لن تنتهي هذه الحرب إلا بطريقة واحدة: منْ يصمد للنهاية، سيكون النصر حليفه.

وردت تلك الجملة في على لسان إحدى شخصيات الفيلم الحربي الشهير «1917»، والصادر عام 2019، ويحكي قصة جنديين في مهمة خاصة خلال الحرب العالمية الأولى. جاءت هذه العبارة على لسان العقيد البريطاني ماكينزي الذي قام بدوره الممثل البريطاني الشهير بنديكت كومبرباتش.

فإذا كنت من المهتمين بالتاريخ العسكري وتحديداً تاريخ الحرب العالمية الأولى، أو حتى إذا كنت ممن قضوا سنوات المراهقة والشباب أمام ألعاب الفيديو العسكرية والاستراتيجية، فستدرك للوهلة الأولى أن تلك الجملة تعبر عن استراتيجية عسكرية دفاعية بالأساس، تقوم على استنزاف قوة العدو. وهذا هو جوهر المعارك العسكرية في الحرب العالمية الأولى.

وإذا لم تكن من الفئات السابقة، وحالفك الحظ وشاهدت فيلمنا المُشار إليه في الأعلى (فيلم 1917)، فبالتأكيد قد شاهدت أبطالنا وهم يسيرون عدة كيلومترات داخل خنادق ضخمة، تحولت إلى ثكنات عسكرية تؤوي فرقاً عسكرية بالكامل، وصارت من التشعب والتعقيد، بحيث مُنحت ممراتها أسماء كالشوارع. وهو أمر تساوى فيها الحلفاء والألمان. ومنْ يُسخِّر إمكاناته العسكرية لصنع هذه الخنادق الضخمة، فلا بد أنه قرَّر مُسبقاً أن الدفاع هو سلاحه الأساسي.

قد تكون حياتك العملية غير ذات صلة بالأمور العسكرية، ولكن قد تجد فيها متعة خاصة، سواء على مستوى الألعاب والترفيه، أو القراءة ومشاهدة الأفلام الوثائقية. وإذا كنت كذلك، فستجد في كتاب المفكر الفلسطيني «منير شفيق»: «الاستراتيجية والتكتيك في فنِّ علم الحرب» مصدراً للمعرفة والإمتاع والتعلُّم.

الحرب… فن أم علم؟

الحرب في معناها البسيط هي «عملية صدام وحشي يقتتل فيها البشر مُحطِمين بعضهم بعضاً جسدياً، أي إنها عملية قتل جماعي، بقصد تحقيق أهداف مُحددة».

ورأى الجنرال والمؤرخ العسكري البروسي الشهير «كارل فون كلاوزفيتز» – وهو اسم سيصاحبنا كثيراً بنظرياته في هذا الكتاب – أن الحرب هي «استمرار السياسة بوسائل أخرى عنيفة». بينما اهتم «فلاديمير لينين» بالمحتوى الطبقي للحرب، ومن ثَمَّ الكشف عن مدى عدالتها، وصب كامل تحليله حول الإجابة على سؤال: منْ هي الطبقة التي تشن الحرب وتستمر في شنها؟ وقد رأى إجمالاً أن استمرار وجود الطبقات وانقسام البشر إلى أمم مقهورة وأمم مُستغِلة يدفع بـ «حتمية الحروب».

أما الزعيم الصيني «ماو تسي تونغ» فقد وضع تعريف أكثر تكاملاً للحرب، فيقول:

الحرب هي أعلى أشكال الصراع لحل التناقضات بين الطبقات أو الأمم أو الدول أو المجموعات السياسية، عندما تتطور تلك التناقضات إلى مرحلة معينة. وقد وُجدت هذه الظاهرة منذ بزوغ الملكية الفردية وتكوُّن الطبقات.

