يرتبط الأداء المتميز للمنتخب البرازيلي تاريخيًا بالقميص الأصفر الذي أصبح رمزًا عالميًا للفرحة. قميص يُذكر عشاق المنتخب البرازيلي والكرة العالمية بالإنجازات التاريخية للمنتخب، وبأفضل اللاعبين في تاريخ اللعبة. لاعبون داعبوا كرة القدم بطريقة مختلفة عن سابقيهم، وابتدعوا طرقًا خاصة بهم تميزوا بها عن غيرهم.

بيليه وزيكو وسقراط، الذين نقلوا عالم كرة القدم إلى مستوى جديد في النصف الثاني من القرن العشرين، وآخرون ظهروا في منتصف حقبة التسعينيات إلى الألفية الثالثة مثل الظاهرة رونالدو ورونالدينيو وكاكا، وغيرهم ممن جعلوا القميص مرادفًا لمجد الكرة البرازيلية وسحرها ومتعتها.

اشتهر القميص البرازيلي شهرة واسعة، ولم تقتصر شهرته على البرازيل فقط، فأصبح من الطبيعي أن ترى أشخاصًا يرتدون القميص البرازيلي في بلدان مختلفة دون أن يكون حكرًا على طبقة بعينها.

ترى أناسًا يرتدون القميص في إحدى المدن الكبرى في أوروبا، وأطفالًا فقراء يلعبون بالقميص في إحدى دول أفريقيا الفقيرة، وبالطبع هؤلاء الذين يرتدونه أثناء ممارسة كرة القدم على شواطئ ريو دي جانيرو أو في الملاعب بدائية الصنع المنتشرة في كل أرجاء البرازيل. إلا أن الكثيرين لا يعلمون كيف ارتدت البرازيل هذا القميص، وإذا ما كانت ارتدت غيره قبل ذلك.


نقطة التحول

بعد هزيمة المنتخب البرازيلي على أرضه أمام الأوروجواي 2-1 في نهائي كأس العالم عام 1950، والذي أقيم في البرازيل، اعتبر الشعب البرازيلي هذه الهزيمة نقطة التحول في تاريخ منتخب بلدهم، حيث أصاب السخط الجميع، وكانت بمثابة نكسة التي استمرت تبعاتها وتأثيرها على الشعب البرازيلي لأعوام عديدة.

يقول «زيزينهو» أفضل لاعبي المنتخب البرازيلي آنذاك، والذي شارك في المباراة:

وظهرت مقالات في الصحف آنذاك تدعو إلى تغير الزي البرازيلي لنفس السبب، وهكذا أطلقت صحيفة «كوريو دي مانا» بالتعاون مع الاتحاد البرازيلي، والهيئة الوطنية لكرة القدم مسابقة لتصميم زي يحتوي على ألوان العلم البرازيلي الأزرق والأبيض والأخضر والأصفر؛ ليرتديه المنتخب في كأس العالم المقبلة عام 1958 التي أقيمت في سويسرا.

كان «ألدير جارسيا شلي» في التاسع عشر آنذاك يعمل رسامًا في صحيفة محلية، ففكر في الاشتراك في المسابقة من قبيل الفكاهة كما يقول: «كيف لزي المنتخب الوطني أن يتكون من أربعة ألوان؟ قد يمكننا تصميم زي بثلاثة ألوان على الأكثر، أما أربعة فلا يمكن. كما أن ألوان العلم البرازيلي لا تتوافق مع بعضها البعض».[1]

رسم ألدير 100 تصميم، دمج فيها الألوان بطرق مختلفة، وقد اختار اللون الأبيض والأزرق للسروال، وبقيت مشكلة القميص، ولكنه استقر في النهاية إلى أن يكون القميص أصفر كله، والأخضر يمكن أن يقتصر على حواف الياقة.

