لا تكابر العلم فإن العلم أودية، فأيها أخذت فيه قطع بك قبل أن تبلغه، ولكن خذه مع الأيام والليالي، ولا تأخذ العلم جملة فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الليالي والأيام.
ابن شهاب

إن السؤال الذي يطرح نفسه في ظل هذا الذي يقدمه الدكتور سعد الهلالي، هو لماذا لم يقم الفقهاء القدامى الذين يستعرض هو كلامهم ويطرحه على الناس ليدعوهم إلى اختيار ما يشاؤون منها، بفعل ما يفعل، أي بعرض الآراء الفقهية التي يعرفونها دون أن ينحازوا لأي منها، ويتركون الأمر للناس، ليجبروهم، كما يريد الدكتور سعد على الاختيار والترجيح من بينها؟

إن الأئمة الذين ينقل آراءَهم لم يفعلوا هذا الأمر، بل كان كل منهم يتمسك برأيه ويدافع عنه بقوة ولا يُسَلِّمُ لخصمه إلا إذا ثبت له صحة رأي خصمه، فلم يفعلوا، ولا من جاء بعدهم حتى العصر الحاضر.

بل إن تطبيق ذلك التصور الخيالي لا يدل على وجود إمكانية أو مساحة كبيرة للاجتهاد واستنباط الجديد، فكيف يُجَدِّدُ مَنْ كان جُلُّ هَمِّهِ جلب الآراء القديمة وطرحها دون بيان الخيط الناظم الذي يحيكها في مهارة وإتقان؛ فيخرج لنا ثوبًا قشيبًا متناسقًا ينفع الناس؟

لقد اجتهد الأئمة الفقهاء في بناء مناهج علمية واستنبطوا الأحكام الفقهية التي تنسب لأسمائهم الكريمة بناءً على التزام صارم بهذا المنهج، وقد تلقَّى المسلمون هذه المناهج بالقبول والرضا، وطابت أنفسهم بالتعبد لله سبحانه وتعالى وفق أحكام هؤلاء الأئمة المتبوعين.

كان هذا الأمر في حقيقته تقدمًا فكريًّا هائلاً في تاريخ الفكر الإسلامي، أقصد أن ينتقل النظر في النصوص والأدلة لاستنباط الأحكام، إلى استخراج منظومة من المناهج التي يُنظر من خلالها إلى هذه الأدلة، ووضع قواعد واضحة لآليات استنباط الأحكام من النصوص، وكيفية تنزيل النصوص على الواقع؛ فنشأت بهذه الحركة العلمية «المذاهب الفقهية»، وصار لهذه المذاهب اعتبارها الكبير ومكانتها السامقة في المجتمع الإسلامي، وصارت الوسيلة التي يتعرَّف أيُّ شخص من خلالها على الفقه الإسلامي.

وهذا الأمر – بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه – حقيقة علمية وتاريخية، فلم يُكتب لآراء فقهية متكاملة أن يتم تدوينها كما تمَّ بالنسبة للمذاهب الأربعة، ولم يتوارث العلماء وطلاب العلم الفقهي، حتى اليوم، الانتساب إلى مناهج فقهية غير تلك التي أبدعها علماء المذاهب الأربعة.

وبلغت منزلة هذه المذاهب أنها صارت مكونًا أساسيًّا من مكونات هُوية العديد من الشعوب، تصبغ فكرها وسلوكياتها وعلاقاتها، كالمذهب الحنفي بالنسبة لبلاد ما وراء النهر أو دول الاتحاد السوفيتي سابقًا وشبه الجزيرة الهندية وتركيا، والشافعي بالنسبة لمسلمي جنوب شرق آسيا، والمالكي بالنسبة للعديد من دول المغرب العربي وشمال أفريقيا.

