شكل فشل العملية الاستخباراتية لفرقة «سييرت متكال» شرقي مدينة خان يونس (الأحد 11 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري) صدمةً كبيرة لحكومة بنيامين نتنياهو، قَلَبتها رأسًا على عقب وجعلتها تمر بأزمة سياسية كادت تُسقطها. بنيامين نتنياهو ذلك الذي حافظ على مكانته في رئاسة الحكومة منذ العام 2009 خلفًا لإيهود أولمرت.

لم يتوقف الفشل الاستخباراتي عند هذا الحد، حتى تبعه فشل استخباراتي آخر، حيث أكدت مصادر لدى المقاومة أن تقدير الجانب الإسرائيلي للموقف خلص إلى أن المقاومة ستكتفي بقتل الضابط الإسرائيلي وإلحاق خسائر فادحة في صفوف القوة المتسللة، ولن تذهب لأي عملية عسكرية نوعية تضر بالجهود المبذولة لتحقيق اتفاق هدوء طويل الأمد.

لكن على جانب المقاومة كانت غرفة عملياتها المشتركة تدير المعركة بحكمة واقتدار، ومن منطلق الصدمة. وفي تمام الرابعة عصرًا بتوقيت القطاع كانت عناصر تابعة لوحدات الدروع التابعة لكتائب القسّام وبإشراف من غرفة عمليات المقاومة ترصد صيدًا ثمينًا؛ حافلة تحمل أكثر من 50 جنديًا إسرائيليًّا دفعة واحدة وهم في طريقهم لقاعدتهم العسكرية، والواضح أن عناصر القسّام في تسجيل الفيديو الذي بُث لاحقًا أرادوا أن يوصلوا رسالة للعدو أنه كان بإمكانهم إرداء جميع القوات قتلى، لكن القوة القسامية انتظرت الحافلة حتى أفرغت حمولتها، ومن ثم استهدفتها، في رسالة واضحة أن المقاومة قادرة على الدخول للعمق وإصابة جنود العدو بالصدمة.

وبمجرد أن انتهت عناصر القوة القسامية من عملية استهداف حافلة الجنود حتى فتحت جميع الفصائل المقاومة المشاركة في غرفة عمليات المقاومة النار على مواقع العدو ومستعمراته بشكل متزامن في عملية استمرت لـ 48 ساعة، قصفت فيها غرفة العمليات مواقع العدو بأكثر من 400 صاروخ وقذيفة وعلى نطاق 20 كم فقط، حيث أدارت القيادة الفلسطينية أسلوب القصف ومكانه على مبدأ «إن زادوا زدنا»، لكن ثمة حدثًا أربك قيادة العدو، وهو القدرة التدميرية، حيث وجهت المقاومة ضربة صاروخية بعدد من الصواريخ لمدينة عسقلان أسفرت عن تضرر العديد من المباني، وشُرد نحو 15 أسرة، و40 مستوطنًا لا يزالون يعيشون في فندق في عسقلان.

وفي الأخير وافقت حكومة العدو على وقف إطلاق النار مع المقاومة الفلسطينية، بعد ساعات من هذه الضربات الصاروخية، بوساطة مصرية.


انشقاق في حكومة العدو

شكل وقف إطلاق النار القشة التي قسمت ظهر حكومة نتنياهو وأدت لاستقالة وزير الجيش الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان وسحب أعضاء حزبه من الحكومة بهدف إسقاطها، متذرعًا بما عده فشل المستوى السياسي الإسرائيلي ضد غزة وجبن المجلس الأمني الصهيوني في اتخاذ قرار حرب ضدها.

تزامن ذلك مع مظاهرات عارمة لمستوطني مدن غلاف غزة، مطالبين حكومة نتنياهو بإيجاد حل جذري لهم، أشعلوا الإطارات المطاطية وأغلقوا الطرق، لكن في النهاية استطاع نتنياهو الحفاظ على حكومته، موجهًا خطابًا للإسرائيليين أن (الدولة الإسرائيلية) تمر بظروف حساسة، وأن إسقاط حكومة اليمين سيسبب ضررًا كبيرًا لـ (الدولة)، مشددًا على أنه لا مكان للمكاسب السياسية والاعتبارات الشخصية.

الملاحظ أن نتنياهو وعد بالعمل لحماية (الدولة) على أكثر من جبهة، فيما قال وزير التعليم نفتالي بينيت إنه أرجأ استقالته من حكومة نتنياهو لوعدٍ قطعه نتنياهو باستعادة الردع الإسرائيلي. وهنا سنستعرض الخيارات التي يمكن لنتنياهو أن يلجأ لها لاستعادة الردع الإسرائيلي، وبماذا يمكنه التفكير لاستعادة شعبيته.