وبالعودة إلى كون الحرب هي فعل بقصد تحقيق أهداف مُحددة، فإن طبيعة هذه الأهداف يمكن أن تُقسِّم الحروب إلى نوعين: حروب عادلة وحروب غير عادلة، تتمثل الأولى في حروب الشعوب المُضطهَدة ضد الغزو الأجنبي والاحتلال، وكذلك في حروب الدول المُتحرِرة ضد الدول الإمبريالية (مثل العدوان الثلاثي على مصر 1956)، وفي الحروب الأهلية التي تشنها الطبقات المُستغِلة ضد الطبقات الحاكمة في بلادها.

أما الثانية (الحروب غير العادلة) فتتمثل في الحروب بين الدول الإمبريالية والغزاة والإمبراطوريات الكبرى (مثل الحربين العالميتين الأولى والثانية)، وكذلك في حروب دول الاستعمار ضد الشعوب المستضعفة (مثل حرب فيتنام وحرب العراق)، وفي الحروب الأهلية التي تشنها قوى اجتماعية مستبدة ضد أخرى ضعيفة.

والحروب في العادة مادة دسمة وجاذبة في شتى مجالات التعلم والإبداع. ففي الصين، تُعد دراسة الحرب وقواعدها جزءاً أساسياً من برامج التعليم في المدارس والجامعات، ومن الثقافة العامة للشعب كله. وعندما نتحدث عن الثقافة العسكرية أو دراسة قواعد فن الحرب لا نقصد التدريبات العسكرية على فك السلاح وإطلاق النار، والصف بالطابور، وإنما نقصد دراسة الموضوع على مستوى الاستراتيجية والعمليات والتكتيك.

ولكن، كيف يُنظر إلى مجال الحرب؟ هل كعلم خاضع للدراسة العلمية والخروج بقوانين ونظريات مُحددة تحكمه؟ أم يُنظر إليه كمجال لا يستطيع العلم معرفته وضبط قوانينه، وبالتالي فهو ضمن مجال الفن لا العلم؟

رغم اختلاف المفكرين، فإن الكاتب «منير شفيق» يرى أن الحرب علم وفن في آن واحد، وهذا هو سبب تسمية الكتاب «فن علم الحرب». فمجال الحرب يزوِّد بقوانين عامة، تُشكِّل دليلاً للعمل، بينما المجال الواقعي للحرب يولِّد باستمرار حالات تحتاج إلى اكتشاف قوانينها الخاصة، بما في ذلك قوانين المعالجة.

ومن هنا لا بد من دراسة الحرب كعلم، ومعالجة التطبيق في الحرب بمنهج علمي يستند إلى الحصيلة العلمية المتوفرة، وإلى اكتشاف قوانين الحالة المعطاة، شريطة توفر المقدرة على عملية التقويم والحكم والتنفيذ بصورة صحيحة، وهنا يأتي دور الفن.

ولعل أقرب تصوير لهذه العلاقة قول «كارل ماركس»: «إن الثورة المسلحة اليوم فن بالقدر نفسه الذي أصبح فيه علم الحرب، أو أي فرع آخر، فناً قائماً بذاته». أي أنه علم من ناحية، وفن من ناحية أخرى. إنه علم في دراسته ومنهجه، وفن في التطبيق. فالحرب هي ظاهرة متحركة لها قوانينها العامة، ولكن حركتها ليست تكرارية، ومن ثَمَّ، فإن كل لحظة من لحظات تلك الحركة بحاجة إلى اكتشاف جديد وفن تطبيق جديد.

وعادةً، يُدرس علم الحرب من 3 أوجه رئيسية:

  1. الاستراتيجية والتخطيط الاستراتيجي.
  2. فن العمليات.
  3. التكتيك والتخطيط التكتيكي.

الاستراتيجية

هي من المصطلحات الشائعة في عالم السياسة والحرب، ولكنها صارت تُستخدم مؤخراً في كل مناحي الحياة، بمقاصد مختلفة، خاصةً عند محاولة تفخيم الحديث أو إضافة أهمية خاصة على أنماط التفكير والتخطيط.

