لكل دولة رئيس، أما زيمبابوي فرئيسٌ له دولة.وجود الرئيس موجابي سابقٌ على وجود دولة «زيمبابوي». الرئيس وُلد عام 1924، أما الدولة فولدت من رحم الإمبراطورية البريطانية عام 1965 تحت مُسمى «روديسيا» كدولةٍ للأقلية البيضاء. عانت الدولة الأهوال تحت حكم سميث. قاطعها المجتمع الدولي قاطبةً. نشأت جبهةٌ لتحرير «روديسيا» بقيادة موجابي وجوشوا نكومو. نالت الأغلبية الأفريقية الحكم لجمهورية زيمبابوي. صار موجابي رئيس وزرائها ثم حاكمها منذ الاستقلال حتى الآن. مدة حكمه 36 عامًا حتى الآن وما زال العدّ مستمرًا.لم يدم فرح الأغلبية الأفريقية طويلًا. بدا أن للدولة من اسمها نصيبًا. فاسم «زيمبابوي» جاء تيمنًا بمدينة مهجورة قديمة تعني «بيوتًا من حجر». الكهرباء لا تصل إلى المناطق السكنية إلا ثلاثة أيام فقط في الأسبوع. عاد شعبها إلى ما فعله الإنسان البدائي؛ قطع أشجار الغابات من أجل الإنارة والتدفئة. لم يُعانِ سكان الريف من تلك المشكلة؛ إذ لم تصلهم الكهرباء من الأساس. وحتى من يُعاني من تلك المشكلة، لن تدوم معاناته طويلًا؛ فمتوسط عمر الفرد في زيمبابوي 37 عامًا للذكور، و34 عامًا للإناث.تلك ا لأوضاع غير الآدمية جعلت أنهارًا من اللاجئين تتدفق إلى الدول المجاورة. وصل عددهم إلى 3.4 مليون لاجئ. وإذا كان عدد سكان الدولة أصلًا هو 12 مليونًا. فإذن، ربع سكان الدولة لاجئون. أضف 20 ألفًا قتلهم بزعم التمرد، بمساعدة نائبه السبب الخفيّ وراء الانقلاب. وباقي السكان يعانون من نقص الغذاء. وإغلاق ثلاثة مستشفيات من أصل أربعة مستشفيات رئيسية في كامل زيمبابوي. وإذا غُلّقت المستشفيات فلا داعي للأطباء؛ فأُغلقت كلية الطب الرئيسية في البلاد. وفي 2008 أصيب 90 ألفًا بوباء الكوليرا. لم تتأخر الدولة عن المساعدة؛ فعرضت قبورًا مجانيةً للموتى.


الله وحده يعلو فوق موجابي

قضى موجابي 10 سنوات في السجن لمعارضته نظام سميث العنصري. ثم قضى بعدها حينًا في موزمبيق كون فيها حزب «زانو». ثم خاض حرب عصابات ضد الحكومة وانتصر فيها. اتضح بعد ذلك أن مشكلة موجابي لم تكن في العنصرية. ولم تكن كذلك أن العنصرية كانت موجهةً ضده لا لصالحه. بل أن العنصرية تخدم فئة دون الأخرى. فالعنصرية المشروعة هي أن يخدم الحاكم نفسه دون الشعب. وأن يُقيم لنفسه دولةً خاصةً به تختلف عن دولة الشعب.دولة موجابي متوسط العمر فيها 93 عامًا حتى الآن، وأعلن الرجل أنّه ينوي الحياة لما بعد المائة. بل لاطفته السيدة الأولى فذهبت إلى أبعد من ذلك مطالبةً إياه أن يحكم البلاد من قبره. وسيحكم من القبر فعلًا إذا فاز في انتخابات 2018 للمرة السابعة. وفي دولة موجابي أيضًا يُقام احتفال بعيد ميلاده الـ93 بتكلفة 800 ألف دولار. ليست المشكلة أن رقمًا كهذا قد ينقذ حياة آلاف. أو مُعدل التضخم في الدولة وصل إلى 1600%. الدولار الامريكي الواحد يساوي 100 تريليون دولار زيمبابوي. المشكلة أنّه جاء عبر جباية ضرائب تبدأ من دولار إلى خمسة دولارات من كل مُقيم في دولة الشعب. الدولار ليس مبلغًا هينًا في دولة معدل نموها 0.8%، وسيصبح بالسالب في 2022.دولة الشعب يقول موجابي فيها: «من يخسر الانتخابات ويرفضه الشعب عليه أن يترك العمل السياسي». أما دولة موجابي، ففيها أن الله وحده يمكنه أن يُزيحه عن السلطة. جاء ذلك بعد أن حل ثانيًا بعد زعيم المعارضة في انتخابات عام 2008.. وكان حل موجابي لهذه المُعضلة بسيطًا تمامًا. اقصف المعارضة بأقسى ما تملك من أسلحة؛ ينسحب مرشحهم، فتصير الأول. وقد كان إذ انسحب «مورغان تسفانجراي» حقنًا لدماء أنصاره. ثم تفضل موجابي، كأبٍ لشعبٍ لم يجد من يحنو عليه، بتعيين تسفانجراي نائبًا له لمدة أربع سنوات. ولم يغير ذلك من حقيقة أن موجابي هو الثاني بعد الإله على سلطة زيمبابوي.بالحديد والنار، والأسلحة والفتن، استطاع موجابي أن يُخلي الساحة من أي منافس. ولم يبق له إلا منافس وحيد. يُجاهد بشدة ليردعه. يغيب عن البلاد كثيرًا ليُوقفه. لكن يبقى «الهِرم» منافسه اللدود. ويحل في المرتبة الثانية «النوم» في المؤتمرات العالمية.


