انحاز الشيخ حسن البنا للنظام البرلماني النيابي حين اعتبره أقرب نظم الدولة القومية للروح السياسية الإسلامية، وهذا الانحياز يبدو مفسِّرًا جيدًا لطريقة الاستجابة السياسية التي اقترحتها الحركة الإسلامية في تعاطيها مع الدولة القومية المعاصرة. فهذه النظرة تعتبر التعامل مع الدولة القومية أمرًا واقعًا لا مفر منه، وليس هناك إلا العمل على تطويعها لتحويلها في اتجاه خدمة التقاليد الإسلامية. وحول هذه العملية تتباين النظرات ما بين مؤيد ومشكك في جدية وفعالية الطرح الذي قدمه الإسلاميون لتحويل الدولة الحديثة لتكون مستجيبة للشريعة الإسلامية.


الدولة المستحيلة

يمكننا بهذه الخلفية أن نسدد النظر من جديد لجدار المستحيل الذي شاده وائل حلاق -وهو الخبير البارز بتاريخ الشريعة الإسلامية- عبر كتابه الأشهر الذي أخرجه عام 2013 بعنوان «الدولة المستحيلة»، والذي حاول أن يدحض به التوجه الذرائعي نحو أسلمة الدولة القومية.

والأستاذ حلاق بدا في كتابه أنه يفضل «فقه الخروج» من التاريخ السياسي المعاصر، لأن جوهر الدولة القومية -من خلال تاريخها وتحولاتها- لا تزال بعيدة المنال عن تمثُّل القيم السياسية الإسلامية، والظروف الدولية وكل المتغيرات لا تتحرك إلا في اتجاه بقاء الدولة القومية وتمكين فلسفتها من التغول والسيطرة، حيث تصعب أو تستحيل مهمة الحكم الإسلامي.

لم يكن حلاق أول من حذر من خطورة هذا التوجه؛ فقد كتب الدكتور رفيق حبيب كتابه «الدولتان» فشرح فيه خطورة التمحور الإسلامي حول الدولة القُطرية، واعتبر أن «دولنة» الفكرة الإسلامية و«قومنة» الإسلاميين هما من وجوه العلمنة التي تتم من داخل الفكرة الإسلامية نفسها.

وإذا كان رفيق حبيب يتفهم وجهة النظر التي ترى إمكانية إجراء إصلاح على الدولة القومية؛ فإن وائل حلاق يرى ذلك من ضروب المستحيلات لاعتبارات تخص النموذج الإسلامي الذي شرحه في الكتاب بشكل مسرف في المثالية، وكذلك لطبيعة النموذج الحداثي الذي يهيمن على التاريخ، والذي من المستحيل الالتقاء معه.


لماذا رفضت الكتاب؟

أذكر أنني في بداية قراءتي لكتاب حلاق شعرت ببعض الصدود النفسي، وقد لعب عنوان الكتاب «الدولة المستحيلة» دورًا كبيرًا في العزوف عن قراءته، وباتت مطالعة صفحاته في رأيي أشبه بالعبث؛ إذ تمت مصادرة حق القارئ في تأمل أفكار الكتاب أو تحليل نتائجه لأن الخلاصة العامة هي والاستحالة سواء.

وعمّق ذلك الشعورَ سياقُ خروج الكتاب؛ فقد وُلد أثناء معركة كبرى، فالربيع العربي قد أدبر، وخريف القمع قد أقبل، وأغشِيت الحياةُ السياسية قطعًا من الليل مظلمًا، واندلع احتراب ثقافي أهلي بين الإسلاميين وخصومهم. وقد وُظّف الكتاب أحيانًا لتسعير تلك النار.

يرى المفكر التونسي أبو يعرب المرزوقي أن كثيرًا من الذين كانوا محتفين بكتاب علي عبد الرازق المنكِر لفكرة الدولة الإسلامية هم الآن يرددون مع حلاق أن هناك دولة إسلامية لكنها مستحيلة، ولعله يقصد أن كلتا الفكرتين كانت تحقق نفس الهدف عند هؤلاء.