ولكن تنتمي «الاستراتيجية» بالأساس إلى عالم الحرب، وهي قرينة «التكتيك»، وغالباً لا يُعرَّف أحدهما دون ذكر الآخر، حيث يقول كلاوزفيتز: «التكتيك هو استخدام القوات العسكرية في المعركة. أمَّا الاستراتيجية فهي نظرية استخدام هذه المعارك لتحقيق هدف الحرب». حيث إن مهمة الاستراتيجية هي تحقيق الهدف السياسي للحرب من خلال استخدام المعارك، وليس من الضروري أن يكون هذا الهدف دائماً هو سحق قوات العدو أو تجريده من السلاح، ففي حروب التحرير لا تستهدف المقاومة سحق قوات العدو (الضخمة والشرسة)، وإنما استخدام المعارك والنضال السياسي والرأي العام العالمي لإجبار العدو على الانسحاب والتراجع.

وفي الحرب تعالج الاستراتيجية جملة من القضايا، مثل: نظرية استخدام المعارك لتحقيق الأهداف، ونظرية العمليات والتكتيك، ونظرية بناء القوات المسلحة وتنظيمها وتسليحها وتدريبها وتوزيعها، والإجراءات العسكرية والمعنوية والإعداد السياسي التي تضع القوات في أفضل ظروف ممكنة، واختيار الأهداف الحاسمة والوقت المناسب لإنزال الضربات القاضية بالعدو، واتخاذ الإجراءات المضادة لاستراتيجية العدو وإحباطها، وأخيراً إدارة المسائل اللوجستية والحالة الاقتصادية للجبهة الداخلية.

وقد كانت وظيفة الاستراتيجية العسكرية منذ قديم الأزل تتركز في حشد القوات المسلحة وتنظيمها والإعداد للحرب وتقرير ضد منْ تُوجه الحرب، إلى جانب تحديد مكان المعركة وزمانها، أمَّا الأهداف الاستراتيجية فكانت القضاء على جيش العدو أو الاستيلاء على مدنه. وقد ظلت وظيفة الاستراتيجية تتراوح بين الصعود والهبوط دون تطور أو إضافة حقيقية تُذكر، حتى جاء القرن الـ 16 الميلادي.

مكيافيلي وحروب بلا معارك

التطور الأول كان نظرياً بحتاً، ولم يتحول إلى أرض الواقع حينئذ، وكان على يد المفكر السياسي والعسكري الإيطالي الشهير «نيكولو مكيافيلي» في كتابه «فن الحرب»، وهو الكتاب الذي لم يحظَ بشهرة كتاب «الأمير». في هذا الكتاب جعل مكيافيلي من مفهوم الاستراتيجية يشمل الحرب الكلية، من قبل الأمة جمعاء، وهو ما يفرض تعبئة الأمة وتنظيم مواردها من أجل خوض حرب تخدم مصالح الأمة ككل، وليس خدمة أغراض وتطلعات الحاكم فقط.

ويمكن القول إن الملك السويدي «غوستاف أدولف» (1594-1632) هو منْ حاول تطبيق مبادئ ميكافيلي، كما أنه حاول إحياء الفن العسكري وتخليصه من الفوضى، حيث أنشأ الجيوش النظامية بدلاً من الجيوش المرتزقة الأوروبية الإقطاعية، وأخضعه لتدريب منتظم دقيق، وطوَّر أسلحة الجيش.

ولعل مقولة المارشال الفرنسي «موريس دي ساكس» خير ما يعبِّر عن طبيعة الاستراتيجية العسكرية في هذه المرحلة التاريخية، حيث قال:

أنا لست من أنصار المعركة، وأنا مقتنع تماماً بأن الجنرال القدير يستطيع أن يشن حرباً لمدى الحياة من دون أن يُجبر على القتال. ولكن يجب أن يكون هنالك عدد من الاشتباكات المحلية لإنهاء العدو تدريجياً، وأخذه قطعة قطعة.

