حدثت هذه القصة في أواخر العهد بهذه المهنة، وكانت يومئذٍ في طريقها والذهاب والتلاشي من الذاكرة، مهنة الحانوتي.

الحاج عيّاش عبد الموجود.

هو حانوتي هذه المنطقة الشعبية، والمتعهد الرسمي بتسلم الأموات من ذويهم، وتسليمهم إلى مثواهم الأخير. هو ممسكٌ ومتشبثٌ بكل ما أوتي من قوةٍ، وبسنوات عمره المديدة بهذه المهنة، التي ورثها عن آبائه، وأصبح الآن لا يعتبرها مهنة، بل مهمة مُكلف بها ورسالة، ودائماً ما يقول:

طالما يوجدُ خلقٌ جديد، وحياةٌ وأرواح في الأجساد، فلا بد أي يعقُب هذا موتٌ ومغادرةٌ للدنيا… إذاً… فأنا من يأخذ بهم من هنا إلى هناك، وأنا صاحب اللمسة الأخيرة لهذه الأبدان، التي ستغادر تلك الحياة، وأنا آخر من ينظر إلى هذه الوجوه، المسفرة منها والضاحكة والمستبشرة، وكذا الوجوه المسودة، التي عليها غبرة وبها كدرة، وكلها سيواريها التراب بعد.

الحاج عيّاش هو صاحب أقدم محل في هذا الحي الشعبي العريق العتيق، مُتخصص في هذا المجال، تغسيل وتكفين الموتى، ونقلهم بسيارته القديمة إلى مثواهم الأخير، لمن أراد من أهل الميت نقله بها، هي سيارة يمتلكها للقيام بهذا العمل، قديمة وعتيقة كالمكان وصاحبه، وهي إذ تسير على الطريق بلونها الأسود المميز، والتي يُقبضُ الناسُ لرؤيتها، فإنما تسير وحدها بلا شبيه ولا مثيل، كلُ أخواتها من السيارات في نفس عمرها، ومن نفس طرازها، تم صهرها وإذابتها منذ زمنٍ بعيد في مصانع الحديد، وتحويل هياكلها الحديدية إلى مصنوعات أخرى.

الحاج عيّاش هو يحتفظ بها احتفاظاً، وقد منع عنها وحال بينها وبين هذا المصير شديد العذاب، لحبه الكبير لها، ولغرامه وهيامه بها منذ أن اقتناها.

وكذلك هو متعهد إقامة سرادقات العزاء، الكبيرة الفخمة للأغنياء كانت، أو صغيرة للبسطاء والفقراء.

يجلس الحاج عياش في محله، ممسكاً بيده سبحة طويلة، لا يتوقف لسانه عن التسبيح بها والذكر أبداً، يرتدي ملابس العصر الذي يعيشه، بعد أن تخلى عن ملابس مهنته التقليدية، التي كانت في الماضي هي الدالة على عمله، وذلك بعد أن نصحه أولاده بذلك.

جوانب المحل من حوله، كلها «فاترينات» زجاجية، تحوي أقمشة بيضاء، هي أكفان الموتى، والملبس الأخير لهم، لمن كان في عجلة من أمره، وأراد أن يشتري منه، ومعها يوجد فناجين القهوة، ومستلزمات سهرات العزاء.

الراديو الخشبي الضخم، صديقه الصدوق، المقربُ إلى قلبه، وضعه على رفٍ عالٍ بالمحل، مؤشره لا يتحرك عن محطة القرآن الكريم، مُغرمٌ وعاشقٌ لصوت المقرئ محمود خليل الحصري.

ذات يومٍ من الأيام، وهو جالسٌ مكانه يستمع منه لسورة الرحمن، إذ تقترب من المحل امرأةٌ، توشّحت بالسواد، وقد احمر أنفها، وتورّمت عيناها من كثرة البكاء، وهي ما زالت تبكي وتنتحب، وتحاول أن تتماسك.

دخلت عليه محله، يعتصرها الألم، وبصوتٍ غلبه الضعفُ والحزنُ:

– السلام عليكم يا عم الحاج.

= وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، خير إن شاء الله يا ابنتي.

هو يعلم أن الداخل إليه، طالما أتاه فما مسّه من خير أبداً، بل لابد أنه بلاء أو مصيبة، قد أُصيب بها، ولكنه مضطرٌ أن ينطق بهذه الجملة «خير إن شاء الله».

فأجابته، وقد ازداد ما بها:

– ليس خيراً يا عم الحاج، جارتي المسكينة، صغيرها توفاه الله، والأسرة المصابة منهارة، وقد انتابتها حالة من الذهول وذهاب العقل، وعدم القدرة على استيعاب ولا فهم ما جرى لهم، ونريدك لترى وتنظر في الأمر، والعمل على تجهيز المتوفى، وإكرامه ودفنه.

= إنا لله وإنا إليه راجعون، البقاء لله، حاضر يا بنيتي، اذهبي وسوف أحضر وراءكِ حالاً.

ذهبت المرأة وانصرفت، بعد أن وصفت له المكان.

ونادى الحاج عياش على من يحلّ مكانه في المحل، وذهب هو لتجهيز الميت.

دخل الرجلُ البيتَ، فوجده وقد عجّ بالأهل وهم كُثر، وأيضاً الجيران، وما به موضع قدم لأحد، والحزنُ يُهيّمنُ على الجميع ويسيطرُ، وحالةٌ من الفزع والجزع قد مسّت الأبوين، الأبُ عيناه وقد جفت، وقد أوشكت أن تكون بيضاء، وما حبسه في نفسه من الحزن منعه البكاء، ومنعه أن يُخفِّف الكمدَ داخله، فأوشك على الانفجار، أما الأمُ، فقد ذهبت إلى دنيا غير التي نحنُ فيها، فما تدري ما يدور حولها، ولا ترى ولا تسمع من أحد.

أحد الحاضرين أخذ بيد الرجل، وتوجه به إلى حيث الحجرة، التي يرقد فيها جثمان الطفل المتوفى.

يرفعُ الحاج عياش الغطاء عن الميتِ، وهو يردد:

– إنا لله وإنا إليه راجعون، كلُ نفسٍ ذائقة الموت.

وما أن وقعت عيناه على وجهه، حتى انتابته حالة من الاستغراب والدهشة، فاقترب بوجهه منه أكثر، فازدادت دهشته، مد إليه يده يتحسس وجهه ويتفحصه، وفتح عينيه ونظر فيهما، نظرة العارف العالم بما يفعل، تساعده كلُ سنوات عمره المديدة، بما فيها من تجارب كثيرة وخبرات عديدة.

وكان الرجل كلما عمل عملاً، تيقن به من شيء ما.

حتى وقف مندهشاً مشدوهاً، وأخذته سكرةٌ للحظات، وبصوتٍ خفيت، سمعه فقط من بجواره:

– سبحان الله، سبحان الله، يا إلهي، لا إله إلا الله!

فانتبه من بجواره:

= ماذا يا عم حاج، ماذا رأيت؟

فيعاجله الحاج عيّاش:

– هل استدعيتم من يكشف علي الطفل، وقد أقرّ بوفاته وأكده لكم؟

= نعم، نعم، طبيب الصحة الذي يعمل بالمركز الطبي الذي بجوارنا، والتابع لوزارة الصحة، كشف عليه وأقر بوفاته، وكتب عن سبب وفاته، وأعطانا تصريح دفنه، وها هو تصريح الدفن.

يمسك الحاج عيّاش بالتصريح، ويقرؤه على عجل.

فيجد الحاج عياش أن كلام الرجل صحيح، فيطوي التصريح ويضعه في جيبه، ثم يصرخ فيهم، ويقذف على أسماعهم قنبلة من العيار الثقيل!

– الولد ما زال حياً يُرزق، الولد ما زال حياً، الولد على قيد الحياة وما مات وما فارقته الروحُ، حسبنا الله ونعم الوكيل!

وتنفجر هذه القنبلة في البيت انفجاراً!

