في نهاية النصف الأخير من القرن الخامس عشر يقترب آخر ضوءٍ من سنا الأندلس من الزوال بغير رجعة، تلك الشمس التي علّمت الدنيا معنى الحضارة والعلوم والتعايش لما يقرب من ثمانية قرونٍ خلت، حينما كانت قرطبة الأندلس حاضرة الغرب الزهراء ومدينتها الكبرى سكانًا وعلمًا وفضلًا، فيصفها «أحمد بن محمد المقري» نقلًا عن «أبي سعيد» بقوله:

ومن محاسنها ظرف اللباس، والتظاهر بالدين، والمواظبة على الصلاة، وتعظيم أهلها لجامعها الأعظم، وكسر أواني الخمر حيثما وقع عين أحد من أهلها عليها، والتّستر بأنواع المنكرات، والتفاخر بأصالة البيت وبالجندية وبالعلم، وهي أكثر بلاد الأندلس كتبًا، وأشدّ الناس اعتناءً بخزائن الكتب، صار ذلك عندهم من آلات التّعيّن والرياسة، حتى إنّ الرئيس منهم الذي لا تكون عنده معرفة يحتفل في أن تكون في بيته خزانة كتب، وينتخب فيها ليس إلّا لأن يقال: فلان عنده خزانة كتب، والكتاب الفلاني ليس عند أحد غيره، والكتاب الذي هو بخطّ فلان قد حصّله وظفر به. [1]

استغاثات الأندلس

لِكُلِّ شَيءٍ إِذا ما تَمّ نُقصانُ *** فَلا يُغَرَّ بِطيبِ العَيشِ إِنسانُ
هِيَ الأُمُورُ كَما شاهَدتُها دُولُ *** مَن سَرّهُ زَمَن ساءَتهُ أَزمانُ
دهى الجَزيرَة أَمرٌ لا عَزاءَ لهُ *** هَوَى لَهُ أُحُدٌ وَاِنهَدَّ ثَهلانُ
مطلع نونية «أبي البقاء الرندي» في رثاء الأندلس.

تبدلت الأحوال واختلف الزمان على أهل الأندلس، ففي مشهد الفصل الأخير من القصة، وبعد أن انحسر ذلك المُلك إلى رقعة صغيرة تغطي غرناطة وبعض القرى حولها فحسب، تحاصر جيوش فرديناند وإيزابيلا آخر بقاع الإسلام بالغرب، فيرسل أهل الأندلس في محنتهم عددًا من السفارات إلى حواضر العالم الإسلامي القوي، إلى سلاطين القاهرة وإسطنبول وفاس وباقي أرض الإسلام، بأن أنجدونا وأغيثونا أغاثكم الله!

خرج آخر نداء استغاثة من أولئك اللاجئين الأوائل في صورة شعرٍ كعادة العرب، حيث تلاه سفرائهم في بلاط السلاطين:

ســـلام عليكم من عبيد تخلفوا *** بــــأندلس بالغرب في أرض غربة
أحــاط بهم بحر من الردم زاخر *** وبــــــــحر عميق ذوظلام ولجة
ســلام عليكم من عبيد أصابهـم *** مـصاب عــــظيم يالها من مصيب
سلام عليكم من شيوخ تمزّقت *** شيوخهمُ بالنتف من بعد عــزة

لم تعطَ تلك الاستغاثات والصرخات العناية والرعاية الواجبتين، علّه لكي ينفذ أمر الله وتظهر سنّته وليقضي الله أمرًا كان مفعولًا، فلم يملك المماليك في مصر والشام غير التضييق على مسيحيي مصر وبيت المقدس والتهديد بغلق كنيسة القيامة بالقدس، وما فعل بنو عثمان بالأناضول غير إرسال بعض السفن لتُجلي ما تقدر عليه من مسلمي ويهود الأندلس، غير أنّ ذلك لم يكن لقلة حيلة أو عتادٍ أبدًا، فقد كان المسلمون مشغولين بضرب الرقاب، غير أنّها رقاب بعضهم البعض في أوج النفير للحرب المملوكية-العثمانية.

فقد كان المماليك يقاتلون بعضهم من جهة، والعثمانيون يقاتلون بعضهم من جهة، ويتقاتل المماليك والعثمانيون مع بعضهم من الجهة الأخرى. وفي وسط التخاذل خفتت أصوات نكب المنكوبين وصراخ المستصرخين من أهل الأندلس رويدًا رويدًا، فصرخات المنكوبين والمستغيثين لا تُسمَع وسط ضجيج الاستقتال على الملك العضود.