فقد كان «تجنب المعارك» هو إحدى السمات الاستراتيجية الأوروبية في هذه المرحلة، وذلك بسبب تعاظم التكاليف التي يقتضيها تكوين الجيش في العصر الإقطاعي، أي أن الدول والملوك كانوا يخوضون حروباً دون معارك كبيرة، قد يفقد خلالها أحد الطرفين جيشه وأسلحته بالكامل.

القفزة الكبرى في عهد نابليون

ثم جاءت القفزة الكبرى في التاريخ العسكري على يد القائد الفرنسي «نابليون بونابارت»، والذي جسَّد عسكرياً التطور الصناعي الذي شهدته أوروبا خلال هذا العصر، وجمع بين يديه كل مراحل تطور الفكر العسكري.

حيث أصبحت الحرب على يد نابليون حرب حركة ومناورات استراتيجية، وحلَّ مفهوم «النصر في معركة فاصلة» محل مفهوم «كسب الأرض». فقد اعتمد نابليون على استراتيجية التجنيد العام وتعبئة الأمة كلها للحرب، وهنا بدأت الاستراتيجية تلعب دوراً هاماً في مراحل ما قبل خوض القتال. كما أنه قسَّم الجيش إلى فرق وتشكيلات مختلفة شبه مستقلة، يمتلك كل منها أنواعاً من الأسلحة مختلفة، وتحت قيادة هيئة أركان مستقلة قادرة على القيام بالعمليات منفردة، وهو ما منح نابليون القدرة على المناورة بسرعة ومرونة كبيرة.

كما أن تطور الطرق والمواصلات زاد من قوة المناورة الاستراتيجية، وولَّد ما سُمي بـ «التكتيك الكبير». حيث كان نابليون يُقسِّم معاركه إلى مرحلتين: الأولى هي «التكتيك الكبير» أو العمليات والمناورات الواسعة، والثانية هي المعركة نفسها.

فكان نابليون يرسم خطته بناء على النقطة التي ستندلع فيها المعركة الأساسية الفاصلة. ولكن قبل هذه المعركة وبعيداً عن هذه النقطة، كان نابليون يُحرِّك فرقه وجيوشه في نقاط مختلفة بعيداً عن نقطة المعركة الفاصلة، وكانت هذه التحركات تتم بسرعة فائقة، إمَّا لتطويق العدو بالالتفاف حول أجنحته ومؤخرته، أو بقطع خطوط مواصلاته وإمداداته. وحينما تضطرب صفوف العدو ويصبح في وضع غير مناسب، يدخل نابليون بتشكيلاته الهجومية الكاملة ليبدأ المعركة الفاصلة، ويقضي تماماً على جيش العدو.

ذروة التطور في الحربين العالميتين

كانت الحرب العالمية الأولى ذات طابع استعماري عدواني من جانب كل الأطراف المتحاربة، وكانت إمكاناتهم العسكرية والتكنولوجية شبه متقاربة. وقد اعتمدت كل الجيوش الأوروبية على «استراتيجية الهجوم الكثيف الكاسح» لسحق قوات العدو وحسم نتائج المعارك العسكرية، وذلك عن طريق تركيز قوات متفوقة على قوات العدو الرئيسية والعمل على سحقها.

ولكن سرعان ما تحطمت هجمات الطرفين أمام الخنادق والأسلاك الشائكة ومن ورائها المدافع الرشاشة، وأمام سرعة انتقال الاحتياط الدفاعي، بسرعة لا تقل عن سرعة الهجوم نفسها. الأمر الذي رجَّح قوة الدفاع على قوة الهجوم، بل ربط إطلاق الهجوم الكاسح بعد كسر الدفاع لهجوم العدو أولاً.

وبناءً على ذلك تحوَّلت الحرب العالمية الأولى إلى خطوط جبهة طويلة راكدة، وأخذت الاستراتيجية بعد هذه المرحلة تتحول إلى «استراتيجية الاستنزاف طويل الأمد»، مع الاعتماد كلياً على كثافة النيران وزيادتها.

