نشهد في ثقافتا المعاصرة طوفانًا في خطاب الحب، يفيض في مشارب عدة كالأشعار والسينما والمنصات الإلكترونية والتلفزيون وغيرها، بحيث قلّصته وجعلت له شكلاً واحداً –وهو الشائع- يتمثل في العلاقة بين الرجل والمرأة، لكن الحب ببساطة ليس التقاء شخصين من مناطق مختلفة وفق مبدأ الصدفة وإقامة علاقة وردية، وليس الحب صديق جمعتك به الحياة، وليس أن تحب نفسك وتترفع عمّن هم حولك. هذه كلها أشكال من الحب لا غير، شكّلت للأسف فراغ فكري وعقلي لدى الإنسان المعاصر.

فنتساءل إذن: ما الحب؟ وما طبيعة هذا الحبّ الذي يخترق كيان الإنسان المعاصر؟

الحب في القرآن الكريم ومع الرسول الأمين

سنبني حديثنا عن الحب ابتداءً بالتنقيب عنه في الثقافة الإسلامية، والمرجع الأول لهذه الثقافة العريقة التي بُنيت عليها ثقافات أخرى هو القرآن الكريم، وقد وردت كلمة «الحب» في القرآن الكريم (88) مرة، انفردت فيها آية واحدة للدلالة على الصلة بين الرجل والمرأة، وذلك في قوله جل جلاله:

﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾
[سورة يوسف/ آية 30].

وقد سبقت كلمة شغف في الآية الكريمة كلمة حباً للإفادة أن حب اِمرأة العزيز وصل إلى شغافها أي باطن قلبها، فاستحكمها وغلب عليها، والتصق بها التصاق الشغاف بالقلب. يقول الشاعر: [1]

إني لأهواكِ غير ذِي كَذبٍ *** قَد شُفَّ مِنِّي الأَحشاءُ والشَّغَفُ

وقد ارتبط الحب في القرآن الكريم بمعان أخرى، كالذين يحبون الله ويحبهم، ونحو ذلك من المعاني والدلالات التي تضبط سلوك الفرد وتحقق السلم المجتمعي، منها قوله جل ثناؤه:

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾
[سورة البقرة/ آية 165].

أو قوله تعالى:

﴿ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[سورة البقرة/ آية 216].

من هنا نقول إن الحب هرم أعلاه حب الله، جل جلاله، ورسوله (صلى الله عليه وسلم) وأدناه حب امرأة إن كان رجلا، وحب رجلاً إن كانت امرأة، وهذا حب محمود شرعاً وحث عليه في بعض الآيات من القرآن الكريم، وهو من حسن خلق المرء ورفعة أخلاقه، وذلك أن الإنسان بطبعه يميل إلى ذلك، خاصة إذا انضاف إليه كون الطرف الآخر على قدر كبير من الخلق والدين.

لم يخلو زمن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من نماذج الحب، كما أنه لنا في سيرته العديد من الشواهد الدالة على حبه لأمهات المؤمنين، رضي الله عنهم، وخاصةً عائشة (رضي الله عنها وأرضاها)، فلم يستحِ من الإفصاح عن حبه لها أمام المسلمين، والأحاديث المؤكدة لذلك كثيرة.

لم يمت الحب بموت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولا فني بفنائه، بل على العكس من ذلك، أحب من الخلفاء المهديين والأئمة الراشدين كثيرٌ، وسارو على نهجه في هذا الشأن كما ساروا على نهجه في شئون أخرى؛ أحبوا بعضهم ورقت قلوبهم لأزواجهم وعيالهم وذلك ثابت في أخبارهم، كما أحبّ أيضاً من الصالحين والفقهاء في الدهور الماضية والأزمان القديمة كثير.

جلسة في الحب مع «ابن القيم الجوزية»

الجميل في الأمر أنه انفردت كتب ورسالات للفقهاء والمحدثين قديماً في باب الحب، إمّا جواباً عن سائل سأل عن ماهية الحب كـ كتاب «الداء والدواء» لابن الجوزية و«طوق الحمامة في الألفة والألاف» لابن حزم الاندلسي، وأخرى أخذت المسألة بشكل عام كـ «الزهرة» لابن داود الأصبهاني و«روضة المحبين ونزهة المشتاقين» لابن القيم وكتاب «مصارع العشاق» لجعفر السراج، كما حفلت المكاتب العربية الإسلامية بدواوين كثيرة ومشهورة لشعراء هجوا ورثوا عن حالهم وحال محبوبهم.

