عندما نمى إلى علمي أن قناة الجزيرة ستقوم بعمل فيلم وثائقي عن الجيش المصري والعقيدة العسكرية، كان الموضوع صادمًا بالنسبة لي، هل يمكن للجزيرة أن تتحدث عما اعتدنا التحدث عنه في دوائرنا الضيقة ومساحاتنا الصغيرة بصوت منخفض وذلك بعد التحقق من المرجعية الفكرية لجميع الحضور؟

ولكن، بعدما نُشر، وجدت أنه لم يَزِد على ما يخبره به صديقك عند رجوعه من الخدمة العسكرية.

فالسطحية والنزعة الإنسانية التي خيمت على الوثائقي، جعلته يبدو في النهاية تذمر طفلة صغيرة من أخيها الكبير، بل وجعلت ما يمر به الجنود حالات فردية تتحكم فيها شخصية الرتبة العسكرية المتحكمة.

أما البنية التحتية التي يقوم عليها الجيش والأصول والجذور التي أنبتت هذه النبتة الخبيثة -التي امتدت جذورها لتشمل مجمل مسطح المجتمع المصري- فهذا ما لم تتحدث عنه الجزيرة، وسأزيد على ذلك بمحاولة الإجابة على سؤال: هل يمكن لمركز معرفي كالجزيرة -ترعاه دولة قومية حديثة كدولة قطر- أن يقوم بإيضاح الأصول وتعرية الجذور التي تقوم عليها الدولة القومية وكيف انتزعت سلطتها؟


الأصل الأول: التأطير

التأطير يمكن فهمه على أنه عملية وضع إطار يختلف داخله عن خارجه؛ اختلاف في الملابس، والطعام، والشراب، والاستحمام، والتفكير، واللغة، وأوقات التحدث، وأوقات النوم، والسير، ومجالات الحركة، وإمكانية العمل، والخضوع للأوامر.

هذه العملية بدأت بفصل الثكنة العسكرية عن الحياة، ثم تلاها وضع السياج الذي يؤطر الثكنة العسكرية من الخارج، ثم وضع الأُطر القانونية التي تسمح بدخول وخروج الأفراد، ثم وضع القواعد التي تضبط المظهر العام الذي يخرج به الفرد من كونه مدنيًا إلى أن يصبح عسكريًا، ثم توضيح الفرق بين تعامل الفرد العسكري مع فرد عسكري آخر وتعامله مع فرد مدني.

عملية التأطير خلقت حدًا فاصلاً يقطع صلة الجندي بحياته قبل أن يدخل المؤسسة؛ فأصبح إنسانًا عاريًا لا يكسوه إلا لقبه ومركزه داخل المؤسسة العسكرية، وأصبح مُستباحًا من قِبل القوانين واللوائح والضوابط العسكرية فلا رأي له ولا نظر.


الأصل الثاني: المراقبة

إذا أدخلت طفلا غرفة مغلقة، وأمرته بالقيام بواجباته المدرسية وتركته وخرجت، ما الذي يضمن لك التزامه بالأمر؟

كانت هذه هي المشكلة الكبرى التي واجهت محمد علي باشا في بداية تكوين الجيش المصري النظامي، ولكن ترياق هذا الداء أتى على يد جيريمي بنتام القانوني الإنجليزي من خلال سجنه العبقري «البانوبتيكون».

«البانوبتيكون» هو في الأصل تصميم لمصحة عقلية يتم من خلالها السيطرة على المرضى، حيث يتم إنشاء مبنى دائري الشكل، بوسطه مبنى حراسة، يطل من خلاله الحارس على جميع الغرف ذات الشُرفات الدائرية، التي تسمح للحارس برؤية المريض بالداخل ولا تسمح للمريض برؤية الحارس.

هذه العملية ولَّدت دافعًا داخليًا عند المرضى وأوجدت رقيبًا داخليًا بجانب الرقيب الخارجي، فأصبح هو الدافع والمحرك للالتزام بالأوامر.

هذا الدافع الداخلي تم توليده داخل الجنود المحبوسين بداخل الثكنات العسكرية، عن طريق عدة أشياء أهمها على الإطلاق الزي العسكري الجديد. قبل تكوين الجيش النظامي كان الجنود إذا ما انهزموا في معركة خلعوا الزي ولاذوا بالفرار، أما الجيش الجديد فكانت أهم قوانينه الصارمة هو عدم خلع الزي ليمثل الزي بعد ذلك حارسًا ملازمًا للجندي يذكّره بكونه يتبع التعليمات والأوامر ولا يفكر بها، ينفذها دون تردد.