وبدلًا من الحفاظ على ما ورثناه من ثراء فكري وفقهي ومنطقي وفلسفي في هذه المذاهب الفقهية، نجد محاولات غريبة تحاول هدم هذه الثروة المعرفية، من مثل هذا الذي يقوم به الدكتور سعد حين يقوم باستعراض الآراء الفقهية المختلفة مقتطعة من بيئتها داخل كل منظومة فكرية أنتجَتْها، ويريد أن يكون هذا هو الأصل الذي يتم اعتماده فيما يتعلق بتناول علم الفقه ودراسته؛ فإذا بالآراء معروضة والمناهج مفقودة، وهذا أول معول في هدم محاولات التجديد الحقيقية، التي ترتقي بالفقه الإسلامي لتتناول مشكلات الواقع المعاصر ونكبات المسلمين لانتشالهم منها، وهذا لن يتم بطرح الآراء وحسب كما يفعل الدكتور سعد، بل بتفعيل المناهج وترسيخها في الوعي العام.

حين نقول إن مدار الفقه ينبغي أن يكون حول المذاهب الأربعة بصورة أساسية، فإن ذلك لا يعود للقيمة المجردة للآراء الواردة فيها فحسب، بل للمناهج المقرَّرَةِ بها والمقرِّرَة لها قبل ذلك، فلم يكن مسعى الفقهاء قديمًا الحفاظ على الآراء بقدر حفاظهم على المناهج، وهذه المناهج هي التي صمدت رغم تعاقب الأزمان والفهوم، والأخذ والرد، واختُبرت أدلتها واستدلالاتها على مَرِّ القرون، ولذلك كان في الاعتماد عليها والميل إليها رضا عامة المسلمين على مر العصور، ولا يعني هذا إهمال الآراء الأخرى خارج هذه المذاهب الأربعة، فهي آراء محل احترام وتقدير.

ولكن يتوقف الأخذ بأي منها على توافق وإقرار من الجماعة العلمية، لا تحكُّمًا وتسلطًا ووصاية منها على المجتمع وأحكام الشرع الشريف، ولكن لتداول سلامة هذه الآراء من الاعتراضات واتساق مناهج استنباطها، وتسكينها في منظومة المجتمع القانونية والثقافية والاجتماعية بما لا يجعلها نتوءًا شاذًا في هذه البنية.

المتتبع لما يطرحه الدكتور سعد في تلفيقاته التي يطرحها على الناس يكتشف أنه لا يلتزم بما يدَّعي أنه منهجه في التناول الفقهي.

وما يحدث الآن من إثارة هذه الدعوات، إن هو إلا دعوة للرجعية الفكرية التي تختزل المقاصد الكبرى للشرع الشريف، وتهيل التراب على أبنيته العلمية ومناهجه الدقيقة، وتسعى للاعتماد على النظر الجزئي القاصر وتتلقف الآراء من أي مصدر دون تمحيص دقيق.

ربما يغلب الدكتور سعد تخصصه في الفقه المقارن، الذي يهدف إلى تعليم طلبة العلم كيف ينظر العلماء وتتباين آراؤهم في النظر لمسألة معينة، وبيان منهج كل منهم في الوصول إلى الحكم الذي يتبناه كل طرف، وكيف رد كل طرف على استدلالات الأطراف الأخرى ومناهجهم؛ حتى ينشأ طالب علم الفقه في جو علمي ثري بالمعرفة والمناقشات الفكرية، وينقدح في ذهنه إدراك الفروق بين آراء العلماء وأسبابها ومناهج استدلالهم، لكن هذه أمور فنية داخل علم الفقه، لا تتيسَّر لكل متخصص فيه، فضلاً عن غيرهم من جمهور المسلمين.

ولا يدري المرءُ لماذا يفترض الدكتور سعد أن تخصصه في الفقه المقارن سببٌ كافٍ لمحاولته فرضَ هذا الأسلوب في عرض المعلومات الفقهية على عموم المسلمين، وأين هو من حديث ابن مسعود الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه: «مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا، لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً».

هل يقوم الدكتور سعد بتطبيق هذا المنهج فعلًا؟

المتتبع لما يطرحه الدكتور سعد في تلفيقاته التي يطرحها على الناس يكتشف أنه لا يلتزم بما يدَّعي أنه منهجه في التناول الفقهي! من طرح للآراء الفقهية بحياد وتجرُّد، وترك الحرية للمتلقين لهذه المعلومات للاختيار من بينها كما يشاؤون، وسأقف هنا على سبيل المثال أمام بعض المسائل التي يثيرها.