لا نتحكم في الموت، لكننا نملك الدبابات

يبدو أن الرهان في داخل الدولة كان على الموت. بمنطق بسطاء الناس «مضى الكثير، لم يبق إلا القليل». لكن موجابي يبدو واثقًا من الحياة ومتمسكاً بها. كان المُتوقع وصول النائب «إمرسون منانجاجوا» إلى السلطة بعد موت موجابي، أو في انتخابات 2018، أيهما أقرب.منانجاجوا المعروف أمنيًا باسم «التمساح» . تربطه صلة وثيقة بقائد الجيش كداعميّن للاستقلال. وشريك موجابي في حرب الاستقلال من بريطانيا. أول وزير أمن في الدولة. المُتحكم المباشر في الوحدات الخاصة. أشد حقدًا، أسوأ طباعًا، أكثر دمويةً. لكن موجابي يقوم بإقالة نائبه بحجة إظهار عدم الولاء. عدم الولاء تمثل في زعم استعمال السحر الأسود لتحديد موعد وفاة الرئيس. يطيح القرار بالنائب وبآمال الشعب في مستقبل بلا موجابي. ويُدّعم تكهنات آخرين أن الرئيس القادم سيكون حرم موجابي السيدة الأولى «غريس». شريكة موجابي في الطباع والدموية.طفح الكيل. بيانٌ من قائد الجيش وسط 90 من القيادات يُحذر من تبعات الإقالة. يدعو إلى وقف التطهير بحق شخصيات قديمة شاركت في الثورة. ويؤكد أن الجيش لن يتورع عن التدخل لحماية الثورة. بعد ذلك بساعات، العربات العسكرية تقترب من مقر الرئاسة. أكمنة نصبها للجيش على الطرق الرئيسة. إطلاق نيران كثيفة تجاه مقر الرئاسة. وضع الرئيس موجابي قيد الإقامة الجبرية. أنباء عن فرار زوجته إلى نامبيا.السيطرة على هيئة البث الرسمية. جنود تنتشر حول مطار «موجابي». اعتقال لوزير المالية، وزير الحكم المحلي، وابن شقيق موجابي. الرابط بين الثلاثة هو زعامة الحركة الموالية لتولي «جريس» مكان زوجها. وأخيرًا يُوجه الحزب الحاكم اتهاماتٍ إلى قائد الجيش بالخيانة وعصيان الأوامر. إذن، ما حدث هو انقلابٌ عسكريّ ضد رئيس الدولة.


«والله العظيم ما حكم عسكر»

زيمبابوي التي يحكمها عميد رؤساء العالم، لا تنوي الكف عن إبهارنا. الرءوس تشرئب إلى بيان الجيش المُنتظر. بعد كل هذه التكهنات والتحركات ما تراه يقول. جاء البيان ليقول للشعب نعتذر، قد أسأتم الفهم. ما قمنا به ليس انقلابًا. لا تفعيل لقانون الطوارئ. لا تعطيل للدستور. الرئيس في مأمن. إزالته ليست هدفنا. غايتنا إزالة المجرمين من حول فخامته. بمجرد انتهاء المهمة سنعود إلى مواقعنا.لا تبدو الأمور واضحةً حتى بعد مُضي أكثر من يوم على أول تحرك للجيش. لم يعلن الجيش عن خطة لما سيفعله. فقط الاكتفاء بتحذير أجهزة الأمن الأخرى من التصدي للجيش. ليتركنا الجيش في حيرة بين أمرين: إما أن الجيش صادق في أنّه جاء ليخلص الرئيس من الأشرار. أو أنّ الخوف من موجابي عميق لدرجة الرعب من تسمية ذلك انقلابًا. والشعور المُنتشر في زيمبابوي هو الخوف. لا أحد يُدلي بتصريحات. المحللون السياسيون يكتمون تحليلاتهم لما «بعد موجابي». الجميع ينتظر نهاية واضحة، إما الموت أو إعلان صريح بأن البنادق موجهة إلى رأس موجابي.ولا تبدو الحيرة شيمة الجيش وحده؛ كذلك تكون جنوب أفريقيا. الدولة الأقرب لزيمبابوي رفضت أي تغييرات غير دستورية، لكنّها لم تنتقد ما قام به الجيش. وبريطانيا تُشاركها نفس الموقف. فوزير خارجيتها أكدّ أن بريطانيا تدعم السلام وتنبذ العنف. ثم أردف أنّه ربما – ربما – يمثل انقلاب الجيش أملًا في مرحلة انتقالية جيدة. وعاد فأكدّ أن بريطانيا ستبذل قصارى جهدها لتتم الانتخابات السلمية في موعدها. وكذلك مواقف الدبلوماسية الأمريكية، والأمم المُتحدة.تبدو جميع الخيارات مرة بالنسبة للشعب. فالانقلاب إن نجح أعاد النائب الدموي. وإن فشل أعاد جريس موجابي. وفي الحالين فإن الاتحاد الأفريقي والعالم يراه انقلابًا. يتبع هذا عدم اعتراف بشرعية الحكومة القادمة. مما يعني مزيدًا من التضييق تجاريًا. وعزلةً أشد قسوة سياسيًا. خاصةً أن زيمبابوي فقيرة إلى درجة لا تجعلها قادرة على شراء الاعتراف الدوليّ كما يفعل آخرون. حينها ستتلقى زيمبابوي ضربةً قاضيةً. فيلفظ بجسدها المُثخن بالجراح أنفاسه الأخيرة.والعبرة هنا لأي ديكتاتور، أنّ الموعود بالخلافة لن ينتظر طويلًا، وأن من استطاع بناء شبكة قوية، لن يضيره تغيير القيادات المُتكرر، فلا تعط أعداءك أملًا، ولا تمنح أصدقاءك فرصةً، احكم منفردًا.