وأخيراً جاء الهجوم الألماني في ربيع 1918 نتيجة فشل هجوم الحلفاء في الفترة (1915-1917)، ولكن تحطم الهجوم الألماني أمام دفاعات الحلفاء. مما أتاح للحلفاء شن الهجوم المضاد في أوائل خريف 1918، والذي انتهى باستسلام ألمانيا.

تعلَّم هتلر وجنرالاته في الحرب العالمية الثانية من دروس كلاوزفيتز ونابليون، حيث ارتكزت الاستراتيجية الألمانية على وضع البلاد كلها تحت التعبئة العسكرية الكاملة، ورسم استراتيجية شن حرب عدوانية تعتمد على سحق القوات الرئيسية للعدو عن طريق تركيز المعركة.

حيث يقوم الجيش الألماني بعملية اختراق من نقطتين أو ثلاثة نقاط لخط دفاع العدو، ومن ثَمَّ القيام بعمليات مناورة استراتيجية في قلب الخطوط الداخلية للعدو بحيث تتم السيطرة على طرق المواصلات وقطع الإمدادات، ثم فرض معركة حاسمة يكون فيها التفوق مضموناً للقوات الألمانية.

كان انتصار هذه الاستراتيجية محتوماً في ظل تمسك الحلفاء باستراتيجيات الدفاع التي كانت سائدة في الحرب العالمية الأولى، حيث اعتمدوا على خطوط دفاع جامدة (خط ماجينو)، وحينما تتفوق سرعة الحركة في الهجوم على سرعة الحركة في الدفاع، تصبح خطوط الدفاع الجامدة سهلة الاختراق.

ولكن استراتيجية هتلر اصطدمت باستراتيجية الدفاع لدى الاتحاد السوفيتي، والتي لا تعتمد على خط الدفاع الثابت، وإنما على الدفاع العميق المتحرك، الذي يرتكز على العمق والضخامة البشرية وسعة المساحة، فضلاً عن قوة التنظيم ورسوخ الوضع المدني. لهذا قامت الاستراتيجية العسكرية السوفيتية على أساس استيعاب رأس رمح العدوان الألماني بدلاً من مواجهته بخط ثابت، وبعد إنهاكه حين يصطدم بالنقاط الدفاعية الرئيسية (سفاستبول، وموسكو، وستالينغراد، ولينينغراد) يتحول السوفيت إلى استراتيجية الهجوم الشامل الذي يعتمد على الضخامة والزخم بدلاً من الاختراق من نقاط محددة كالألمان.

فن العمليات: المبادئ الـعشرة في علم الحرب

حاول الكتاب التعرُّض لكل المبادئ التي وردت في أدبيات التاريخ العسكري، والتي لخَّصها الكاتب في 10 مبادئ أساسية:

1. مبدأ تركيز القوات (الحشد)

يقض هذا المبدأ بتوفير أكبر قوة ممكنة متفوقة على قوة العدو من أجل تحقيق الانتصار عليه. ومن المؤكد –في المطلق- أن كل طرف يسعى لتعظيم قوته على حساب قوات العدو، لكن هذا المبدأ يعني أن يسعى القائد لحشد أغلب جيشه، بإجراءات استراتيجية تباعاً، لأخذ دورها في «المناطق الحاسمة» تحديداً في مسرح الحرب.

2. مبدأ الاقتصاد بالجهد

هو مبدأ مُكمل للمبدأ الأول، وليس مناقضاً له، حيث يجب على قادة الجيش توزيع قواتهم على الجبهات وفقاً لمبدأ الضرورة فقط، أي يضع قواته بالعدد الذي يجلب له أفضل النتائج بأقل وقت وجهد ممكن. بحيث لا تتحمل إحدى الجبهات جنوداً يتخطون حاجتها، بينما هناك جبهات أخرى تحتاج للمزيد من الجنود. وهو مبدأ هام في الحروب واسعة النطاق ذات الجبهات المتعددة مترامية الأطراف.

