مر عامان على انقلاب «الحوثيين» وما زالوا يسيطرون على العاصمة صنعاء ومعظم المحافظات الشمالية، ورغم إطلاق السعودية لــ«عاصفة الحزم» في مارس/أذار 2015 للتصدي لهذا الانقلاب؛ إلا أن عملياتها العسكرية بالتعاون مع الدول العربية والصمت الغربي في البداية لم تنجح حتى الآن في تحقيق أهدافها؛ فما زال المتمردون باقين ويناورون سياسيًا وعسكريًا فقد نجحوا بالتعاون مع قوى أخرى وخاصة إيران في استنزاف الرياض، وفي هذا التقرير نقدم قراءة لآخر مستجدات الأوضاع باليمن، والصعوبات التي تواجه السعودية، وسيناريوهات الحل الممكنة للأزمة.


ماذا يدور حاليا؟

فشلت الجهود الدولية وجهود «التحالف العربي» بقيادة السعودية حتى الآن في إجبار تحالف «الحوثي-صالح» في الدخول بمفاوضات جدية لحل الأزمة رغم تقديم تنازلات كبيرة من قبل التحالف وحكومة «هادي» وذلك بدمج «الحوثيين» في إدارة الدولة ولكنهم يضعون شروطا لم يقبل بها تحالف الشرعية.

يكمن الخطر في هذه المبادرة في اعتبار «الحوثيين» «أقلية» وبالتالي لن يتم التعامل معهم كمتمردين ولكن كطرف شرعي في مواجهة الحكومة.

يستعد الآن المبعوث الأممي لليمن «إسماعيل ولد شيخ» لبدء جولة جديدة من المفاوضات بين طرفي الصراع وذلك بعد إعلانه في 8أغسطس/آب الماضي انتهاء محادثات الكويت، بعد مفاوضات استمرت لأشهر لم يتوصل فيها إلى اتفاق لحل الأزمة، وطرحت الكويت أخيرًا أن تستضيف جولة جديدة من المفاوضات رغم اقتراحات باستضافة دولة أوروبية للمشاورات.

وآخر مبادرة لحل الأزمة أعلنها وزير الخارجية الأمريكي «جون كيري» يوم 25 أغسطس/آب الماضي والتي جاءت بالتوافق مع دول الخليج وممثلي الأمم المتحدة، وتقضي بتشكيل حكومة وحدة وطنية وسحب القوات من صنعاء ومناطق أخرى ونقل جميع الأسلحة الثقيلة ومنها الصواريخ البالسيتية من «الحوثيين» والقوات المتحالفة معها إلى أطراف ثالثة.

يكمن الخطر في هذه المبادرة في اعتبار «الحوثيين» «أقلية» وبالتالي لن يتم التعامل معهم كمتمردين ولكن كطرف شرعي في مواجهة الحكومة.

يعلن «الحوثيون» من وقت لآخر استعدادهم للتفاوض ووقف العمليات العسكرية ضد السعودية وآخرها اقتراح رئيس المجلس السياسي -غير معترف به دوليا- «صالح الصماد» يوم 25 سبتمبر /أيلول الماضي هدنة على الحدود مع المملكة مقابل وقف التحالف لغاراته ورفع الحصار المفروض علي اليمن.

ردًا على ذلك أكد التحالف العربي أنه لن يقبل بأي اتفاق سلام إلا إذا اشترط قيام جماعة «الحوثي» بحل جناحهم المسلح، فرغم الحاجة لحل سياسي للصراع في اليمن فإن الرياض لن تؤيد اتفاقا يسمح للجماعة بالإبقاء على المسلحين.

مع استمرار فشل المسار السياسي لحل الأزمة يستمر الأطراف في الصراع الذي لم يستطع أي من أطرافه فرض موقفه على الآخر، وخاصة حكومة «هادي» التي، ورغم الدعم من التحالف وخاصة دول الخليج، ما زالت ضعيفة بل ولم تستطع حتى الآن إدارة وحل أزمات المناطق المحررة والخاضعة لسيطرتها، مما أفقدها وجود تأييد شعبي لها في المناطق الخاضعة لسيطرة الانقلابيين، مما يصعب من مهمتها في تحرير المحافظات الباقية وخاصة العاصمة.


