مهما كانت مشاعرك تجاهه، لا يمكن لأحد أن يجادل في عبقرية بنيامين نتنياهو في البقاء السياسي.

تعبير «البقاء السياسي» هنا، الذي استخدمه الكاتب والمؤرخ نيل لوشيري في كتاب السيرة الذاتية «بنيامين نتنياهو.. الصعود المقاوم» ربما يقدم أهم أسباب بقاء أطول رؤساء حكومات «إسرائيل» حكمًا في السلطة، أو بعبارة أخرى استخدمها في نفس الكتاب «القدرة على التحمل.. بالنسبة لنتنياهو، هذا هو كل شيء»، أو بتعبير ثالث: «القدرة على المثابرة والاستمرار حتى عندما يكرهك العالم، وعندما تنهار الأرض تحت قدميك».

صنيعة «الدراما العائلية»

كان يفترض أن يكون اسمه بنيامين ميليكوفسكي، نسبة إلى جده الحاخام الصهيوني البولندي، ناثان ميليكوفسكي. لكن والده اختار تغيير اللقب بمجرد وصوله إلى الأراضي المحتلة، ليصبح «نتنياهو» أو «عطاء الله».

يدعي أن نسبه يمتد إلى إيليا بن شلومو زلمان كريمر، المعروف باسم «فيلنا غاوون»، عالم التلمود الذي يعد واحدًا من الحكام الحاخامين الأكثر تأثيرًا في العصور الوسطى، الذي ترك مجموعة التقاليد والشعائر اليهودية «مينهاج ها-غرا»، التي تعد المينهاج السائد لليهود الأشكناز.

من هذا النسب «المفترض»، ولد نتنياهو في تل أبيب عام 1949، بعد أقل من 18 شهرًا من إعلان قيام الكيان. أبواه يهوديان علمانيان؛ الأم من أصل أمريكي، ولدت في القدس التابعة للدولة العثمانية، والأب بولندي المولد. ولكليهما تأثير مهم على بناء شخصية «بيبي»، فإلى بلد أمه طار مراهقًا لإكمال دراسته الثانوية، ثم شابًا للالتحاق بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا المرموق أكاديميًا، حيث اكتسب لغته الإنجليزية التي يتحدثها باللكنة الأمريكية بطلاقة، التي أهلته للظهور على شاشات القنوات العالمية متحدثًا بكل قوة دفاعًا عن الكيان، وعين مستشارًا اقتصاديًا لمجموعة بوسطن الاستشارية، ليكتسب الكثير من مهارات الاقتصاد التي سيستغلها لاحقًا في بناء سيرته الذاتية سياسيًا.

أما الأب، بن صهيون نتنياهو، فمنحه بالتحديد الخطاب الذي روجه حين ظهر على الشاشات؛ إذ يوصف بأنه «صوت بيبي الداخلي». أستاذ تاريخ تخصص في أبحاث محاكم التفتيش الإسبانية. نشط في السياسة الإسرائيلية من مقاعد يمين اليمين؛ إذ لا تنازلات للعرب مهما بلغت محدوديتها، لا مكان لتسوية مع الفلسطينيين ولو على أساس حل الدولتين. يرى أن العرب خلقوا بميل فطري إلى الصراع، بالتالي لا مجال للتفاوض معهم.

يرفض نتنياهو الحديث عن تأثير «بن صهيون» على تصوراته السياسية الشخصية باعتبار أن الرجل لم يكن إلا «مجرد عقل مختل نسبيًا». لكن أحد التفسيرات الشائعة أن الابن يتشارك نفس الآراء العدوانية مع والده، وإن امتلك ما يكفي من مهارات المناورة ليقدمها إلى الساحة من خلال تكتيكات أكثر ذكاءً.

يستمر تأثير العائلة؛ بالتحديد عبر شقيقه جوناثان، الذي تحمل اسمه إحدى أهم عمليات الاشتباك بين قوات الكوماندوز الإسرائيلية والمقاومين الفلسطينيين في أفريقيا. جرت العملية في 27 يونيو/ حزيران 1976، عندما اختطف فلسطينيون ويساريون ألمان طائرة فرنسية في الطريق إلى عنتيبي الأوغندية. وبعد وقت قصير من الهبوط، أطلقوا سراح جميع المختطفين باستثناء الركاب اليهود، مطالبين بصفقة تبادل تشمل أسرى فلسطينيين في سجون الاحتلال، لتبدأ عملية خاصة، انتهت بتحرير 103 رهائن ومقتل أربعة آخرين، واستشهاد المنفذين، ومقتل ضابط إسرائيلي واحد، هو الكولونيل جوناثان نتنياهو، شقيق بنيامين، الذي وصفها لاحقًا بـ«تجربة وطنية درامية للغاية، ترك تأثيرات شخصية عميقة».