سنجد أن الدكتور سعد يخالف منهجه في صميمه حين يتقيَّد فقط بالرأي القائل بأن الحق يتعدد، وهذه مسألة خلافية، فبعض الفقهاء يقول إن الحق يتعدد، وبعضهم يقول إن الحق واحد، وأن المطلوب هو الاجتهاد للوصول إلى مراد الله، وأن بذل الوسع في الاجتهاد ولو تم الوصول به إلى رأي يخالف مراد الله فإنه يجوز العمل به؛ لأنه ناشئ عن اجتهاد استوفى شروطه، لكن الدكتور سعد لا يلتفت إلى الرأي الأخير ويبني كل مسعاه على الرأي الأول فقط، دون أن يُخَيِّرَ الناس بين هذين الرأيين.

ومن المسائل الفقهية التي وقع فيها في هذا التناقض الحتمي ما صدر عنه عند الحديث عن طهارة الكلب ولُعابه، وبالرغم من قلة أهمية هذا الموضوع الذي انشغل وشغل الناس به، بالنسبة لقضايا كبرى تهم المسلمين، وبعد أن كشف لنا الدكتور عن أن القول بحرمة اقتناء الكلب ونجاسته يؤدي إلى تصادم بين المسلمين وحضارتهم! ويجعله غير متصالح مع حضارته ومع أعرافه!

نجده يغمز الفقهاء الذين يذكرون نجاسة الكلب ولعابه بسوء، مع أن الأمر هين وبسيط، إذ يمكن أن يقول الدكتور سعد -إن شاء – إنه يتبنَّى الرأي الذي يقول بطهارة الكلب، ويذكر أدلة قوله هذا، فهذا الرأي معتبر في الفقه، لكن لماذا يريد أن يُلزم من يتبنَّى الرأي الذي يقول بنجاسة الكلب ولعابه، بترك هذا الرأي وتبنِّي الرأي الذي يقول بطهارته؟ أمر غريب حقًّا!

أَعْجَبُ من هذا أنه ينكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بنجاسة الكلب، ثم هو نفسه بعد لحظات يشير إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن كيفية «تطهير» الإناء الذي يلغ فيه الكلب بغسله سبع مرات إحداهن بالتراب، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ». رواه مسلم.

فإذا كان الدكتور سعد مثلًا يذهب إلى أن التطهير الوارد في الحديث يُقصد به مجرد التنظيف، فلماذا يريد أن يُجبر من يرى أن المقصود به التطهير الشرعي من النجاسة التي أصابت الإناء بولوغ الكلب فيه، ليتبنى رأيه ويقطع بأن النبي لم يقصد بالتطهير، التطهير من النجاسة؟

وللدكتور سعد مسلك غريب ومتناقض في طرح الآراء، فقد خَصَّصَ جزءًا من إحدى حلقاته للحديث عن قطع الكلب للصلاة، فبدأ برأي الظاهرية القائل بإفساد الكلب للصلاة إذا مَرَّ من أمام المصلي، وقَلَّلَ من شأنه، ثم ذكر الرأي القائل بإفساد الكلب الأسود للصلاة والمنسوب لبعض الحنابلة، ثم بَيَّنَ أن الرأي القائل بعدم قطع الكلاب للصلاة وإفسادها هو رأي جمهور الفقهاء من المذاهب الأربعة، وبالتالي فالرأي القائل بإفساد مرور الكلب بين يدي المصلي للصلاة هو رأي الظاهرية ومعه جزئيًّا رأي لبعض الحنابلة.

إن آراء الظاهرية لا يكاد يَتْبَعُهَا أحد الآن، ولا يُؤخذ بها إلا في بعض المسائل على سبيل الإفتاء، وليس كأحكام عامة يُدعى المسلمون إلى اتِّباعها، ولكنه يعطي قول الظاهرية بإفساد الصلاة بمرور الكلب مساحة كبيرة ويذكره في البداية لجذب انتباه المتابعين له، وكأن قولهم هو السائد الذي يتبنَّاه العلماء!