كذلك لاحظت أن الكتاب – في هدفه الأصلي – وُضع لنقد الحداثة الغربية، والكاتب يقول ذلك صراحة، وكان دور الفكر السياسي الإسلامي هو «النموذج المعياري» الذي تُحاكم إليه تلك الحداثة، مما جعله يتطرف قليلًا في تفسيراته المثالية للحضارة الإسلامية، حتى إنه يجعل منها نقيضًا وجوديًا للحداثة الغربية. ولعل ذلك يفسر كثرة استخدامه لمفهوم «الشريعة» بما تعنيه من ثبات ودوام بدلًا عن مفهوم «الفقه» المتحيز بطبيعته للمتغير والمتحول.

خذ على سبيل المثال، حديثه عن دار الحرب ودار الإسلام، وهو نموذج معرفي مرتبط بسياق عصره أكثر مما هو مرتبط بالإسلام نفسه كفكرة جوهرية، وكذلك حديثه المجرد عن سيادة الله مقابل سيادة الدولة الحديثة، وقد استخدمها بنهج قريب من «حاكمية» سيد قطب، دون إتمام لمنهجها التشغيلي ولا مراعاة لتحققها عبر سيادة الأمة التي لا تجتمع على ضلال؛ «فهي المعصومة» و«التي تقوم مقام النبوة» كما يقول ابن تيمية.

وإذا كان حلاق افترض أن السيادة معلقة في الهواء أو أن المؤسسة العلمائية هي التي تحتكرها؛ فإن أبا حامد في كتابه «المستصفى» ربطها بالأمة المعصومة ورأى «إنما يجوز الخطأ في اجتهادٍ ينفرد به الآحاد (من العلماء)، أما اجتهاد الأمة المعصومة فلا يحتمل الخطأ كاجتهاد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقياسه، فإنه لا يجوز خلافه لثبوت عصمته، فكذا «عصمة الأمة» من غير فرق».

أيضًا فات الكتابَ الكشفُ عن عناصر المرونة الخلاقة التي حفل بها الفكر السياسي الإسلامي، والتي اتسمت بقدر كبير من التكيف والواقعية. وهذا يمكن ملاحظته بشكل عام من دراسات ابن خلدون لأنواع الدول والأنظمة التي تعاقبت في التاريخ الإسلامي بعد الخلافة الراشدة، وتطبيعه مفهوم الملك العضوض مع معاني الخلافة، وكذلك الأحكام السلطانية للماوردي، ونظرية التفويض وغيرها.

هذا فضلًا عن أن الأستاذ حلاق –الذي حاول رسم معالم مأزق الدولة الإسلامية قد أشار على استحياء في بعض صفحات الكتاب إلى أنه ليست الدولة الإسلامية فقط هي التي تواجه مأزقًا وجوديًا، بل إن الدولة القومية العربية تعاني من نفس المأزق، وكذلك الدولة الحديثة غير المستقرة في جزء كبير من العالم «الأفروآسيوي»، بحسبانها قد فُرضت على مجتمعات مستعمرة دون إعداد كافٍ؛ حسبما يقول.

والحقيقة أن هذا الفشل في بناء القوميات القُطرية مبعثه أن المجتمعات العربية تبحث عن نموذج سياسي ينجح في تمثيلها، ويعبر عن هويتها وقيمها المركزية التي يبدو أنها لا تزال حاضرة، وأن قمع الاستبداد هو الذي يقوي هذا الحنين للشريعة كما يقول نوح فيلدمان، ويقظة القيم الحضارية لدى الشعوب هي التي تزعزع ثبات نموذج الدولة القائم والمفروض بالقوة والاستبداد.