في ذلك العام، كان نتنياهو قد حصل بالفعل، خلال 3 سنوات فقط، على دورة علمية على مستوى الدراسات العليا في جامعة هارفارد بورقة بحثية حول «آفاق مجتمع أمني تعددي عربي – إسرائيلي»، وعلى درجتين علميتين في الهندسة المعمارية من معهد ماساتشوستس، كل درجة منها في نصف الوقت المحدد. ثم بدأ الطالب الذي وصفه أستاذه حينها بـ«الذكاء الحاد، القوة، التنظيم، الالتزام ومعرفة الهدف بدقة وطريق الوصول إليه»، دراسته لنيل الدكتوراه في العلوم السياسية. لكن العملية التي أودت بحياة شقيقه أعادته فورًا إلى دولة الاحتلال دون إكمال دراسته، بالتحديد في يونيو/ حزيران 1976.

سيناء أدخلته قبره «إلا نصف قدم»

لم تكن خدمة بنيامين نتنياهو في جيش الاحتلال عادية. إذ عاد من الولايات المتحدة خصيصًا، قاطعًا دراسته في الصف الثاني عشر من المدرسة الثانوية، للخضوع للتجنيد، بالتحديد في سنة 1967، بعد شهرين فقط من إكمال قوات الاحتلال السيطرة على أراضي عدة دول عربية.

اختار الجندي نتنياهو وحدته بنفسه: وحدة استطلاع هيئة الأركان العامة الإسرائيلية (سايرت متكال)، التي كانت ترسم لنفسها مكانًا كجهاز أعلى في جيش الاحتلال. كان الأمر يحتاج لوساطة وجدها «بن» بالفعل، ليجري معه قائد الوحدة حينها، عوزي ييري، مقابلة شخصية، انتهت بقبوله.

في تلك الفترة، ظهرت الكثير من الصفات التي استخدمها نتنياهو في مساره السياسي: القوة والثبات كانتا الصفتين اللتين استخدمهما جميع العسكريين الذين عرفوه تقريبًا بعد ذلك لوصفه. يقول دورون سالزبرغ، أحد الذين رافقوه حينها: «لم يكن يسمح لأي شخص بأخذ مكانه، ولو كان محمولًا على نقالة»، ليضيف آفي فيدر، عضو آخر في الوحدة، أن نتنياهو كان صريحًا، وغير متهاون، لدرجة «غريبة بعض الشيء».

في ديسمبر/ كانون الأول 1968، شارك نتنياهو في أول عملياته العسكرية، والتي توصف بإحدى أكثر مهام جيش الاحتلال غرابة؛ فردًا على عدة هجمات فلسطينية ضد طائرات وركاب شركة إل عال، انتقل، رفقة مجموعة من المظليين والكوماندوز، يرتدون الزي العسكري الرسمي، إلى مطار بيروت الدولي، حيث أفرغوا ركاب 14 طائرة مدنية عربية، وفجروا الطائرات، دون قتال.

لكن أولى مواجهاته القتالية تأخرت حتى 13 مايو/ أيار 1969، حين دخل سيناء للمشاركة في مواجهات حرب الاستنزاف. وهناك كاد يفقد حياته. حينها، توجه، رفقة العشرات من جنود الاحتلال إلى قناة السويس لإعداد كمين للقوات المصرية على الضفة الغربية من القناة.

في تلك الليلة، قام الجنود المصريون بما استحق ثناء رفاق نتنياهو – وإن لم يفعل هو – إذ انتظروا اقتراب القوارب من شاطئ القناة، ثم فتحوا النار من الرشاشات ومضادات الدبابات، ليغرق قارب نتنياهو، بينما يفشل في فتح سترته، لينفجر صاروخ آر بي جي على مسافة غير بعيدة عنه، ويستسلم بيبي للموت تقريبًا، لولا ما يصفه مرافقوه حينها بـ«المعجزة العلوية» التي نجحوا معها في الانسحاب إلى الضفة الأخرى، واصفين نتنياهو بـ «الشخص الذي دخل القبر بقدم ونصف». ليتذكرها لاحقًا بقوله: «نعم. كدت أقتل داخل قناة السويس. أعني ذلك حرفيًا».