وتجده يأتي في مسألة أخرى يميل فيها لرأي الظاهرية، فيذكر رأي الجمهور ويقلل من شأنه،ويذكر رأي الظاهرية الذي يميل هو إليه ويفخم منه، ويقول إن داوود بن علي مؤسس المذهب الظاهري من علماء الأمة الكبار، وبالتالي يجب أن يُعتبر أفضل من كل العلماء الموجودين حاليًّا، بحيث لا يجوز الاعتراض على آرائه وآراء مذهبه، وداود وابن حزم من أكابر العلماء حقًّا، ولكن الدكتور سعد يذكر الظاهرية بتفخيم وإجلال حين يميل إلى آرائهم، ويُسَفِّهُ منهم حين يخالفهم، مع أن المنهج الذي يدَّعي الدكتور سعد اتباعه يقتضي منه ذكر الآراء فقط ويترك حرية الاختيار للناس، ولكن هذا الذي يدعي الدكتور سعد أنه منهجه؛ هو في حقيقة الأمر، فعلٌ فوق طاقة البشر أصلاً، فلا بد للمرء من تحيُّزٍ يميل إليه ورأي يدعو له.

وفي تعريف الربا وتكييف حكم فوائد البنوك، يتبنى الرأي القائل بجواز الفوائد البنكية ويهاجم الهلالي الرأي الآخر القائل بالتحريم، ولا يعرض الرأيين بنزاهة، بل يتهكم على الرأي المانع لحِلِّ الفوائد،قائلًا: «اللي بيضحك عليك وبيقول لك إنك بتدي للبنك قروض».

إن محاولة الدفع بأفضلية العلماء خارج المذاهب الأربعة على كل العلماء الموجودين حاليًّا، كما يحاول الدكتور سعد أن يروِّجَ لطريقته، هو دفع باطل متهافت؛ لأن الأمر لا يتعلق بأفضلية شخص أو رأي، بل باتساق منهجي، يمكن أن يَزِلَّ في الالتزام به أيُّ عالمٍ مهما كان قدره.

وهنا يأتي دور المدارس الفقهية؛ حيث تقوم بتصحيح تلقائي لهذا الخروج غير المقصود عن المنهج، وهم للأمانة العلمية يثبتون هذه الأقوال لبيان ضعفها والرد عليها، أو لعل هناك من يمكنه ترجيحها أو الاستفادة بها أو تطويرها بما يتوافق مع المنهج في زمن آخر، لا للأخذ بها على وجه التخيير المطلق، كما يفعل الدكتور سعد، دون إعادة النظر فيها للتأكد من مدى موافقتها للمنهج العلمي السليم في استنباط الأحكام.

ويعلم الدكتور سعد، كما يعلم أي دارس للفقه، أن المذاهب الفقهية بها الكثير من الآراء التي أهملتها هذه المذاهب ولم تَعُدْ تَعْتَدُّ بها، ولا تعتبرها معبرة عنها، برغم صدورها من علماء هذه المذاهب، ولكن الجماعة العلمية داخل المذهب لم تَرْتَضِ هذه الآراء لعدم موافقتها للمنهج وضعف أدلتها وأوجه استدلالها، وليس تعنتًا منها تجاهها؛ لأن أصحاب هذه الآراء ظلوا أئمة معتبرين داخل مذاهبهم، لكن بعض آرائهم حَادَتْ عن قواعد مناهج مذاهبهم، فقام علماء المذاهب بعملية تصحيح ذاتي متجدد لتحقيق هذه الغاية العلمية، وهذا ما يجعل الخلاف معتبرًا؛ أي أنه قائم على قواعد منهجية وليس خارجًا عنها.

منهج سعد الهلالي لا يعتمد على الدليل الشرعي أو القواعد الأصولية ومناهج الاستنباط العلمية، فالمسألة بالنسبة له مجرد ذوق وشعور، وليست قواعد علمية ومنهجية.

ولم يسلم من هذا أصحاب المذاهب أنفسهم، فكم من رأي للأئمة الأكابر أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد تجاوزه أتباعهم ورجحوا أقوالاً أخرى عليها وصارت الأقوال الأخرى هي المعتمدة في هذه المذاهب وليس آراء الأئمة.