3. مبدأ الأمان

يفترض هذا المبدأ حماية النقاط الحيوية والضعيفة مثل القواعد وخطوط المواصلات والمطارات والأجنحة المكشوفة قبل الاشتباك، وذلك لئلا يؤدي أي تهديد مفاجئ لها بعد الاشتباك إلى جعل وضعك في المعركة مزرياً، بشكل يتيح للعدو تحقيق نصر استراتيجي ضدك.

4. مبدأ الحركة

ويشمل هذا المبدأ حرية الحركة وسرعتها وسريتها وحمايتها وامتلاك زمام المبادرة، ويشمل الحركة الاستراتيجية والحركة التكتيكية. والحركة في الحرب لا تُقاس بسرعة حركتك الآلية، وإنما تُقاس بالمقارنة مع حركة العدو، وهذا يعني أن الحركة في الحرب هي العمل بأسرع مما يعمل العدو.

5. مبدأ الهجوم (الدفاع)

يُحذِّر هذا المبدأ ممَّا أطلق عليه «الدفاع السلبي»، أو الدفاع لرد هجمات العدو فقط دون التفكير في التحول إلى الهجوم المضاد في أي لحظة. وبدلاً من ذلك لا بد من الاعتماد على «الدفاع الإيجابي» المُخطط له جيداً، والمُشرَب بالهجمات المحدودة، ثم يتحول إلى هجوم مضاد يكون حاسماً في الحروب.

ولا ينطبق هذا الأمر على حالات المقاومة الشعبية، عندما يكون العدو متفوقاً بفروق ضخمة، فالدفاع الإيجابي هنا يكون في الهجمات المحدودة دون الانتقال إلى الهجوم العام.

6. مبدأ المفاجأة

ويعني استخدام أي عنصر غير متوقع تُفاجئ به العدو، وهذا ينطبق على كل المستويات، من أكبر خطة استراتيجية إلى أبسط حركة تكتيكية، وينطبق على الدفاع كما على الهجوم، وعلى كل أشكال الحروب. ويتوقف مدى نجاح عنصر المفاجأة المُقترح على طريقة تنفيذه وسرعته، بحيث لا يعطي العدو فرصة أخذ الاحتياطات أو الإجراءات المضادة في الوقت المناسب. وغالباً ما تنجح المفاجأة الناجحة في تعويض نقاط الضعف لدى الطرف المُبادر، سواء من الناحية العددية أو التقنية أو التسليح.

7. وحدة القيادة والخطة والتنفيذ

يدور هذا المبدأ حول ضرورة رؤية كل جوانب الوضع المُعطى في الحرب، بصورة موضوعية، بحيث تنتهي إلى تقويم واحد متماسك، وقرارات موحدة متماسكة. ومن ثَمَّ وضع خطة واحدة متماسكة، وإقامة التنسيق بين كل أجزائها، وكذلك بين مختلف الخطط المُتولدة عنها، كما بين مختلف الأسلحة واللوجستية والإدارة. ليأتي أخيراً التنفيذ تحت قيادة واحدة.

8. مبدأ المحافظة على الهدف

ينطلق هذا المبدأ من التفريق بين الهدف وبين خطة تنفيذه، إذ إن أي قائد عسكري مهما تكن رتبته، يأخذ هدفه أو مهمته من القيادة الأعلى منه، أمَّا الخطة فهي من تصميمه. ولهذا، فإن هذا المبدأ يضع المهمة وخطة تنفيذها على مستويين مختلفين من المسئولية، وكذلك من حيث الأولوية.

9. مبدأ المبادرة

وهو مبدأ ينطبق على المستوى الاستراتيجي والتكتيكي، ويعتبر أساساً في مبدأ حرية الحركة، ويعني حسن التصرف ضمن الموقف الراهن. فالانسحاب أمام ظروف غير مواتية هو عملية مبادرة بالرغم من أنه يبدو في الظاهر تراجعاً اضطرارياً، لأن الانسحاب في تلك الحالة يعني المحافظة على القوات وكسب الوقت من أجل فهر العدو في النهاية.