بعد نجاته، جرت إحدى أهم العمليات التي شارك فيها، في مايو / أيار 1972، عندما شارك في القتال الذي دار مع مقاتلي منظمة أيلول الأسود، إثر اختطاف طائرة سابينا، رحلة 571، لتهبط في مطار اللد، مع طلب وحيد: إطلاق سراح 100 فدائي أسير، قبل أن تنتهي العملية بالإفراج عن الرهائن، واستشهاد أو جرح الخاطفين، وإصابة عدد من جنود الكتيبة، أحدهم نتنياهو، الذي نال رصاصة في الكتف لكنه نجا، لينال وسام القيادة العملياتية الخاص، وإعفاءً من استكمال الخدمة العسكرية في العام نفسه.

بالإعفاء، عاد إلى الولايات المتحدة، قبل أن يقطع دراسته للعودة مجددًا إلى قوات الاحتلال مع اندلاع حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، حيث انضم نتنياهو إلى قوة احتياطية من مقاتلي الدوريات التابعة لهيئة الأركان المشتركة التي اتجهت جنوبًا إلى قطاع قناة السويس لمواجهة هجمات الكوماندوز المصرية، قبل نقل مفاجئ إلى القطاع الشمالي، حيث الجبهة السورية، لقيادة عملية سرية بخاصة لم يُكشف عن تفاصيلها حتى اليوم.

في مذكراته عن حرب 1973، كتب نتنياهو:

من أجل حماية دولة إسرائيل، يجب أن نكون دائمًا مستعدين للعمل بحزم ضد أولئك الذين يحاولون اقتلاعنا من هنا. منذ زمن سحيق ، كانت قدرتنا وتصميمنا على الدفاع عن أنفسنا مفتاح وجودنا ومستقبلنا. لنستمد الإلهام من شجاعة الروح التي أظهرتها الأمة ومحاربوها في لحظات المحن. سوف نتذكر دائمًا أولئك الذين ضحوا بحياتهم في الحرب الصعبة حتى نتمكن من العيش في بلدنا.

إلى القمة: وصول سهل.. وبقاء أسهل

في نفس سنة مقتل شقيقه جوناثان، بدأت سيرة نتنياهو الوظيفة من القطاع الخاص، ودون أي تدرج وظيفي ملحوظ، كانت الأعوام الستة بين 1976-1982 كافيًا ليعمل مستشارًا اقتصاديًا لدى شركة بوسطن للاستشارات الدولية، وهناك قابل ميت رومني، السياسي الأمريكي الشهير، الذي ستدوم صداقته بـ«بن نيتاي» إلى اليوم، ثم عين عضوًا في الإدارة العليا لشركة «ريم للصناعات م.ض». بالتزامن، أطلق نتنياهو مركزًا خاصًا لـ«محاربة الإرهاب» أطلق عليه اسم شقيقه القتيل «جوناثان».

نشر نتنياهو من خلال مركزه الجديد عدة كتب، ونظم مؤتمرين دوليين بين عامي 1979 و1984، اعتبر وزير الخارجية الأمريكي جورج شولتز أنهما «تركا تأثيرًا بالغًا على صياغة السياسة التي اتبعتها الولايات المتحدة حيال قضية الإرهاب الدولي». لكنه لم يكن دور المركز الوحيد، إذ فتح له باب الاتصالات الأولى مع عديد من أهم السياسيين الإسرائيليين، بمن فيهم الوزير موشيه أرينز، الذي سيشغل منصب السفير في واشنطن في 1982، ليصبح معه الشاب بنيامين نائبًا للسفير، بالتزامن مع اندلاع الحرب في لبنان.

من هنا بدأ مشوار الصعود السريع لنتنياهو مستفيدًا من فرصة الحرب في إدارة حملة غسيل سمعة في مواجهة الحملة الدولية الشرسة ضد الإرهاب الإسرائيلي، فيكافأ بعد عامين فقط بتعيينه سفيرًا لدى الأمم المتحدة، وهو المنصب الذي احتفظ به لمدة أربع سنوات، ليسهم في فتح الأرشيف الأممي الخاص بالنازية. وحينها بالتحديد، بدأت صداقته بمن سيصبح رئيس الولايات المتحدة الذي نقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة: دونالد ترامب.

أنهى مهتمه في 1988، ليعود إلى كيان الاحتلال وينضم لحزب الليكود، الذي حصل من خلاله على عضوية الكنيست. ومن جديد، يظهر موشيه أرينز، الذي أدخله الدبلوماسية أصلًا، الذي شغل في هذا العام منصب وزير الخارجية، فجلب نتنياهو نائبًا للوزير، لتندلع حرب الخليج بعد عامين تقريبًا، ويصبح أبرز وجوه الكيان في ساحتي الإعلام والسياسة الدوليين، مع ظهور متكرر في تغطيات «سي إن إن» وغيرها من كبريات وسائل الإعلام واسعة الانتشار.