تهدأ صرخات أهل الأندلس إمّا بقتلهم أو بتنصيرهم أو بطردهم، ويكسر هذا الصمت المحزن باقي رثاء الرندي لأندلسه فيقول لائمًا:

يا راكبينَ عِتاقَ الخيلِ ضامرةً *** كأنها في مجالِ السَّبقِ عُقبانُ
وحاملينَ سيوفَ الهندِ مُرهفةُ *** كأنها في ظلامِ النَّقع نِيرانُ
وراتعينَ وراءَ البحرِ في دَعةٍ *** لهمْ بأوطانهمْ عِزٌّ وسُلطانُ
أعندكم نبأٌ منْ أهلِ أندلسٍ *** فقدْ سرى بحديثِ القومِ ركُبانُ
يا مَنْ لذلةِ قومٍ بعدَ عزَّتِهِم *** أحالَ حالهُمُ كفرٌ وطُغيانُ
بالأمسِ كانوا ملوكًا في منازِلِهِم *** واليومَ همْ في بلادِ الكفرِ عُبدانُ

لام «أبو البقاء» إخوانه وراء البحر لسكوتهم على نكبة أهل الأندلس، لم يكن يعلم أهل وراء البحر أن نكبة الأندلس ولعنة خذلانها ستمتد وتشمل الجميع، وتُسقِط معها حواضر الإسلام وأممه جمعاء. كلما رأت أمة أختها تُنكب مصمصت شفاهها وحوقلت ثم قالت: أعانهم الله على ما بلاهم والحمد لله الذي عافانا.

تأثير سقوط الأندلس

عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قوله: «ما من امرئ يخذل امرءًا مسلمًا، في موطنٍ ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته».
حديث شريف.

لم تفلح سفارات غرناطة ولم تصل إمدادات المسلمين واضطر «أبو عبد الله الصغير» لتسليم فرديناند وإيزابيلا صاحبي أراجون وقشتالة -إسبانيا لاحقًا- مفاتح استسلام غرناطة، آخر معاقل الأندلس، عام 1492. وبعدما دقّت أجراس انتصار مملكتي إسبانيا والبرتغال الكاثوليكيتين على أنقاض مآذن الأندلس، كان الهدف واضحًا، وهو الانتقام من المسلمين على غزو الأندلس وعلى سقوط القسطنطينية وهلاك دولة الروم على يد العثمانيين عام 1453، يتحقق ذلك باكتشاف طرق جديدة للتجارة مع الهند والصين بعيدًا عن العالم الإسلامي الذي يتحكم ويغتني من كافة طرق التجارة بين الشرق والغرب. وبذلك كان سقوط الأندلس الحلقة الأولى في سلسلة من الأحداث التي دمرّت حواضر العالم الإسلاميّ جمعاء، وسبّبت تخلفه وتأخره عن منافسه الغربيّ.

ففي نفس سنة سقوط غرناطة انطلقت سفن «كريستوفر كولومبوس» لتحقيق الهدف المنشود، فحقق كولومبوس ما اعتقده الهدف، حيث وصل أرضًا اعتقدها الهند، وسمّى أهلها بالهنود الحمر بعدما أبحر غربًا، كانت تلك الأمريكيتين اللتين قام الأوروبيون باستعمارهما وشحن ثرواتهما الجديدة الهائلة لممالكهم.

أمّا البرتغاليون فقد قاموا بترجمة وفك أسرار علوم الفلك والملاحة الأندلسية، وطوّروا قواربهم وانطلقوا بها شرقًا لاحتلال سواحل غرب إفريقيا والدوران حولها، ومن ثمّ كان اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح من غرب أوروبا إلى الهند، ثم بعدها أغرقت الحملات البرتغالية العديد من السفن التجارية المملوكية وأغلقت البحر الأحمر في وجه المسلمين.

حاول المماليك فك الحصار واستعادة السيطرة على التجارة بالتحالف البحري بينهم وبين مسلمي الهند، وحققوا عددًا من الانتصارات في المعارك البحرية في البدء، غير أنّ البرتغاليين أجهزوا على الأسطول المسلم في معركة ديو عام 1509 بعد أقل من عشرين عامًا من سقوط الأندلس، وبذلك احتكرت البرتغال طرق التجارة مع الهند وشرق آسيا، وضيّقت على تجارة المصريين، ما أوقع القاهرة في ضائقة عظيمة أدت لإفلاس خزانة المماليك، فساعد على انقضاء دولتهم.