10. مبدأ تقدير الحلقة الحاسمة

يُترجَم هذا المبدأ في العمليات والتكتيك إلى مبدأ «توجيه الضربة الرئيسية»، أي تحديد نقطة أو نقاط التركيز والاتجاه الرئيسي لعملك. فقد تكون هذه النقاط أحياناً هي أشد نقاط الضعف لدى العدو، وقد تكون أحياناً النقاط الحيوية لديه، وقد تكون النقاط القاتلة في جسد جيشه.

التكتيك

دارت تعريفات التكتيك حول فن استخدام السلاح والقوات، أو النيران والحركة في المعركة، وذلك بطريقة تجعلهما يُمارسان أكبر تأثير. وبمعنى شامل، التكتيك هو دراسة قوانين الحرب في وضع جزئي. أي أن التكتيك يعنى بـ 3 مسائل رئيسية:

  1. السلاح وفن تحريكه في المعركة.
  2. تكوين التشكيلات بالعدد والتسليح المناسب للمعركة.
  3. استخدام أرض المعركة بالطريقة المثلى.

تطور تكتيكات الفراعنة والعرب

وعند مراجعة التطور التاريخي للتكتيك العسكري، نجد أنه لم يأخذ شكل التطور المطرد، وإنما كان على شكل تعرجات، صعوداً وهبوطاً. فقد تطور التكتيك العسكري بشكل مذهل في زمن المصريين القدماء، كما يبدو من تفاصيل معركة قادش (1288 ق.م)، حيث نظموا جيوشهم إلى فرق ذات اكتفاء ذاتي، وتتألف كل فرقة من مختلف الأسلحة. كما أقاموا نظاماً إدارياً عالي الكفاءة، واستخدموا تكتيك الالتفاف على الأجنحة وأساليب الهجوم التضليلي، مع التركيز على نقطة الهجوم الرئيسية. ولكن هذا المستوى من التكتيك لم يُحافَظ عليه ولم يُطوَّر في زمن اليونانيين والرومان والفرس، بل تدنى مستواه.

ثم جاء العرب ليتفوقوا على كل من سبقهم في مجال التكتيك العسكري، خصوصاً في مجال الحركة التكتيكية، وتشكيلات القوات، وتعاون أنواع الأسلحة، وابتداع فن المناوشة. ولكن هذا التطور لم يُحافَظ عليه في أوروبا، التي هوت في براثن الإقطاع والعقيلة الفروسية، فصار الفرسان السلاح الرئيسي في الحرب، رغم عدم قدرته على المناورة، فصار –عملياً- كتلة من الحديد الثقيل فوق الفرس.

التكتيك النابليوني

ثم جاء أستاذ الاستراتيجية «نابليون بونابارت»، ليُضيف التطور الأبرز في تاريخ التكتيك، وقد ساعده في ذلك بالتأكيد ظهور القوة النارية وتقدم الأسلحة. واعتمد نابليون على تكتيك يبدأ بهجمات صغيرة من مجموعات القناصة، والمناوشة لإشغال تشكيلات خطوط العدو وإبقائها في حالة اشتباك، ومن ثَمَّ إنهاكها عموماً، بينما يكون قد ركَّز مدفعيته على النقطة التي حددها للاختراق، وما إن يمزق تلك النقطة، ينتقل إلى الهجوم الشامل، في اللحظة المناسبة، قبل أن يستعيد العدو رباطة جأشه ويُعيد تنظيم ضفوفه.

وتجدر الإشارة إلى أن هزيمة نابليون في «ووترلو» عام 1915، لها مجموعة من الأسباب السياسية والدولية، ولكن من المنظور العسكري، فإن القائد الإنجليزي «ويلنغتون» لم يتفوق على نابليون إلا باستخدام تكتيك نابليون نفسه، أي أنه كان تلميذاً نجيباً له.

تكتيكات الحروب العالمية

رغم أن التكتيكات الدفاعية هي التي سادت الحرب العالمية الأولى، والتي تمثلت أساساً في تكتيك خط الدفاع المتراص المدعوم بالخنادق والأسلاك الشائكة والمدافع والرشاشات، فإنه كانت هناك دروس تكتيكية أخرى خرجت من قلب هذه الحرب.