إن رفض المسلك المتعلق بتتبع الآراء الشاذة أو الضعيفة، لا يتعلق بكونها صادرة عن أهل علم مختصين أو عدمه، بل لكون هذا المسلك يهدم أبنية علمية ارتضتها الأمة بالقبول وراكمت تراثًا معرفيًّا وعلميًّا عَزَّ نظيره في أمة من الأمم، فالمذاهب الفقهية التي استقرت لها ناصية الفقه الإسلامي بين عامة المسلمين وخاصتهم، لا تحتكر علم الفقه ولا تقوم بدور وصائي. وآراء غيرهم الملتزمة بالقواعد العلمية في الاستنباط والاستدلال محل تقدير واعتبار.

وما تمكنت المذاهب الفقهية الأربعة من بلوغ منزلتها الكبيرة ومكانتها السامقة إلا لما تتضمنه مناهجها من دقة وسعي أكثر انضباطًا لخدمة العلم والدين، الأمر الذي جعلها محطَّ ثقة العامة قبل المتخصصين، فاعتبار علماء المذاهب الفقهية لآراء معينة أنها شاذة أو غير معتبرة إنما جاء بناءً على معايير علمية اختبرَتْ هذه الآراء وأدلتها وناقشَتْها وفنَّدَتْها، ولم تُقَدِّسْ أصحابَها، كما يفعل الدكتور سعد حين يقدِّسُهم ويكاد ينزههم عن الوقوع في الخطأ، لحظة تأييده لهم، ثم إذا ما انصرف إلى مسألة أخرى أعاد النظر في منزلتهم مرة أخرى! فاعتباره للشاذ من الآراء يقتضي منه تفنيدًا لردود العلماء على استدلالات أصحابها قبل اعتماد العمل بها.

و يبالغ الهلالي في هذا المسلك حين يحدد في قواعد عمله التي بَيَّنَهَا لمشاهديه، أنه سيستعرض الآراء دون أن يحدد رأيًا مختارًا، حتى يجبر المتلقي -كما يقول- على الحسم من بين هذه الخيارات التي يصفها بالآمنة، ووصف «الأمن» الذي يسبغه على الخيارات الفقهية، وصف مضلِّل، لأنه يسوِّي بين الآراء / الخيارات التي صمدت أمام النقاشات العلمية واستقرَّتْ عبر القرون المتطاولة، وتلك التي لم تصمد وتَوَارَتْ فور ظهورها، لعدم اعتداد العلماء بها، وإن كانوا للأمانة أثبتوها حتى يطَّلع عليها طلاب العلم ليفرقوا بين الرأي الصحيح والضعيف والراجح والمرجوح، ولعله يأتي من يجمع لها الأسانيد اللازمة لتقويتها في زمن جديد، لا أن يطرحها على أنها حق صريح يأمن المرء على ديانته عند اختياره لها والعمل بها!

وليس حقيقيًّا أن الدكتور سعد يذكر أدلة كل قول، حتى وإن ذكر آية أو حديثًا نبويًّا؛ لأن الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل يجب أن يظل هذا الدليل بتفسيراته قائمًا أمام الأدلة الأخرى بتفسيراتها وشروحها، واعتراضات المعترضين، وهو لا يكاد يذكر هذا، ربما خوفًا من انتهاء أوقات حلقات برامجه، ولكننا لا نعرف أن ضيق وقصر فترات البرامج التليفزيونية والإذاعية يعتبر عذرًا شرعيًّا لاختصار مناقشة اعتراضات الأدلة.

إن منهج الدكتور سعد لا يعتمد في الحقيقة على الدليل الشرعي أو اللغة العربية التي يجب اعتمادها في فهم النصوص الشرعية ولا القواعد الأصولية ومناهج الاستنباط العلمية، بل إنه بيَّنَ منهجه حين قال: «أنت ترى أن الشيء ضعيف وأنا أراه قويًّا.. بالإحساس والفهم». فالمسألة بالنسبة له مجرد ذوق وشعور، وليست قواعد علمية ومنهجية.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.