ومن الصالحين التي وردت أخبارهم في هذا الباب، هو الإمام ابن الجوزية في الكتاب الذي ذكرناه سابقاً. حيث طرأ على الإمام سؤال عن رجل ابُتلي ببلية، إن استمرت به أفسدت دنياه وآخرته، وقد اجتهد في دفعها عن نفسه بكل طريق فما تزداد إلا توقداً وشدّةً، والداء المقصود ها هنا هو داء العشق، مرض مخالف لسائر الأمراض في ذاته وأسبابه وعلاجه، يقول ابن الجوزية:

فهل مع هذا كله من دواء لهذا الداء العضال؟ ورقية لهذا السحر القتال؟ وما الاحتيال لدفع هذا الخبال؟

وأنا أقول هل العشق مرض عضال وقتال؟ ألسنا نحيا بالحب؟

يُميِّز ابن جوزي بين محبة الله، عز وجل، والتعلق به، ومحبة غيره من العباد، فيُعد محبة العباد ابتلاء من الله عز وجل للإعراض عنه والشوق لغيره، «بل من أعرض عن محبة الله وذكره والشوق إلى لقائه ابتلاه بمحبة غيره، فيعذبه بها في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة» [2]، لذلك للحب في وجهة نظره مراتب أعلاها العلاقة وأدناها التيمم أو التعبد وهي كالآتي:

1. «العلاقة» وذلك لتعلق القلب بالمحبوب.

2. «الصبابة» وسميت بذلك لانصباب القلب إلى المحبوب

تشكّى المحبّون الصبابةَ ليتني *** تحملتُ ما يلقًون من بينهم وحدي

3. «الغرام» وهو لزوم الحب للقلب لزوماً لا ينفك عنه ومنه قوله تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ﴾
[سورة الفرقان/ آية 65].

4. «العشق» وهو إفراط المحبة، ولهذا لا يُوصف به الله، عز وجل، والعشاق ثلاثة أقسام (منهم من يعشق الجمال المطلق، ومنهم من يعشق الجمال المقيّد، سواء طمع بوصاله أو لم يطمع، ومنهم من لا يعشق إلا من يطمع في الوصول إليه).

5. «الشوق» وهو سفر القلب إلى المحبوب أحثّ السفر، وقد أُطلق على الله، عز وجل، وذلك لشدة شوق عباده إلى لقائه، المعنى الذي جاء في قوله، جل ثناؤه:

﴿ مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
[سورة العنكبوت/ آية 5].

6. «التيمم» وهو آخر مراتب الحب، وهو تعبد المحبوب لمحبوبه، ويُقال له «التعبّد»، فمن أحب شيئاً وخضع له فقد تعبّد قلبه له.

7. «الخلة» وهي كمال المحبة ونهايتها، بحيث لا يبقى في قلب المُحِب سعة لغير محبوبه.

والغرض من ذكر هذه المراتب في الحب التمييز بين أنواع المحبة التي يِدفع الجهل بها إلى الضلال وهي: (محبة الله/ ومحبة ما يحبه الله/ والحب لله وفيه/ والمحبة مع الله وهي الشرك/ والمحبة الطبيعية كمحبة النساء والولد…).

قول الإمام إن أنفع المحبة وأوجبها وأعلاها وأجلها محبة الله، تعالى، التي جبلت القلوب على إجلالها وتعظيمها والتذلل والخضوع والتعبد له سبحانه، وهو كمال الحب، لا يعني أنه ينفي محبة النساء إنما يعده من كمال المرء ومنّه ولطفه، عز وجل، به فقال:

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
[الروم/ آية 21].

فجعل، سبحانه، المرأة سكناً للرجل، يسكن قلبه إليها، وجعل بينهما خالص الحبّ، وهو المودة المقترنة بالرحمة.

فدواء المعشوقين هو النكاح، الذي جعله الله دواءً شرعاً وقدراً، وبه تداوى داود، عليه الصلاة والسلام، وورد عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «لم يُرَ للمتحابَّين مثلُ النكاح».

ماذا يقول سادة الحب في هذا الباب؟

كان للحب وما يزال مجلات رؤى مختلفة، فحينما نلقي نظرة في الباب الصوفي لا نلقاه فارغاً من الحب، وإن كان حباً من نوع آخر، حباً أسمى وأنقى مما في حقيقة الأمر، لأنه مُتعال عن الحب الحسي إلى الحب الإلهي، ونحن هنا نريد أن نطل من هذه النافذة، لأنه ليس من المعقول أن نُقر أن سادة الصوفية لم يكن لهم أثر في الحب الحسي، إنما عرفه بعضهم في مطلع الشباب ومنهم من عرفه وهجره معتقداً أنه بلاءً وامتحان من عند العلي القدير، ومن العلماء الأجلّاء من أكد ذلك.