بحلول عام 1993، ظهر كأحد أهم أعضاء الوفد الإسرائيلي إلى مؤتمر مدريد، وحصل على عضوية اللجنة الأولى للتعاون الاستراتيجي بين إسرائيل والولايات المتحدة، ليصعد دوره حزبيًا إلى زعامة كتلة الليكود ورئاسة المعارضة في الكنيست، حتى اغتيال إسحاق رابين، الذي استدعى إجراء انتخابات مبكرة في 1996، حصد فيها نتنياهو رئاسة الحكومة لأول مرة، في أول انتخابات لاختيار رئيس الحكومة مباشرة، ليصبح أصغر رئيس حكومة في تاريخ الكيان.

بقي نتنياهو في المنصب لثلاثة أعوام، انخفضت خلالها عمليات المقاومة، بينما روج لنفسه اقتصاديًا عبر عملية «التحرير الاقتصادي»؛ بتخفيض القيود على النقد الأجنبي، وبالخصخصة المكثفة للشركات والبنوك الحكومية، وتقليص العجز، إذ بلغ حجم الاستثمارات الأجنبية في صناعات الهاي تك مليارات الدولارات سنويًا.

انتهت ولايته بشكل مفاجئ 1999، بالهزيمة على يد إيهود باراك، فاعتزل السياسة مؤقتًا وعاد للاقتصاد، مستشارًا تجاريًا لشركات الهاي تك التي أسهم في رواجها، بينما شهد اقتصاد الاحتلال انكماشًا بين عامي 2001 و2002، ليعود نتنياهو للسياسة في عام 2002. لكنه هذه المرة قرر ألا يترشح لرئاسة الحكومة، ليفتح الباب أمام آرئيل شارون لتولي المنصب، وتحمل تبعات ما بعد انتفاضة الأقصى، بينما اكتفى هو باللعب في ملاعبه الأصلية، فيشغل منصب وزير الخارجية، قبل أن ينقله شارون وزيرًا للمالية في 2003، مع صفقة مفادها حرية كاملة في إدارة الاقتصاد، مقابل صمت نتنياهو بشأن إدارة شارون للشؤون العسكرية والخارجية.

عاد نتنياهو ليقود سياسة استعادة فوران الاقتصاد الذي تقلص إثر الانتفاضة؛ فيعتمد على رفع النمو، بتقليص حجم القطاع العام، عبر تقليص النفقات الحكومية والقضاء على الاحتكارات، لحساب القطاع الخاص بتخفيض نسبة الضرائب على الأفراد والشركات، واستئناف عمليات الخصخصة، كما أطلق إصلاحات للمعاشات التقاعدية، مع خطوات لتقليص البطالة أدخلت مئات الآلاف إلى سوق العمل، ليعاود النمو الاستقرار عند معدل 5% لأربع سنوات، فيما وصف حينها بـ«معجزة اقتصادية» نسب فضلها بالكامل إلى بنيامين.

في عام 2005، عاد نتنياهو لقيادة المعارضة، مع الكثير من مظاهر الموالاة، إذ دعم الحكومة بشكل غير مشروط إبان حرب لبنان الثانية عام 2006 وحرب غزة عام 2008، ليقدم نموذجًا مختلفًا أعاده في 2009 لقيادة الحكومة لولاية ثانية، جددها بولاية ثالثة في 2013، ثم 2015، ثم 2020، هذه المرة مصحوبًا بتهم فساد، سهلت في النهاية طريق اليميني نفتالي بينيت، لعقد صفقة مع زعيم المعارضة يائير لابيد لتشكيل حكومة تناوب تطيح بنتنياهو من منصبه كرئيس للوزراء في 2021، منهية فترة ولايته التي استمرت 12 عامًا، في فاصل قصير أبقاه زعيمًا للمعارضة 16 شهرًا فقط، قبل أن تعيده انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني 2022 إلى المنصب مجددًا.