الأصل الثالث: الانضباط

كان العامل الجديد في حرب سنوات السبع التي احتدمت بين عام 1756 وعام 1763، والذي قلب موازين القوى لصالح بروسيا هو عامل الانضباط الذي تم إدخاله في الجيش.

إلقاء الأوامر بلغة واضحة يفهمها الجنود، وتحديد المسار الذي يتم من خلاله تنفيذ الأوامر، والسرعة في التنفيذ، والدقة في التنفيذ، وعدم مناقشة نفع الأوامر أو ضررها، وعدم محاولة تغييرها أو تغيير المسار المتبع في تنفيذها، بجانب الالتزام بمواقيت النوم والطعام والاستحمام والدخول والخروج، كل هذه العوامل ساعدت على ترسيخ مبدأ الانضباط داخل الثكنة العسكرية.

فظهر ذلك جليًا في التدريبات العسكرية، في طريقة سير الجنود وكيفية حمل السلاح والتقاطه وتغيير وضعيته لبدء إطلاق الرصاص، كل ذلك كان يتم تعليمه للجنود ليكونوا منضبطين داخل الآلة العسكرية.

ويتجلى الانضباط الكلي فيما فعله الجندي الذي أتى من صعيد مصر ليقضي مدة خدمته، وعندما حدثت أعمال شغب في إحدى قرى الصعيد ذهب لقمع الشغب فوجد والده مع الثائرين، فما كان منه إلا أن أطلق عليه الرصاص فأرداه قتيلاً، وعندما علم محمد علي بذلك كافأه.

أما ما يشوبه الغموض فهو لماذا قام محمد علي باشا بكل هذا المجهود لينشئ جيشًا مؤطرًا ودقيقًا ومُنضبطًا؟

بعدما انتزع محمد علي الحكم وقضى على مصادر تهديد حكمه من علماء الأزهر الأجلاء والمماليك الضعفاء، كان أول ما فكر فيه هو تكوين جيش قوي ليحمي مملكته ويثبت أركان دولته، فكانت القوى المسلحة في تلك الفترة هي الحامية العثمانية المُكَوَّنة من الأتراك والألبان، بجانب الحامية بِضع رتب مصرية اشتراها أصحابها أو ورثوها من أبائهم، ولكنهم قوة ضعيفة غير مدربة وغير صالحة لأن تصبح يد السلطان وسوطه القاهر. فشرع محمد علي في تجنيد الفلاحين وتدريبهم ليصبح لديه مخزون بشري مسلح يستطيع من خلاله الحفاظ على دولته والتحكم في أعمال الشغب الحاصلة داخلها.

إذن أقام محمد علي جيشًا ليبني دولة، ولم يكتفي بذلك بل استخدم نظام الجيش ليمتد إلى مساحات أخرى في المجتمع كالتعليم والتخطيط العمراني؛ لتصبح الدولة كلها ثكنة عسكرية يتحكم فيها من يتحكم في الجيش.

العالم بستان سياجه الدولة، الدولة سلطان تحيا به السنة، السنة سياسة يسوسها الملك، الملك نظام يعضده الجند، الجند أعوان يكفلهم المال، المال رزق تجمعه الرعية، الرعية جند يكنفهم العدل،العدل مألوف وبه قوام العالم، العالم بستان.

هكذا ذكر «ابن خلدون»، كيف يمكن بناء دولة؟، «فالدولة سلطان» لها سلطة متحققة على الأرض، لهذه السلطة قوة مادية ونفوذ تمكنها من تطبيق أوامرها، وعندنا في مصر هذه السلطة هي الآلة العسكرية التي تتحكم في مجريات الأمور وتتحرك من وراء حجاب ولا تظهر نفسها إلا قليلاً حتى لا يصبح عاريًا.

تختلف السلطة المتحكمة من دولة قومية إلى أخرى، فإذا كانت السلطة في مصر هي الجيش فهي في المملكة العربية السعودية آل سعود وفي دولة قطر هو الأمير.

فهل من المعقول أن يقوم مركز دراسات، يأخذ تمويله من رأس السلطة في الدولة القومية، بتعرية جذور السلطة وإظهارها للعامة؟

بالطبع لا، وبالتالي فقد أخطأ العديد ممن ظنوا أن الفيلم الوثائقي للجزيرة سيصبح قويًا ومزلزلاً ومبينًا لدور الجيش الذي امتد للمجتمع أجمع.

ما أظهره الوثائقي هو وجهة نظر العسكري الضعيف الذي يدخل ليقضي مدة خدمته في خدمة سيده الفعلي والمتحكم فيه وصاحب السلطة ليس فقط داخل الجيش بل في المجتمع المصري كله.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.