قدم ألدير تصميمه وفاز بالمسابقة التي شارك فيها ما يقرب من الثلاثمائة مصمم، فقد كان تصميمه الأفضل من حيث تجانس الألوان وتوزيعها، وحصل على جائزة مالية بالإضافة لدعوة للإقامة مع المنتخب في ريو دي جانيرو لمدة عام كامل.


الندم

لعبت البرازيل في كأس العالم 1950 بزيها الأساسي وقتها، وهو القميص الأبيض ذو الياقة الزرقاء والسروال الأبيض، وهو قميص يفتقر إلى رمزية خاصة تعبر عن روح البرازيل.[1]

لعب المنتخب البرازيلي لأول مرة بالقميص الجديد في ملعب الماراكانا عام 1958 ضد منتخب تشيلي، وتغلب عليه بنتيجة 1-0، ولكنه لم يحرز المنتخب البرازيلي كأس العالم إلا بعد ثماني سنوات من تصميم الزي الجديد في عام 1962، وحملت البرازيل وقتها كأس العالم لأول مرة، وهي ترتدي القميص الأصفر.

لقد ترافقت نجاحات المنتخب البرازيلي بعد ذلك مع القمصان الصفراء، وأصبحت علامة مميزة للعب الجميل والممتع. إذا كان اللون الأصفر مناسبًا لتوهج الأسلوب البرازيلي في اللعب. وعزز اللون الأصفر من كون الكرة البرازيلية فريدة ومتألقة ومختلفة عن منافسيها، وارتبط بها ارتباطًا وثيقًا وأصبح من الصعب تخيل المنتخب البرازيلي من دون إشعاع هذا اللون الدافئ المليء بالحيوية.

ومع مرور الوقت أصبح لون القميص الأصفر يرمز للبرازيل البلد والأمة وليس المنتخب الذي يلعب كرة قدم فقط، بل ربما تغلب هذا الرمز على العلم البرازيلي نفسه الذي يتكون من خلفية خضراء ترمز إلى الغابات والمستطيل الأخضر يرمز إلى ثروات الوطن أما الكرة الزرقاء ذات النجوم البيضاء ترمز إلى سماء ليل ريو دي جانيرو.

يعترف ألدير بأنه كان سعيد في البداية بشهرة الزي الذي صممه، وكان يتحمس عند رؤية لاعبي المنتخب يرتدونه في المباريات، لكن حماسه لم يدم طويلًا بعد أن رافق لاعبي المنتخب البرازيلي ووجد أن حياة ريو لا تناسبه. إذ كان لاعبو المنتخب يتعاطون الكحول ويرافقون النساء في كل مكان، لذا فضل الانتقال بعيدًا.

عندما سُئل ألدير عن شعوره عندما يرى الزي الذي صممه يرتديه لاعبو منتخب البرازيل يقول لا شيء، لا أشعر بأي شيء، بل قد ينتابني أحيانًا شعور بالذنب، إذ إن الاتحاد البرازيلي استولى على الزي، وباع حقوق استثماره لشركة «Nike» ليتحول هذا الزي من رمز وطني للبرازيل إلى رمز للفساد والاستغلال.

من الغريب أن الرجل الذي صمم أهم رمز وطني للمنتخب البرازيلي لم يعد يشجع الفريق البرازيلي، بل إنه يشجع فريق الأوروجواي. يعيش ألدير في بلدة حدودية بين البرازيل والأوروجواي وهي بلدة تبدو أقرب إلى الأوروجواي أكثر منها إلى البرازيل.

وعلى الرغم من مشاعر ألدير التي تغيرت تجاه القميص فإن الأمر لم يقلل من شغف الشعب البرازيلي تجاه القميص الأصفر، ولن ينسوا اللحظات السعيدة التي عاشوها مع هذا القميص، ولا الإنجازات التي حققها المنتخب وهو يرتدي الزي الذهبي، ولا اللاعبين الذين حملوا القميص وتألقوا وبرزوا في كل أجيال كرة القدم في البرازيل.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.

المراجع
  1. كتاب كرة القدم: الحياة على الطريقة البرازيلية