وعلى ذلك، تم بالفعل تدمير الشريان الاقتصادي للعالم الإسلامي، وهو تجارة كانت تأتي من الصين والهند وشرق آسيا إمّا برًا عبر فارس ثم العراق ثم الشام والحجاز ثم مصر ومنها إلى أوروبا، وإمّا بحرًا عن طريق جزيرة العرب ثم اليمن ثم البحر الأحمر ثم الحجاز إلى مصر ومنها إلى أوروبا.

استُبدل كل ذلك بخط مباشر بين مستعمرات الأوروبيين بالهند مباشرةً إلى أسواقهم بأوروبا، ثم انتقلت ملكية البحار واحتكار التجارة من البرتغال وإسبانيا إلى إنجلترا وهولندا، لتنتعش الأسواق الأوروبية بحركة تجاريةٍ احتكارية غير مسبوقة، فقد تم تقليل تكلفة إنتاج التوابل والتبغ والسكر عن طريق استعباد أهل المستعمرات للعمل بأبخس الأثمان، إلى جانب تقليل تكلفة نقل تلك السلع بإلغاء ما كان تستقطعه الممالك الإسلامية في ذلك الخط التجاري. وفي أقل من مائة عام خطا الاقتصاد الأوروبي خطواتٍ عملاقة دفعتهم دفعًا لإنهاء النظام الإقطاعي الزراعي واستبداله بالتصنيع، وبذلك كانت شرارة عصر النهضة الأوروبية.

في المقابل كان الشرق لا يزال يقبع تحت النظام الزراعي كرافد دخله الأساسي، فلم تفلح الخلافة العثمانية في منافسة أوروبا التي تملك بحار الشرق والغرب وتجارتهما، مما أفشل تحوّل الخلافة العثمانية للتصنيع رغم المحاولات المتكررة ورغم النجاحات العسكرية الأولى، ومن هنا بدأت الأمور تنقلب وصارت السيادة المطلقة للأوروبيين في مجالات العلوم والصناعة والعسكرية.

عاقبة خذلان المظلومين

الروم تضرب في البلاد وتغنمُ *** والجـور يـأخـذ مـا بقي والمغرمُ
والمــال يــورد كــله قــشــتــالة *** والجـنـد تـسـقـط والرعـية تسلمُ
وذوو التـعـيـن ليـس فيهم مسلم *** إلا مـعـيـن فـي الفـسـاد مـسـلِّمُ
أسـفـي على تلك البلاد وأهلها *** الله يـلطـف بـالجـمـيـع ويرحمُ
الأبيات للشاعر «أبو عبد الله محمد الفازازي»، وقيل إنها وُجدت برقعة في جيبه يوم موته، فرُفعت لسلطان بلده، فلمّا وقف عليها قال بعدما بكى: «رحمه الله، ولو كان حيًّا لضربت عنقه». [2]

فهل ترى الشاهد من قصة الحزن تلك؟ خذلان المظلومين يُوجِب اللعن في الدنيا -على الأقل- ويوجب الهزيمة المؤكدة للآمنين وقتًا، لم يكن هذا كلّه ليحدث لو وقف المسلمون كالجسد الواحد أمام عدوهم الذي وقف حينها كالجسد الواحد تلبيةً لنداء البابا.

ننظر اليوم خلفنا للأندلس فنقول ما بال هؤلاء القوم يقتتلون على إماراتٍ صغيرةٍ والعدو يتحد ليأكلهم تباعًا؟ ما بال المسلمين لم يهرعوا لنجدة إخوانهم المستصرخين واللاجئين الذين نكّل بهم عدوهم؟ لا نعلم أننا نعيش أندلسًا بعد أخرى، ولعنةً بعد أخرى، فبعد الأندلس ستسقط القاهرة على أيدي الفرنسيس، وإسطنبول على أيدي الإنجليز، وسيسقط الأقصى ويُنكَب أهله ويُنكّل بهم على أيدي الصهاينة، وستضرب لبنان، ويُحاصر العراق، وتحترق سوريا، ويجوع اليمن، وما زال المسلمون يمصمصون شفاههم ويحوقلون ثم يقولون أعانهم الله على ما بلاهم، والحمد لله الذي عافانا.

ولا تزال سنة الله جارية، ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

المراجع
  1. المقري التلمساني، «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب»، ج2 (488/8)، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الخامسة.
  2. المقري التلمساني، «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب»، (467/4)، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الخامسة.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.