كان النجاح الذي تشهده المنافسات الأولمبية في كل عام هو المحفز الأول والرئيسي للاتحاد الدولي لكرة القدم لتنظيم بطولة ما تضم كل منتخبات العالم من تنظيم لجانه الخاصة، سُميت بكأس العالم. البداية كانت في أمريكا الجنوبية، ومن وقتها انطلقت 20 نسخة من بطولة كُتب لها أن تُصبح الأولى والأكثر متابعة على مستوى اللعبة ككل منذ البداية.

خلال تلك السنوات والنسخ تَعدَّل كل شيء في نظام البطولة تقريبًا، زاد عدد المنتخبات مرات عدة، تغيرت طريقة مشاركتهم بالمسابقة حتى الوصول إلى النهائي، وكذلك طريقة الحصول على اللقب، كل نظم اللعبة قد تم تجربتها إلا نظامًا واحدًا فقط، وهو نظام الذهاب والعودة. فهل إذا كان معتمدًا من قبل كان سيتغير شيء في تاريخ البطولة؟


المسافة دائمًا عامل مساعد

أُقيمت النسخة الأولى من البطولة في أوروجواي عام 1930. كانت كل من المجر، إيطاليا، هولندا، إسبانيا، والسويد قد قدمت عروضها للتنظيم، لكن منذ البداية كانت أوروجواي هي المرشحة المفضلة،السبب في ذلك لم يكن فقط احتفال بلادهم بمرور 100 عام على استقلالها، لكن أيضًا كونها الدولة الوحيدة المستعدة لتغطية جميع التكاليف، بما في ذلك السفر والإقامة للفرق المشاركة، كما سيتم تقاسم أي ربح ممكن من البطولة، في حين ستتكفل الدولة بأي خسائر أو عجز ناتج عن تنظيمها. هذه الحجج كانت حاسمة لصالح الدولة اللاتينية.

وعلى الرغم من أن فكرة إقامة بطولة لكأس العالم بدأت من خلال 7 دول أوروبية، فإن الفكرة حينما دخلت حيز التنفيذ ونُظمت داخل قارة أمريكا الجنوبية، قررت أغلب الدول الأوروبية التي دُعيت للبطولة، العدول عن فكرة المشاركة رافضة أن تقطع كل هذه المسافة، ليقتصر عدد المشاركين على 4 منتخبات فقط، هي: بلجيكا، فرنسا، رومانيا، ويوغسلافيا، وقد تم تكفل سفرهم على سفينة خاصة بالـ«كونت فاردي»، كنوع من أنواع الحيل لإقناعهم بالمشاركة.

في النسخة التالية عام 1934، كان مسئولو الفيفا يعانون من أحداث سيئة ولغط كبير في الفترة التي سبقت الألعاب الأولمبية لعام 1932، فيما يخص وضع الهواة في اللعبة، بالتالي تكثفت كل الجهود حول النسخة الثانية من المونديال لعلها تمحو أثر ذلك. وقع الاختيار على إيطاليا من قارة أوروبا لاستضافة هذه النسخة.

هنا حدث النقيض، منتخبان فقط من أمريكا الجنوبية شاركا داخل البطولة ضمن 16 منتخبًا، منتخب واحد من أفريقيا هو مصر، وممثل وحيد من أمريكا الشمالية وهو الولايات المتحدة الأمريكية، جميعهم خسروا في الدور الأول من البطولة، والذي كان بنظام خروج المغلوب على عكس النظام السابق للبطولة التي أقيمت بنظام المجموعات، ليصبح هناك ثماني فرق أوروبية خالصة في الدور ربع النهائي.

رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، الراحل جول ريميه، وشكل كأس البطولة المسماة باسمه

النسخة التالية شهدت سوء التنظيم نفسه، حيث قرر منظمو البطولة إهداء فرنسا حق استضافة وتنظيم النسخة المقامة في عام 1938، وذلك تقديرًا لجهود رئيس الفيفا آنذاك «جول ريميه» الذي كان صاحب فكرة البطولة من الأساس، وكذلك كمحاولة لجذب عدد أكبر من الفرق للمشاركة، بعدما عزفوا عن النسخة الأولى لبُعد المسافة.

تحقق المراد. من أصل 16 فريقًا داخل تلك النسخة، كانت البرازيل هي الممثل الوحيد من القارة اللاتينية، وبلا ممثل أفريقي، وظهور أول لآسيا بواسطة الهند الشرقية التي كانت مستعمرة هولندية، ومن ثم دولة كوبا من أمريكا الشمالية.

الأرجنتين وأوروجواي قررتا عدم المشاركة في هذه النسخة، الأولى كانت تظن أن تنظيم البطولة سيكون بالتناوب بين القارتين اللاتينية والعجوز، وكانت على ثقة تامة من ذلك، وحينما تم عكس ذلك رفضت المشاركة، وقررت الشيء نفسه بالرغم من كون فرنسا شاركت في النسخة الأولى، وبالرغم من أنها حامل اللقب الأول من البطولة وصاحبت تأييد كبير من قبل مسئولي الاتحاد الدولي.

