الرئيس بوتين: تُسرب هذا من أجلي؟
مؤسس ويكيليكس: نعم.
من لِقاء مُزعوم بين الاثنين.

في مارس/أذار 2017 وَقع أكبر تسريب لوثائق سرِّيّة في تاريخ «وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية» CIA، نشرت ويكيليكس آلاف الصفحات التي تصف أدوات وتقنيات وبرامج متطورة تستخدمها الوكالة لاختراق الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر وحتى أجهزة التلفاز المتصلة بالإنترنت.

أمريكا تتجسس عليك… هاتفك… حاسوبك، هذا ليس بجديد، ففي صيف 2013 فر الموظف التقني في جهاز الاستخبارات الأمريكية «إدوارد سنودن»، ذهب إلى الصين (كان ذلك بالتنسيق مع روسيا ووكالة الاستخبارات، وادعت ويكيليكس أنها دفعت ثمن الرحلة) ثم استقر في روسيا، فضح سنودن وكالة الأمن القومي NSA، وسرَّب وثائق سرِّية تتعلق بنشاطات الوكالة إلى الصحافة، أزاح بنحو مفاجئ وبدفعة واحدة النقاب عن مدى وكثافة ما تُمارسه الولايات المُتحدة الأمريكية على مستوى العالم أجمع من عمليات تنصت على الناس وعلى مُكالماتهم الهاتفية، واختراق لأجهزة الكمبيوتر ووسائل التواصل الاجتماعي.

والمُلاحظ أن الوكالة لا تتنصت فقط على التنظيمات الإرهابية والدول الداعمة للإرهاب، ودول تُهدد أمن الولايات المُتحدة فقط، بل أيضًا تتنصت على دول صديقة (1)، ففي يوليو/تموز 2015 نشرت ويكيليكس وثائق وكالة الأمن القومي المسربة التي كشفت عن مراقبة أمريكية للمستشارة الألمانية »أنجيلا ميركل«، والرئيس الفرنسي «فرانسوا هولاند»، والأمين العام للأمم المتحدة «بان كي مون»، وكذلك «بنيامين نتنياهو»، و«سيلفيو برلسكوني».

وتجسست على مواطنين عاديين أمريكيين وأجانب، تتقصى عناوينهم وتتبع رسائلهم، وتحفظها في خوادم وأجهزة تخزين عملاقة، كي تستخدمها عند الحاجة. تمامًا كما تنبأ «جورج أورويل» في روايته الشهيرة 1984، بأن يُصبح الناس مُراقبون، سواء كانوا مذنبين أم لا. (2)

ما الجديد في تسريبات ويكيليكس؟

على عكس وثائق «وكالة الأمن القومي» التي قدمها إدوارد سنودن للصحافيين عام 2013، فهي لا تتضمن أمثلة على كيفية استخدام أدوات الاختراق.

أما تسريبات ويكيليكس، فتصل إلى حد كتالوج مُفصل وعالي التقنية من الأدوات. آلاف الصفحات التي تصف أدوات وتقنيات متطورة تستخدمها الوكالة لاختراق الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر وأجهزة التلفزيون المتصلة بالإنترنت، وحتى عندما يبدو أنه تم إيقاف تشغيل تلفاز سامسونج «كأنه خطأ، يعمل التلفاز ويسجل المحادثات في الغرفة ويرسلها عبر الإنترنت إلى خوادم الـ CIA السرية». وتتضمن التسريبات تعليمات حول اختراق شبكات Wi-Fi ومجموعة كبيرة من برامج الكمبيوتر الشائعة؛ Skype؛ ووثائق PDF؛ وحتى برامج مكافحة الفيروسات التي يستخدمها الملايين لحماية أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم.

مثلًا؛ برنامج يُسمى Wrecking Crew يشرح كيفية تعطل جهاز كمبيوتر مستهدف، وبرنامج آخر يشرح كيفية سرقة كلمات المرور باستخدام Internet Explorer. وبرامج أخرى تسمى CrunchyLimeSkies وElderPiggy وAngerQuake وMcNugget.

بالإضافة إلى اختراق هواتف Apple وAndroid الذكية، مما يسمح لضباط الـ CIA بتجاوز التشفير على التطبيقات الشائعة مثل Signal وWhatsApp وTelegram. ويمكن للضباط المتسللين اختراق الهواتف الذكية وجمع «حركة الصوت والرسائل قبل عمليات التشفير».