لكن السؤال هو: كيف يكون التغيير؟ هل بالاستسلام التام لنموذج الدولة القومية؟ أم بمحاولة إصلاحها وبناء نموذج يمكن من خلاله أن يلتقي مع القيم الحضارية والثقافية العربية والإسلامية؟


كيف يمكن الاستفادة من الكتاب؟

والإجابة عن هذا السؤال تقتضي إعادة النظر في الكثير من الأفكار التي قدمها الكتاب، وقراءته قراءة مركبة تستفيد من أطروحاته المهمة، خصوصًا المقابلة التي عقدها بين النموذج الغربي والنموذج الحضاري الإسلامي. صحيح أنه أفرط قليلًا في عرض النموذجين، لكن فهم فلسفة الدولة القومية الحديثة مهم، وقد نقل الكاتب باقتدار الكثير من الأفكار الفلسفية التي تتوافر على نقدها وشرح فلسفتها، ولعل هذا ما ينقص الفكر السياسي الإسلامي المعاصر.

الكاتب يعرض الدولة القومية تبعًا لقراءة كارل شميت وهو المفكر الألماني الذي نظر للدولة القومية الحديثة، باعتبارها فكرة لاهوتية تم علمنتها، أي هي كيان سياسي دهري يحتفظ بخصائص وأخلاق المطلق، يمكن أن نقول: هي فكرة صنعت بديلًا عن الله، واتخذت صيغة «واجب الوجود»، فهي نفسها غاية وجودها.

ويخشى وائل حلاق أن ينافس مطلق الدولة مطلق الله، المركزي جدًا في الفكر الإسلامي، وهو تخوف مشروع، ويجب أن ينتقل إلى الإسلاميين وأن يقلقوا أكثر من غيرهم من عملية أسلمة الدولة القومية، لأن أسلمة الدولة قبل إصلاحها يدعم سعيها نحو التأله والتسلط، والأمر يصبح أشد قسوة مع الأنظمة الفردانية العربية والإسلامية.

ومن ثم إذا أريد توفيق الشريعة مع المعاصرة، لا يجب أن يشمل الاجتهاد فقط تقديم الشريعة في شكل عصري «فقه التأويل» بل وكذلك يجب أن يمتد ذلك أيضًا إلى «فقه التنزيل»، لأن الأسلمة التي تبدأ بتطبيق الشريعة دون إجراء تعديلات على جوهر الدولة القومية يعني إعطاء الدولة وهي شاملة بطبعها ترسانة تجعل منها دولة شمولية، أي أن الشريعة سوف تزيد من لاهوت الدولة، وقدرتها على البطش والإرهاب.

وبالتالي عملية الأسلمة جزء منها مكافحة لاهوت الدولة القومية، ومكافحة تغولها، وتدخلها في المجتمع، وذلك لن يتم إلا عبر سياسات تحويلية للكثير من صلاحيات الدولة الحديثة لتكون بيد المجتمع المدني «الأمة المعصومة»، استنادًا للتوحيد الذي يحتم منازعة أي فكرة تتخلق بأخلاق المطلق.

وأن يتجه ذلك نحو إحياء لمؤسسات المجتمع المدني والرحمي الذي يعتبر المجسد الأعلى للشريعة الاسلامية بمعناها الأخلاقي والمعرفي والتزكوي والافتائي والقضائي والوقفي، ونقل مركز ثقل السيادة الإلهية إلى الأمة والمجتمع المدني حيث تجري الشريعة في مستقرها الحقيقي.

الكثير من الاتجاهات العالمية والإنسانية المكافحة ضد لاهوت الدولة تتحرك على أرضية المجتمع المدني؛ فهي الفكرة التي يمكنها أن ترد تغول الدولة وهي التي يمكنها أن تنازعه بعض الصلاحيات، وتردها عن نزاعاتها المتألهة.

والأسلمة الحقيقة هي جزء من هذا الحراك الإنساني الذي يردع الدولة عن القبض على مصائر الأفراد، وأن تكون فلسفة الإسلاميين السياسية هي تقوية النزعة الإنسانية للدولة القومية وتحريرها من لاهوتها. والانضمام للأصوات الخافتة في الغرب التي تتفاعل مع الظرف نفسه «وأن تتسامى على تمحورها الإثني حول نفسها وتوحد جهدها في مساءلة المشروع الحديث ودولته» بحسب ما يقول حلاق.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.