بكل فخر، نشرت صفحة السفارة المصرية بالولايات المتحدة الأمريكية على موقع «تويتر»، قبل أيام، اقتباسات من شهادة أدلى بها قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال «فوتيل – Votel»، أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ «SASC Majority»، عن مصر. التغريدات التي نشرتها صفحة السفارة كدليل على عمق العلاقات المصرية – الأمريكية، كشفت – دون قصد على الأرجح – عن توقيع القاهرة وواشنطن على اتفاقية «CISMOA» المثيرة للجدل، مطلع العام الحالي.


ماذا قال فوتيل عن مصر؟

وفق تغريدات السفارة المصرية بأميركا فإن الجنرال فوتيل قال نصًا «إن مصر تظل مرساة للمصالح الأمريكية في المنطقة. مصر شريك أساسي في مواجهة تدفق المقاتلين الأجانب، والمعدات، والدعم المالي للمتطرفين العابرين من ليبيا عبر مصر إلى المنطقة الوسطى. مصر تدعم طلباتنا في التحليق، وتضمن عبورنا قناة السويس، وتشاركنا التزامنا بهزيمة داعش. حجر الزاوية في هذه العلاقة هو المساعدات الأمنية». وأضاف: «كدليل على دعمنا المستمر لجهود مصر، طلب الرئيس من الكونغرس تقديم 1.3 مليار دولار كمساعدات عسكرية لمصر في عام 2018، على الرغم من الأعباء المتزايدة لميزانيتنا».

أما التغريدة التي أثارت الكثير من الجدل والتساؤلات، فنقلت فيها السفارة المصرية عن الجنرال فوتيل قوله: «في يناير 2018، احتفلنا بالتوقيع الناجح على اتفاقية مذكرة التشغيل التبادلي للاتصالات وأمنها (CIS MOA) ، والتي توّجت 30 عامًا من الجهود لتعزيز الأمن والتعاون في مكافحة الإرهاب».


ما هي اتفاقية «CISMOA»؟

«CISMOA» اختصارً لـ Communication Interoperability and Security Memorandum Agreement، أي «اتفاقية مذكرة التشغيل التبادلي للاتصالات وأمنها». وكما هو واضح من بعض وثائق «ويكيليكس»، فإن الدولة الموقعة على هذه الاتفاقية تقوم بربط أنظمتها وأجهزة اتصالاتها العسكرية مع الأنظمة الأمريكية بحيث تكون مقروءة لها، وهو ما يجعل أي أمر يصدر من هذه الأجهزة مفهوم للأجهزة الأمريكية. في مقابل هذا، تتيح الولايات المتحدة للدولة الموقعة على هذه الاتفاقية الحصول على أحدث النظم التسليحية المتاحة بكامل إمكانياتها، أما الدول التي ترفض التوقيع عليها فتحصل على سلاح أمريكي محدود الإمكانيات.

يتوسع البعض في تعريف «CISMOA» ويقول إنها تشمل السماح للقوات الأمريكية بالمرور واستخدام مجال مصر الجوي والعسكري والبحري، والارتكاز بأراضيها وقت العمليات العسكرية، والدفاع عن الأراضي المصرية عسكريًا لو حصل الاعتداء العسكري عليها، وفي حالة الحرب تكون قوات مصر العسكرية تابعة للقيادة المركزية الأمريكية. هذا الكلام غير دقيق، ويخلط بين اتفاقية «CISMOA» المتعلقة بتشغيل وتأمين أجهزة الاتصالات العسكرية، واتفاقيات عسكرية أخرى مثل: «LSA Logistics Supply Agreement» المتعلقة بتزويد القوات العسكرية للبلاد الموقعة عليها بالخدمات اللوجيستية.

انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي أحاديث مفادها أن «CISMOA» ستسمح للولايات المتحدة بالتفتيش الدوري على الأسلحة التي ستحصل عليها مصر، للتأكد من عدم نقل التكنولوجيا لطرف ثالث. الحقيقة أن «CISMOA» ليس لها علاقة مباشرة بالسماح للولايات المتحدة بالتفتيش على أسلحتها بمصر، فتفتيش واشنطن على أسلحتها المباعة للقاهرة إجراء متبع منذ بدء حصول مصر على أسلحة أمريكية. يدلل على هذا برقية سرية نشرتها ويكيليكس، يعود تاريخها إلى مارس/ آذار 2009، تتحدث عن التحقيق في ارتكاب مصر لانتهاكات متعلقة باستخدام الأسلحة الأميركية، من بينها السماح لمسؤول عسكري صيني بزيارة طائرة F-16 داخل منشأة تابعة لسلاح الجو المصري، وهو ما يؤكد وجود تفتيشات دورية.


مصر من رفض «CISMOA» إلى الموافقة عليها

تقوم الدولة الموقعة على هذه الاتفاقية بربط أنظمتها وأجهزة اتصالاتها العسكرية مع الأنظمة الأمريكية بحيث تكون مقروءة لها.

كما يقول قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال فوتيل، فإن مصر رفضت على مدى ثلاثة عقود التوقيع على اتفاقية «CISMOA». وتؤكد العديد من الوثائق السرية التي سربتها ويكيليكس حديث «فوتيل». ففي وثيقة تعود لشهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2005، قال مسؤول أمريكي إن «غياب التوافقية بين الجيشين المصري والأمريكي يشكل تحديًا لزيادة المشاركة العسكرية. إذ لا يوجد أي احتمال بأن توقع مصر إما على مذكرة اتفاقية أمن الاتصالات (CISMOA) أو اتفاقية الاستحواذ والخدمات المشتركة (ACSA) على المدى القريب. بموجب تعليمات من القيادة المركزية الأمريكية، توقفنا مؤقتًا عن التحدث عن (CISMOA) مع وزارة الدفاع (المصرية) لأن عدم إحراز تقدم بشأن هذه المسألة كان له تأثير سلبي على العلاقة».

قال اللواء العصار للمسؤولين الأميركيين إن «مصر لديها أسباب لتأجيل اتخاذ قرار بشأن الاتفاقية».

وفي وثيقة تعود لسبتمبر/ أيلول 2007، ظهر بوضوح رفض وزارة الدفاع المصرية التوقيع على الاتفاقية، وجاء على لسان اللواء محمد العصار، وزير الإنتاج الحربي حاليًا ومساعد وزير الدفاع لشؤون التسليح خلال وقت البرقية، أن «مصر لن تغير موقفها من الاتفاقية»، كما رفض التوضيح كتابة سبب الرفض المصري. وفي وثيقة أخرى تعود لعام 2010، قال اللواء العصار إن «مصر لديها أسباب لتأجيل اتخاذ قرار بشأن الاتفاقية».

من المرجح أن الولايات المتحدة استمرت في محاولاتها لإقناع مصر بالموافقة على اتفاقية (CISMOA) خلال عهود المجلس العسكري، والرئيس الأسبق محمد مرسي، والرئيس السابق عدلي منصور، لكن هذه المحاولات باءت بالفشل كما هو واضح، إذ لم يتم التوقيع على هذه الاتفاقية سوى في مطلع العام الجاري، أي في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي. ومن غير الواضح أسباب موافقة مصر الآن على التوقيع على اتفاقية سبق ورفضتها مرارًا على مدى عقود ثلاثة حفاظًا على سيادتها، وما إن كان هناك إغراءات أميركية لمصر للتوقيع على الاتفاقية أم أن مصر اكتشفت فجأة أن التوقيع عليها يصب في مصلحتها !