يقول مؤسس ويكيليكس:

فقدت وكالة الاستخبارات المركزية السيطرة على ترسانة كبيرة من أدوات الحرب السيبرانية، ثم غطت على ذلك بأن المواد لم يتم تأمينها.

وثائق ويكيليكس تشير إلى أن الحكومة سمحت عن عمد بنقاط الضعف في الهواتف والأجهزة الأخرى بالاستمرار لجعل التجسس أسهل. سيتم استغلال نقاط الضعف هذه ليس فقط من قبل الوكالات الأمنية الأمريكية، ولكن من قبل المتسللين والحكومات في جميع أنحاء العالم، كما يقول «بن ويزنر»، مدير مشروع الكلام والخصوصية والتكنولوجيا التابع للاتحاد الأمريكي للحريات المدنية.

ويكيليكس… من أين لكِ هذا؟

كرجل يهتم بأجهزة الاستخبارات وتاريخها وطُرق عملها، أثار ذلك الريبة في صدري، خلال التاريخ؛ عادةً ما يُسرب شخص ما عدة صفحات أو حتى شفرة تواصل أو كُتيب صواريخ أو يهرب بطائرة حربية كما فعل العراقي «منير روفا»، وتظل التسريبات حالات فردية يقوم بها أشخاص خائنون. أما كل هذه الكم من الوثائق السرَّية!، وبهذه التفاصيل، جعلني أتساءل:

ويكيليكس… من أين لكِ هذا؟

تأسست ويكيليكس في عام 2006 على يد المبرمج والناشط الأسترالي «جوليان أسانج»، وهو أيضًا مُخترِق كمبيوتر مشهور، تم إدانته في مجموعة من جرائم الجرائم الإلكترونية في عام 1991، ولكنه لم يتلقَّ سوى عقوبة بسيطة. سار أسانج على خُطى «دانيال إلسبرغ»، وهو مُحلِل وباحث عسكري أمريكي، قام عام 1971؛ بتسريب أجزاء من تقرير سرِّي مكون من 7000 صفحة يوضح بالتفصيل تاريخ التدخل الأمريكي في الهند الصينية (فيتنام) من الحرب العالمية الثانية حتى 1968، سُميت «أوراق البنتاغون». لكن ويكيليكس تجاوزت إلسبرغ بكثير.

خلال الأعوام التالية؛ نشرت ويكيليكس ما تسميه «سجلات الحرب الأفغانية»، وهي أكثر من 75 ألف وثيقة سرية تسجل الخسائر المدنية التي لم يتم الكشف عنها سابقًا، والتي تسببت بها القوات الأمريكية وقوات التحالف، وتفاصيل ملاحقة أسامة بن لادن وروايات عن تصعيد القتال من قبل طالبان.

ونشر موقع ويكيليكس ما يقرب من 400 ألف وثيقة عسكرية سرية يُطلق عليها «سجلات حرب العراق». ونشر أكثر من 3 ملايين رسالة دبلوماسية أمريكية مُسربة من حوالي 300 قنصلية وسفارة أمريكية في جميع أنحاء العالم. وبرقيات من السفارة الأمريكية بالقاهرة أثناء ثورة يناير 2011. و«ملفات جوانتانامو»، وهي حوالي 800 وثيقة عسكرية سرية تصف بالتفصيل المزاعم الرسمية عن الأعمال الإرهابية التي قام بها الرجال المحتجزون في خليج جوانتانامو بكوبا. ونشرت حوالي خمسة ملايين رسالة بريد إلكتروني مسربة من شركة Stratfor، وهي شركة خاصة تصف نفسها بأنها «شركة استخبارات عالمية» وغيرها الكثير.

مرةً أخرى: ويكيليكس… من أين لكِ كل هذا؟

ويكيليكس والانتخابات الأمريكية

خلال انتخابات 2016؛ كانت روسيا تُريد ترامب رئيسًا لأمريكا، ولا تُريد المرشحة الديمقراطية «هيلاري كلينتون»، لذا حاولت التأثير على الانتخابات الرئاسية الأمريكية وإلحاق الأذى بكلينتون، وبدءًا من يوليو/تموز 2016 بدأت ويكيليكس في نشر رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بشبكة DNC (اللجنة الوطنية الديمقراطية)، في أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني، شرعت ويكيليكس في نشر رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بمساعد هيلاري كلينتون السابق ورئيس حملتها؛ «جون بوديستا». ألقى مسئولو الاستخبارات الأمريكية باللوم على روسيا في لعبة اختراقات البريد الإلكتروني ونشرها.