فتصيبُ كل من بالمكان بالدوار، وبحالةٍ لا يعرف أحدهم ما هي بالضبط، فينقلب البيتُ رأساً على عقب، ويصبح الهرج والمرج هو سيد الموقف، فالحضورُ تباينت أحوالهم، منهم من أخذته حالة من عدم الاستيعاب والفهم، ومنهم من أخذته حالة من عدم التصديق، وقليلٌ منهم من هلل.

= الله أكبر الله أكبر، يُحيي العظام وهي رميم.

فيجيبه آخر:

= ماذا تقول؟ وأي عظام تتكلم عنها يا هذا؟ عظام المتوفى لم تصبح برميمٍ بعد.

ويتكلم آخر:

= إنها معجزة، إنها معجزة، هذا الصبي غير عادي.

ويصيح أحدهم في الناس:

= من فضلكم الهدوء التام، حتى يتمكن الرجل من القيام بعمله.

فيكسو المكانَ السكونُ والسكوتُ التام، حتى أنه لتُسمعُ أصواتُ أنفاس الناس فقط، إلا من يبتهل ويدعو الله:

= يا رب… يا رب.

ويأخذ الحاج عيّاش بكل قوة وجدية، في العمل على إفاقة الطفل، وإعادته مرة أخرى.

فلما شقّ عليه الأمرُ، أراد أن يستعين بمن يعينه ويساعده، فيطلب من الحضور تليفون المنزل، فيأتونه به مسرعين.

يطلب ابنه الطبيب، وما هي إلا دقائق معدودات، حتى أتاه، وتولى الأمر مع أبيه.

وأصبح الطبيبُ وأبوه الحاج عيّاش يعملان، لتعود الحياةُ إلى الولد، وإلى الأبوين المنهارين! والحضور في حالة ترقبٍ وقلق! وما زالت لا تنطق ألسنتهم إلا بالدعاء واستجداء المعجزة من الله! وبعد وقتٍ ليس بالقليل، يفيق الطفل، ويعودُ من حيثُ ذهب!

إنه يتنفس، نعم، إنه يتنفس، إنه ينظر إلى من حوله ويتلفت إليهم!

حدثت المعجزة!

ينقلب السكوتُ والسكونُ إلى صياح وضجيج، وهتافات:

= الله أكبر… الله أكبر.

بعدها!

كانت الزغاريد!

ويغادر الحاج عيّاش وابنه البيت، وتركه وأهله كما هو، من غير أن ينقص منه أحداً!

الأسرة كاملة العدد!

ويخرج مغادراً إلى دكانه، ومعه تصريحاً بالدفن.

ولكن ليس للصبى!

في اليوم التالي.

الأبوان اللذان قد عادا بالأمس الى الحياة، بعد ما سبقهما ابنهما إليها، ما يمشيان على الأرض، ولكن يطيران طيراً، تساعدهما أجنحة السعادة.

الأبوان ما يدريان ماذا يفعلان، ولا يدريان كيف يكافئان هذا الشيخ الجليل، الحاج عيّاش عبد الموجود، فلم يجدا خيراً من أن يذهبا إليه بنفسيهما، في محله أو حتى بيته، ويُقبّلان يده ورأسه، إجلالاً وشكراً له، على معروفه الذي كان معهما، فببركة هذا الرجل الصالح وبعلمه، أجري الله هذه المعجزة!

الأبُ أمسك بيد زوجته، وأخذا يسرعان الخطى في طريقهما إليه.

اقتربا من المحل!

الرجل ما يدري كيف يشكر هذا الرجل، أخذ يرتب الكلام ويجهزه لينطق به أمامه.

اقترب الابوان من المحل!

نظرا إليه!

فوجداه مغلقاً!

اقتربا منه أكثر وأكثر!

فوجدا بابه وقد عُلقت عليه ورقة كبيرة!

قرأها الرجل وزوجته!

توفي صباح اليوم إلى رحمة الله تعالى، الحاج عيّاش عبد الموجود.

بكت المرأةُ، وبكى الرجل!

وقالا:

– هنا في هذا المحل، كان حانوتي الحياة!

تمت

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.