خلطة نتنياهو السرية

نتنياهو محظوظ؛ فبينما هيمن حزب العمل على السياسة الإسرائيلية في سنواتها الأولى، ساعد الانتصار الأول لليكود اليميني، الذي قاده مناحيم بيجن، في عام 1977، في إرساء الأساس لمستقبله السياسي. لكنه خططي كذلك. يجادل كتاب «الصعود المقاوم» بأن تقييم سلوك نتنياهو يحتاج أولًا للتخلص من الأدوات العادية لتقييم نجاح أو فشل القادة؛ فالأمر كله بالنسبة لـ «بيبي البراجماتي للغاية» يتعلق أساسًا بـ«البقاء»، أو «تبني روح الصمود من أجل الصمود» وهي ما يعتبرها الكاتب «نقطة انطلاق مذهلة» لرئيس حكومة كيان لا يملك حدودًا معترفًا بها دوليًا، لكنه لا يملك التراجع لآلاف الأسباب، وهي الخلطة التي أثبتت شعبيتها لدى الناخبين في الانتخابات المتتالية، ليفشل أي خصم جدي في الصمود أمامه، ويصل في النهاية لمنافسة سياسيين برصيد أقل كثيرًا مما يملك.

بحسب الكتاب، يدير نتنياهو طريقة عمل قابلة للتمييز: تحريك الوضع الراهن في الخرسانة السميكة، والجلوس فوقها والانتظار بمرونة حتى يجلب الجحيم المحيط الفرصة إلى قدميه. حينها فقط، يقدم أوراق اعتماده التي يجيدها بشدة: الاقتصاد والأمن، وكلاهما مغرٍ بشدة للقاعدة اليمينية التي يخاطبها.

يتساءل الكاتب لاحقًا إن كان نتنياهو براجماتيًا أم أيديولوجيًا، ليجيب أن «التفاصيل الميكيافيلية» تميز مسيرة نتنياهو المهنية بشكل أهم. يستشهد بفوزه في انتخابات عام 1996 بالالتفاف إلى الوسط ، والفوز في انتخابات أخرى في عام 2015 بالالتفاف إلى اليمين. ينضم إلى الأحزاب الدينية والمستوطنين المتعصبين ذات يوم، ويسعى إلى تحالف مع أحزاب اليسار في اليوم التالي. وبهذه الصيغة، لا يستبعد أن يتمكن يومًا ما من القيام بحركة جريئة مع الفلسطينيين إن شعر أنها الورقة الرابحة.

يعود إلى انتخابات 2015، حين أجاب بيبي عشية الانتخابات بشكل قاطع أنه لن يسمح بدولة فلسطينية طالما بقي رئيسًا للحكومة، في محاولة لتقوية جناحه اليميني، قبل أن ينقلب بعد بضعة أشهر، في رحلة إلى واشنطن، عندما قال إنه ما زال «ملتزمًا برؤية سلام دولتين لشعبين»، فيما يراها الكتاب «مرونة عميقة ومهارات براجماتية يخطئ العالم حين يرى محركها دوافع أيديولوجية»، في حين أنها مجرد تصرفات آنية تصدر عن شخص لا يتعدى كونه «مجرد سياسي محلي على الطراز الأمريكي مستعد ليقول أي شيء ليعاد انتخابه»؛ إذ «لا شيء لدى نتنياهو سوى الاستعداد لفعل كل ما يحتاج إليه لبقاء سيد المراوغة على قمة الكتلة الإسمنتية»، وهو في ذلك يشير إلى السماء، ويشير إلى التاريخ، ويشير إلى قوى الشر المجاورة، بينما يرى أن «الشيء الوحيد الذي يمكن لإسرائيل أن تفعله هو الاحتماء».

يعود نتنياهو في ذلك إلى أيديولوجيا مؤسس الصهيونية التصحيحية والأب الروحي لليمين الإسرائيلي، فلاديمير جابوتنسكي، الذي كان معلم والد نتنياهو، بن صهيون، المتمثلة في «الجدار الحديدي»: «على اليهود أن يدافعوا بقسوة عن مصالحهم. وهذا يعني شن حرب لا هوادة فيها ضد العرب المحليين حتى يدركوا أن اليهود لن يغادروا أبدًا». وهذا يعني بالنسبة لبنيامين أن الحرب يجب أن تستمر من أجل الوجود، دون طموح للوصول إلى المزيد.

هذا الطموح المحدود كان كافيًا لنتنياهو ليبعد جميع المنافسين الأقوياء، بدرجة لم تمنحه الأغلبية المطلقة لنفسه أبدًا، لكنها كانت كفيلة لاستغلال انقسامات المعارضة الإسرائيلية المتنوعة أيديولوجيًا، بما يضمن فشلها أيضًا في بناء تحالف الأغلبية. ربما يفسر هذا أن الشهور القليلة التي بقي فيها بنيامين خارج السلطة، كانت الفترة التي تمكنت فيها المعارضة من تجاوز انقسامها وتشكيل حكومة لم تدم، ليعود «الملك بيبي» أو «سيد الأمن» كما يحب تسمية نفسه، إلى السلطة مجددًا.