وبالرغم من أن دول أوروبا ومن بعدها الدول اللاتينية والدول من أمريكا الشمالية، جميعهم في حالة مادية أفضل من غيرهم في القارات الأخرى، فإنهم وجدوا صعوبات كبيرة في الوصول إلى القارات الخارجية، وذلك لم يقتصر على النسخ المذكورة فقط لكن ما تلاها شهد أحداثًا مشابهة أيضًا. فقط محاولة تخيل نظام الذهاب والعودة في تلك الحالة كان سيعطي فرصة أكبر للمنافسة ووجود منتخبات أكثر لن تتكفل عناء السفر والإقامة في قارات بعيدة لمدد طويلة.


المنظم هو المرشح الأبرز

النظام الذي كانت تتوقع الأرجنتين تطبيقه في نسخة عام 1938، تم اعتماده فيما تلا ذلك من نسخ. وبعد التوقف بسبب الحروب العالمية، عادت المنافسات المونديالية في سنة 1950 بالبرازيل. ومنذ النسخة السادسة تقريبًا، والتي جرت في عام 1958، وحتى عام 1998، استمر التناوب بين كل من أمريكا الجنوبية وأوروبا في حقوق تنظيم البطولة، وظل لأوروبا ودولها نصيب الأسد في ذلك الحق، حيث تمكنوا من الحصول على حقوق استضافة نصف البطولات تقريبًا، بواقع 10 مرات من أصل 20 نسخة.

الواقع هنا يخبرنا أن من 11 بطولة حصل عليها الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، كان البطل من داخل قارتهم في 10 منها، وكذلك من أصل 9 لصالح الاتحاد اللاتيني كان اللقب من حقهم في 7 منهم، وخلال الثلاث المرات التي تقسمت على أفريقيا وآسيا وأمريكا الشمالية، فشل أي من منتخباتهم في استغلال ذلك الحدث بالمرة، وأنه بعيدًا عن نسخة عام 1958، فإن المنتخبات اللاتينية فشلت في أن تحصل على اللقب داخل قارة أوروبا عبر التاريخ، في حين أنها لم تخسر اللقب خلال تنظيمها للبطولة إلا مرتين فقط.

وبمرور بالعين المجردة على قائمة الفائزين بكأس العالم خلال ما يقرب من 100 سنة، نجد أن هناك 5 من أصل 8 حاصلين على اللقب قد نجحوا في الحصول عليه للمرة الأولى حينما حصلوا على حق تنظيم البطولة، هم أوروجواي، إيطاليا، إنجلترا، الأرجنتين، وفرنسا. ومن هنا جاءت الحكمة الدارجة والحقيقة المؤكدة بأن المنظم دائمًا يملك الفرصة الأبرز للحصول على اللقب.

لذا نستطيع الآن استنباط حقيقتين: الأولى، أن وجودك داخل قارتك التي اعتدت على أجوائها أو داخل دولتك يعزز من فرص فوزك باللقب، والثانية أنه في ظل النظام المتبع في توزيع حقوق تنظيم البطولة عن طريق المناوبة وليس أحقية التنظيم مهما كانت القارة أو اسم الدولة، فإن عملية تنظيم كأس العالم تشهد انعدام تكافؤ فرص واضح بين كل القارات، بالتالي وبالرغم من صعوبة تطبيقه، لكن نظام الذهاب والعودة والذي تتبعه اتحادات عدة صغيرة أو إقليمية كالاتحاد الأوروبي، يكفل حقوقًا أكبر لكل دولة في الاستفادة من جمهورها وملاعبها خلال نفس النسخة من البطولة بنفس القدر الذي تستمتع به الدولة الأخرى على الطرف المعاكس.


بين الكمال الفلسفي والتنفيذ الواقعي

بطولة جول ريميه، كأس العالم قديمًا، كأس العالم،
بطولة جول ريميه، كأس العالم قديمًا، كأس العالم،

كأس العالم بنظامه الحالي قد تم استنباط فكرته من بطولة سابقة نظمت في إيطاليا باسم «سيرتوماس ليبتون». كانت تلك البطولة تستدعي فرقًا من دول معينة، ويمثل كل فريق علم بلاده كما لو كان المنتخب الأصلي لها. بدأت تلك القصة في عام 1909، وخلال العامين اللذين دُعيت فيهما إنجلترا عن طريق فريق «وست أوكلاند». البعض يشير إلى أن ذلك الإنجاز كان لا بد أن يُوضع في خزائن الإنجليز ومساواته بإنجاز 1966 حين حصلت إنجلترا على لقب المونديال.

ما يهمنا في تلك الجزئية أن هناك نظامًا تم استيحاء فكرته من بطولة مصغرة للأندية، فلما لا يتم توسيع نطاق دوري أبطال أوروبا ونظامه لينال كأس العالم ويضيف إليه مزيدًا من تكافؤ الفرص والعدالة بين كل القارات والدول.

في كل مرة يتم تغيير شيء ما في نظام كأس العالم الذي نراه في أيامنا هذه، سواء الأعداد المشاركة أو نظام لعب البطولة، كان هناك إما ضرورة أو اضطرار للقيام بذلك، وعليه وبالرغم من علمنا بصعوبة تطبيق نظام الذهاب والعودة، على شاكلة نظام دوري أبطال أوروبا مثلًا، لكن ذلك النظام لا يخلو أبدًا من ضرورة تطبيقه مثله مثل الأنظمة الأخرى، أو ربما هو بحث عن كمال فلسفي لم نصل إليه أبدًا في دنيا الواقع، لكنه سعي ربما ينجح ذات يوم.