فقد رأى ابن الجوزية في كتابه «تلبيس إبليس» أن أكثر المتصوفة قد سدوا على أنفسهم باب النظر إلى النساء الأجانب لبعدهم عن مصاحبتهن وامتناعهم عن مخالطتهن، واشتغلوا بالتعبد عن النكاح، وقصدوا الزهد في الدنيا والانصراف عنها إلى الآخرة [3]، لكن لا بد أن نشير إلى أن هذا مسلك اختص به بعض من الصوفية عن غيرهم، فالمخلصون من الزُهّاد والصوفية تنبه لهذا المسلك فاحبوا وتناسلوا اقتداءً وأسوةً بالرسول الكريم الأمين (صلى الله عليه وسلم)، وامتثالاً لأمر الله، سبحانه، في التنزيل الكريم، يقول إسحاق بن إبراهيم الصوفي:

أرواح العشاق عطرة لطيفة، وأبدانهم رقيقة خفيفة، نزهتهم المؤانسة، وكلامهم يُحيي موات القلوب، ويزيد في العقول؛ ولولا العشق والهوى لبطل نعيم الدنيا.

يرى جمهور المؤلفين في الحب أن المحبين لا يخلون من نزعة صوفية، فابن داود صاحب «الزهرة»، وابن حزم صاحب «طوق الحمامة»، وابن القيم صاحب «الروضة»، والأنطاكي صاحب «تزيين الأسواق». كل أولئك فيهم نفحات صوفية، والجمع بين النزعة الحسية والروحية يُظهِر لهم من الأمور التي لا تحتاج إلى جدل ولا تأويل.

نفحات أندلسية عن الحب

لا بد من إعطاء التحليل الأندلسي كذلك قيمته الحقيقية من أجل إغناء هذا النقاش، وذلك من خلال استحضار نموذج المفكر والفقيه «ابن حزم الأندلسي» في كتابه «طوق الحمامة»، فما ذهب إليه أن الحب اتصال بين أجزاء النفوس المقسومة (أي روحين متحابين) في هذه الخليقة في أصل عُنْصرها الرفيع.

فالمحبة لسبب من الأسباب تفنى بفناء سببها، فلو ارتبط الحب بحسن الصورة الجسدية لوجب ألا يوجد ذلك، لأن العشق الصحيح الممكن من النفس هو الذي لا فناء له إلا بالموت، وما دونه من ضروب المحبة تكون منقضية بانقضاء عللها وزائدة بزيادتها وناقصة بنقصانها، متأكدة بدنوها فاترة ببعدها. وهناك محبة المتحابَّين لسر يجتمعان عليه يلزمهما ستره. وهناك محبة بلوغ اللذة وقضاء الوطر أو محبة التصاحب والمعرفة.

كما أن للحب علامات عند ابن حزم، يقفوها الفطن ويهتدي إليها الذكي؛ فأولها، إدمان النظر، فترى الناظر لا يطرف، يتنقل بتنقّل المحبوب، وينزوي بانزوائه، ويميل حيث مال. ومنها الإقبال بالحديث والإنصات لحديثه وتصديقه وإن كذب وإن ظلم وإن جار، ومنها اضطراب يبدو على المُحِب عند رؤية من يشبه محبوبه أو عند سماع اسمه، ومنها أن يجود المرء ببذل كل ما كان يقدر عليه. كل هذه العلامات قبل استعار نار الحب وتأجج حريقه، وهي كثيرة لا مجال لنا هناك لذكرها كلها. [4]

وفي الختام، نقول إنه لا يمكننا أن نحبّ دون الوقوع في الحبّ، إنها مُسلّمة بديهية بحيث لا يمكن لكل شعور يسمى حبّاً إلا وأن يُبنى عليها؛ فالحبّ الذي يسوقه دعاة الرأسمالية اليوم والقائم على قتل «الصدفة في الحبّ» من خلال إنشاء منصّات إلكترونية للبحث عن الحبّ، لا يغدو أن يكون سوى عملية تسليع للشعور ووضعه ضمن خانة «كل شيء آمن»… فقط يمكنك الضغط على الزر. فغدا الحب اليوم مختزلاً في الغرائز الفطرية، وتمثل كل طرف للطرف الآخر على أنه جسد لتبادل المتعة، الأمر الذي أنتج الانحرافات والأمراض النفسية والعاطفية والأخلاقية.

المراجع
  1. لسان العرب، لابن منظور، حققه عبد الله علي الكبير وآخرون، دار المعارف، القاهرة، ص 2258.
  2. كتاب الداء والدواء، أبي بكر بن أتون ابن قيم الجوزية، حققه محمد أجمل الإصلاحي، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع، 1429ه، ص521.
  3. كتاب تلبيس إبليس، للحافظ الإمام جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي البغدادي، دار القلم، بيروت، 1403ه، ص284.
  4. كتاب طوق الحمامة في الألفة والألاف، لابن حزم الاندلسي، دار التقوى، القاهرة، الطبعة الأولى، 2017م، ص 25.