تحديات تواجه السعودية

تعيش المملكة الآن مرحلة صعبة ليس فقط لتورطها في اليمن، ولكن لأزمات أخرى متزامنة وأهمها الاستهداف الأمريكي لها وخاصة بعد إقرار الكونجرس بمجلسيه الشيوخ والنواب يوم 28 سبتمبر/ أيلول 2016 لقانون العدالة ضد رعاة الإرهاب «جاستا» والذي يتيح مقاضاة السعودية على خلفية مزاعم تورط رعايا أو مسؤولين تابعين لها في عمليات إرهابية ضد أمريكا.

أتى هذا بالتزامن مع توجيه العديد من المنظمات الحقوقية والدولية التهم لـ«التحالف العربي» -وخاصة السعودية- بارتكاب انتهاكات في اليمن وهو ما يؤدي لضغوط على المملكة من قبل الدول الغربية لإنهاء عملياتها العسكرية.

فقد أعلنت منظمة «أطباء بلا حدود» انسحابها في أغسطس/آب الماضي اعتراضًا على القصف العشوائي والتطمينات غير الموثوق بها من التحالف وذلك بعد مقتل وإصابة العشرات بعد استهداف التحالف مستشفيات تديرها المنظمة.

بالتزامن مع ذلك سحبت واشنطن مستشارين عسكريين لها كانوا يشاركون ضمن عمليات «التحالف العربي» وأصبح الذين يشاركون حاليا في العمليات يقلون عن خمسة أفراد بينما كانوا نحو 45 فردًا.

بالإضافة لذلك هناك أزمات أخرى وأهمها انخفاض أسعار النفط وما ترتب عليه من لجوء المملكة لسياسة تقشف والتي ساهمت فيها العمليات العسكرية للمملكة في اليمن في دعم عمليات التقشف نتيجة لتكاليف الحرب.

كل هذه الضغوط جعلت وضع السعودية في اليمن حرجًا بعد أن أعلنت أن «عاصفة الحزم» لن تستغرق إلا أشهرَ معدوداتٍ لتحقيق أهدافها بدحر الانقلاب وعودة الشرعية المتمثلة في الرئيس «منصور هادي»، لكنها وبعد أكثر من عام من حملتها العسكرية لم تزدد إلا استنزافًا لمواردها، بالتزامن مع توالي الضغوط عليها من حلفائها الغربيين، الذين هم مصدر السلاح السعودي، بجانب أنباء عن وجود خلاف مع أهم دولة بالتحالف وهي الإمارات.

وفي مقابل الضغوط الغربية على السعودية وشركائها، تستمر إيران – الداعم الأساسي لانقلاب «الحوثيين» وحليفهم الرئيس السابق «عبد الله صالح» – في إرسال المساعدات العسكرية والإستراتيجية للحوثيين والذي يتضح في إعلان التحالف أكثر من مرة القبض على شحنات أسلحة إيرانية موجهة لـ«الحوثيين»، وأخيرًا طالب رئيس البرلمان الموالي للانقلاب رسميا من نظيره الإيراني «دعم اليمن» ضد التحالف.

بهذا الدعم تكون إيران فتحت جبهة جديدة ضد دول الخليج وخاصة السعودية، فإن لم تستطع حتى الآن إنجاح الانقلاب إلا أنها استنزفت دول الخليج عسكريًا وماليًا وسياسيًا، ونجحت في إضعاف موقفهم في سوريا وكذلك العراق وإشغالهم بحدودهم المباشرة في اليمن.


السيناريوهات المتوقعة لمسار الأزمة

في مقابل الضغوط الغربية على السعودية وشركائها، تستمر إيران في إرسال المساعدات العسكرية والإستراتيجية للحوثيين

يستمر الصراع دون قدرة أي طرف حتى الآن على حسم الأمور لصالحه فـ«هادي» بدعم من «التحالف العربي» يسعى لاستعادة صنعاء، ونزع سلاح الانقلابين،ثم بعد ذلك الدخول في حوار سياسي مع المتمردين لكنه فشل في ذلك.