أبرز هذه الدروس هي استخدام الدبابات بوصفها سلاحاً تكتيكياً يستطيع أن يخترق صفوف العدو بدعم من الطيران، وظهرت الأهمية الكبيرة للطائرات قاذفة القنابل، نتيجة القوة التدميرية الهائلة لها، والتي جعلت الحروب تحت رحمة الجو، لتكون القوات الأرضية قوى مُساعدة لها فقط. ولكن يبدو أن جنرالات بريطانيا وفرنسا لم يستفيدوا من هذه الدروس، وهذا ما تجلى في بدايات الحرب العالمية الثانية.

حيث تم تفسير انتصارات هتلر في بدايات الحرب إلى تفوقه الكاسح بالدبابات، رغم أنه من الناحية العددية والنوعية، كان التفوق من نصيب الحلفاء وليس ألمانيا. ولكن استخدم هتلر تكتيك سُمي «بيلتز كريغ» أو «الحرب الخاطفة». وهذا التكتيك عبارة عن اختراق جبهة العدو من نقاط قليلة مُحددة –نقطتان أو ثلاث- يسبقه قصف مدفعي وجوي، ثم يشق رتل الدبابات المُركزة طريقه ليمضي مُتغلغلاً في العمق، وليبدأ عمليات مناورة استراتيجية خلف خطوط الدفاع يسيطر بها على الطرقات الرئيسية ومراكز ومحطات القطارات، وبهذا يحصر الجسم الرئيسي للدفاع بين فكي كماشة. وقد كان نجاح الاختراق مسألة شبه حتمية طالما كان مُوجهاً ضد نقطتين أو ثلاث فقط، وبتركيز شديد جداً.

وفي بدايات الحرب، سادت نظرية بريطانية تقول بأن الدبابة تكون في مواجهة الدبابة مع تشكيلات من المصفحات الخفيفة، بمعنى أن الحرب الآلية تتطلب تأمين تفوق آلي بالدبابات، لتحويل المعركة إلى معركة «أساطيل» من الدبابات ضد «أساطيل» من الدبابات. وقد تسببت هذه النظرية في خسائر فادحة للحلفاء في بدايات الحرب.

على عكس الألمان، الذي رأوا أن الدبابة تُستخدم ضد القوات غير المصفحة لتحقيق اختراق سريع. أمَّا سلاح العدو المدرع فيجب مواجهته بمضاد الدبابات والقصف الجوي، وليس بالدبابات الألمانية.

ولم تتخلص بريطانيا من خطئها الذي دام حتى عام 1942 إلا على يد الجنرال «أوشينليك»، الذي أنقذ الجيش الثامن في شمال أفريقيا بعد أن كانت الهزيمة مُحققة، وأنهى أسطورة دور الدبابات المستقل، وأسطورة دبابة مقابل دبابة، وحوَّل تكتيك الدبابات إلى تعاون بين مختلف الأسلحة في أرض المعركة الرئيسية.

خاتمة

إن أهم التطورات في العلم العسكري بعد الحرب العالمية الثانية، إلى جانب احتمالات استخدام الأسلحة الصاروخية النووية، هي التطورات المتعلقة بالحروب الثورية للشعوب المُحتلة، والتي استطاعت تحقيق انتصارات باهرة على قوى عسكرية أضخم منها بكثير وعلى كل الأصعدة، وتجاوز كل تقنياتهم العسكرية المتطورة، كما في فيتنام ولاوس وكمبوديا والجزائر وفلسطين ولبنان.

استطاعت هذه القوى الثورية أن تجد الإجابة المناسبة في مواجهة التقنية المتفوقة لأكثر الجيوش العصرية قوةً وتطوراً، ليس هذا فحسب، وكذلك امتلكت فن القتال المناسب، استراتيجياً وعملياً وتكتيكياً، أي تطوير العلم العسكري نفسه، وفي كل المجالات.