والحديث عن أمن البلاد المستتب بعد هدف في مرمى البرتغال مثلاً.

لا مفر من مواجهة الوجه القبيح لكرة القدم؛ ما بين التعصب والإيذاء، وما بين الغطاء السياسي لتنظيف السمعة وتمرير القرارات. لم يعد بإمكان أحد الفصل بينهما. العالم لم يعد مثاليًا ليمنحنا رياضة خالية من الشوائب، والاكتفاء بالملعب وطرق اللعب والتكتيك ليست سطحية، لكن على الأقل عليك أن تدرك أن الصورة تزداد قتامة بمرور الوقت، ولكي تنجو عليك أن تحافظ على مبادئك.