تحولت اليمن لساحة استنزاف جديدة لدول الخليج من قبل قوى دولية أرادت ابتزازهم وإضعافهم ووضعهم في حرب بالوكالة ضد إيران

في المقابل يريد الانقلابيون إلغاء القرارات الدولية التي تستهدفهم وخاصة القرار 2216 الصادر عن مجلس الأمن، وعزل «هادي» وتشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة، لكن مع تزايد الضغط عليهم عرضوا التخلي عن محافظتي «تعز» و«البيضاء» بعد تكبدهم خسائر فادحة بها في مقابل الحفاظ على نفوذهم في مناطقهم التقليدية.

قد تتخذ الأزمة مسار انفصال الجنوب عن الشمال وخاصة بعد نقل الحكومة مقر البنك المركزي من صنعاء إلى «عدن» وضغط سياسيي الحراك الجنوبي لاستغلال الفرصة الراهنة وإعلان الانقسام الذي سينأى بالجنوب عن الحرب الآتية من الشمال، الأمر الذي يتعارض كليًا مع مصالح المملكة، فهي بذلك لن تكون قد حققت أهدافها الأصلية من حملتها العسكرية بمنع «الحوثيين» من إقامة دولة لهم على حدودها والاحتفاظ بمعقلهم المتاخم للأراضي السعودية في «صعدة».

ورغم تهديد مسألة انفصال اليمن لأمن السعودية إلا أن هناك أنباء عن دعم الإمارات لهذا المسار حيث دعا محافظ«عدن» «عيدروس الزبيدي»، خلال سبتمبر/أيلول الماضي، لتأسيس مجلس سياسي في المحافظات الجنوبية على غرار المجلس السياسي، الذي شكله «الحوثيون».

هناك سيناريو آخر للأزمة وهو قبول الانقلابيون لأمر وسط وهي مبادرة «كيري» والتي ستضمن لهم دورا سياسيا بضمان أمريكي، حيث اعتبرتهم المبادرة كأقلية والأهم أنها حظيت بموافقة خليجية وإن أتت مرغمة بسبب عدم قدرتها على حسم الأمور لصالحها.

سيكون هذا السيناريو المقبول للسعودية والتي لا تريد أن يسيطر «الحوثيون» على مناطق بعينها لينشأوا فيها دولتهم، كما لا تريد أن يتحولوا لمليشيا إيرانية رغم أن هذا حدث حيث حصلت جماعة «الحوثي» على دعم إيراني بخلاف حروبها السابقة أكسبها مهارات عسكرية ومكنها من الاستمرار في القتال حتى الآن.

سواء تحقق سيناريو الانفصال أو استمرار الوحدة فإن اليمن ستعاني خلال المرحلة القادمة، حيث تفتقد حكومة «هادي» للقدرة على تيسير الأمور وحل الأزمات بدون الارتهان للخارج والارتباط بشروطه وليس ما تقتضيه مصالح الشعب اليمني وكذلك الانقلابيين.

هناك طرف ثالث سيهدد الجميع سواء اليمنيين أو دول الخليج وهو الإرهاب والمتمثل في وجود تنظيمي «القاعدة» و«داعش» واللذان قاما بعمليات ضخمة وصلت إلى إعلان «القاعدة» القاعدة سيطرتها على محافظات بأكملها قبل أن يتم طردها من مراكز هذه المحافظات إلى أطرافها مرة أخرى.

ختاما يمكن القول أن بعض دول الجوار اليمني بالإضافة لإيران ساهمت في إضعاف اليمن بالتآمر على ثورته في 2011 حيث خشيت دول الخليج من وصول أطراف معينة للسلطة فعملت على إيجاد مخرج أمن لـ«صالح» والذي انقلب بعد ذلك عليهم بالتواطؤ مع «الحوثيين» ليطيحا بالرئيس «هادي» والمسار الانتقالي كله، تمهيدا لتقديم اليمن على طبق من فضة للنفوذ الإيراني.

بهذا تحولت اليمن لساحة استنزاف جديدة لدول الخليج سواء من قبل قوى دولية أرادت ابتزازهم وإضعافهم ووضعهم في حرب بالوكالة ضد إيران، والتي بدورها استطاعت تحقيق مكاسب كبيرة باستنزاف الخليج ولم تخسر كثيرا في هذا الصراع بل ستكسب في جميع الحالات، والخاسر في هذا الصراع هو الشعب اليمني الذي ما زال ينزف وسط تضارب المصالح والتآمر عليه.