وفقًا لمسودة وثيقة من فريق المُحقق «روبرت مولر»، الذي حقَّق في التدخل الروسي في انتخابات 2016، قام الكاتب «جيروم كورسي» بإبلاغ «روجر ستون»، صديق ترامب والمستشار السياسي السابق، بأن ويكيليكس ستُفرِج عن مجموعة من رسائل البريد الإلكتروني التي تم اختراقها والخاصة برئيس حملة هيلاري كلينتون.

نفى أسانج أن الحكومة الروسية وراء عمليات الاختراق خلال الانتخابات، قائلًا لقناة «فوكس نيوز» في مقابلة في 3 يناير/كانون الثاني 2017: «مصدرنا ليس الحكومة الروسية وليست طرفًا في الدولة».

وبرغم ذلك يعتقد مسئولو الاستخبارات الأمريكية -بثقة عالية- أن هناك علاقة قوية بين الاستخبارات الروسية والكيانات Guccifer 2.0 وDCLeaks.com وWikiLeaks التي أدت إلى طوفان رسائل البريد الإلكتروني المخترقة من اللجنة الوطنية الديمقراطية وشركاء هيلاري كلينتون.

وصفت كلينتون مؤسِس ويكيليكس جوليان أسانج بأنه «أداة للاستخبارات الروسية»، ووصفت ويكيليكس بأنها «خدمة استخبارات معادية» وذلك على لسان مدير وكالة المخابرات المركزية السابق ووزير الخارجية الحالي «مايك بومبيو».

وقد قال تقرير استخباراتي في يناير/كانون الثاني 2017:

نُقدِّر -بثقة عالية- أن إدارة المخابرات الرئيسية الروسية (GRU) نقلت المواد إلى ويكيليكس.

فمن الواضح أن روسيا مررت رسائل البريد الإلكتروني إلى ويكيليكس من خلال Guccifer 2.0، لكن أسانج لم يسأل السؤال المُحرِج لأنه يُريد الأشياء.

لماذا طرف ثالث؟

عادةً ما يتم تشبيه عَمَل أجهزة الاستخبارات بعملية التنفس عند الإنسان، طالما أنك تتنفس جيدًا فلن تشعر بالتنفس، أما إن حدث مشكلة ما فإنك تشعر بكل شيء. بمعنى أنه رغم أن أجهزة الاستخبارات تتحكم في كل شيء بطريقة مُباشرة أو غير مباشرة (أما التدخل المباشر أو أنها ترفع تقارير «تقدير موقف» إلى الرؤساء، وبناءً عليها تُتخذ القرارات)، وبرغم ذلك فإننا لا نشعر بوجود أجهزة الاستخبارات في حياتنا إلا حينما ترتكب خطأ ما، فإن اسمها يظهر على السطح، كما حدث في قضية مقتل الصحافي «جمال خاشقجي» أو محاولة اغتيال «خالد مشعل» في عمَّان من قِبل الموساد.

حتى تظل في الخَفاء، تعمد أجهزة الاستخبارات إلى طرف ثالث، يتحمل المسئولية عند وقوع خطأ ما، فتظل هي بعيدًا. فمثلًا تُنشأ شركات خاصة، تكون مُرتبطة بها، ويُديرها موظفون سابقون في الاستخبارات.

إذا قررت الاستخبارات الروسية قول شيء ما إلى الشعب الأمريكي أو العالم فإنها لن تخرج بنفسها وتتحدث علانيةً، بل تُوحي وتُسرِّب المعلومات إلى شخص أو جهة ما، هذا الشخص أو الجهة تدَّعي أنّها تُريد الإصلاح والحرية وأنَّها جمعية خيرية عالمية.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.

المراجع
  1. وولفغانغ كريجر، “تاريخ المخابرات من الفراعنة حتى وكالة الأمن القومي الأمريكية”، ترجمة: عدنان عباس علي، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون، إبريل 2018، ص 11.
  2. المرجع السابق، ص 12.