الخيار الأول:

أن يذهب نتنياهو لتصعيد عسكري في شمال فلسطين، حيث يرى وقيادة الجيش الاسرائيلي أن الأولوية الآن مواجهة التموضع الإيراني في سوريا ونمو القدرات العسكرية لحزب الله، هذا الخيار يأتي متزامنًا مع زيارة أجراها رئيس أركان جيش العدو غادي أيزنكوت الأربعاء 20 نوفمبر/ تشرين الثاني، أي بعد أيام من استقالة ليبرمان، حيث حذر من التموضع الإيراني في سوريا، مشيدًا بالجهود الإسرائيلية للحفاظ على جهوزية قواته واستعرض الاستعداد والجهوزية لقيادة المنطقة الشمالية لمواجهة مجمل السيناريوهات المحتملة.

الخيار الثاني:

أن يذهب نتنياهو لتصعيد عسكري ضد غزة، مكررًا في ذلك فعلة عدد من رؤساء الحكومات الإسرائيلية الذين شنوا الحروب ضد غزة للحفاظ على شعبيتهم بين الجمهور الإسرائيلي، ويتزامن هذا الخيار أيضًا مع تصريحات من وزير الإسكان يؤاف غالانت الذي لوح بقرب اغتيال السنوار، وكذلك وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي غلعاد أردان الذي قال: «الانتقال من الدفاع للهجوم ضد حماس معناه عمليات اغتيال دقيقة تستهدف قادة الجناح العسكري لحركة حماس». وأضاف أن إسرائيل «أقرب من أي وقت مضى» للسيطرة مجددًا على قطاع غزة.

الخيار الثالث:

وهو أن يُبقي نتنياهو الحال على ما هو عليه، وألا يشن أي هجوم عسكري كبير، وأن يحافظ على الوضع الحالي، وأن يقوم ببعض العمليات الأمنية الاستخباراتية ضد حماس وحزب الله وسوريا، حيث يرى نتنياهو أن العمليات الأمنية التي تنفذها أذرع الاستخبارات الإسرائيلية ذات أهمية ونجاعة أكبر من تنفيذ أي عمل عسكري قد يسبب ضررًا في البنية التحتية الإسرائيلية، وهذا هو الاحتمال الأقرب للتحقق.

وهنا نستذكر عددًا من الدلائل التي تدفعنا للميل إلى الاحتمال الأخير:

  1. نتنياهو جاء من عقر مؤسسة السييرت متكال ذات القوة النوعية في العمليات الخاصة والسرية، وهو يؤمن بقدراتها.
  2. موقف قيادة أركان الجيش التي كررت مرارًا وتكرارًا أنها لن تدخل في حرب هي في غنى عنها «في إشارة للوضع في قطاع غزة».
  3. النجاحات العملياتية للفرق والقوات النخبوية الخاصة الإسرائيلية في الداخل الفلسطيني أو الخارج، كعملية الاستيلاء على الأرشيف النووي الإيراني، وعمليات اغتيال عقول المقاومة الفلسطينية في الخارج، وعمليات القصف الجوي على القوات السورية ومقاتلي حزب الله في لبنان.
  4. الانفتاح العربي للتطبيع يدفع نتنياهو للتخفيف من ساحة المعارك كي يقوم بعمليات تطبيع بشكل علني دون أي ضغوط شعبية على الحكومات التي ستقوم بالتطبيع، وهنا يجب الإشارة إلى أن نتنياهو قد أسر لحاخامات إسرائيل أن هناك زيارة رسمية لبلد في الشرق الأوسط عما قريب.
  5. القوة النوعية للمقاومة الفلسطينية واللبنانية تدفع العدو للتفكير مليًا قبل الدخول في أي مواجهة معهما، حيث إن لدى العدو بعض التقديرات الاستخباراتية التي تؤكد امتلاك المقاومتين قدرات عسكرية ستسبب ضررًا فادحًا في البنية الإسرائيلية.

وخلاصة الموقف الحالي أن ما ذكر أعلاه قد يتغير في أي لحظة ومع كل حدث أو طارئ، فالمؤكد أن نتنياهو يرغب حاليًا في حشد الجمهور الإسرئيلي حوله وإرضائه، وذلك عقب خسارته في آخر استطلاعات الرأي، لذا فإنه يسعى للعمل الجاد حتى مايو/ أيار المقبل كي يحل الكنيست الإسرائيلي ويعلن عن حكومة جديدة.

يفضل نتنياهو مايو/أيار المقبل لأنه على موعد مع طرح صفقة القرن الأمريكية، والتي بالتأكيد ستنال رضا الإسرائيليين، بالإضافة لأن هناك دولًا عربية بعينها ستدعم أي مشروع أمريكي حتى لو كان على حساب الشعب الفلسطيني، كذلك لأن نتنياهو قد يحظى برياح التطبيع ربيع العام المقبل، الأمر الذي يرى الإسرائيليون أنه أسواق جديدة للشركات الإسرائيلية ومزيد من الأموال والسياح وغير ذلك.

لكن الحذر مطلوب وواجب في ظل عدة قرائن سابقة لرؤساء حكومات إسرائيلية، سعوا لتجديد ثقتهم عند الناخب الإسرائيلي عبر الدم الفلسطيني، والمناخ العربي المطبع الحالي يشجع العدو الإسرائيلي على التخلص من كل رافض وكل من يعكر صفو الحميمية العربية مع الاحتلال الإسرائيلي.