ارتكن «مارك» زوكربيرغ على حائط بغرفته بجامعة هارفارد باحثا عن وسيلة للتواصل بين زملاءه ، ربما طمح مارك آنذاك بأن يكون الموقع الذي يعمل على أنشاؤه شبكة اجتماعية رائدة في العالم، ربما تخيل أيضا أنه سيكون مصدر لجعله من أغنى أغنياء العالم، ولكن هل كان مارك فعليا يطمح لآن يكون الموقع أحدى الوسائل الهامة للجماعات الإرهابية؟


الجهاد السيبراني*: الإنترنت والتغيير في مفهوم الجهاد

“أمسك بريشته ورسم شخصا ذا ملامح عابثة، ملتحيًا، يرتدي جلبابًا ويمتطى خيلا، في يمناه مصحف، وبالأخرى سيف، وزين رأسه بعمامة سوداء، ومضى بالأسفل: هذا هو الإرهابي”تلك هي الصورة الذهنية لدى مكافحي الإرهاب عن أعضاء الجماعات الإرهابية، وهذا هو ما يتخيله بعض الناس نحو أتباع التنظيمات الإرهابية والجهادية، ولكن الواقع كل يوم يثبت أنهم أكثر مواكبة للتطور والحداثة من هؤلاء المنتقدين.في علاقة الجماعات الإرهابية بالحداثة والتنوير لخص مقال كانط الشهير «جواب عن سؤال: ما التنوير؟» التنوير في كونه « هجرة الإنسان من اللارشد والإنسان علة هذه الهجرة ، واللارشد هو عجز الإنسان عن الإفادة من عقله من غير معونة الآخرين»، وفي الإقرار بظلامية الجماعات الإسلاموية والصورة الذهنية المرسومة في المتخيل السياسي للأنظمة عن عودة تلك الجماعات بنا إلى العصور الوسطي يشير Olivier Roy في كتابه « L’Echec de l’Islam politique » «تجربة الإسلام السياسي» إلى أن حصر نموذج الحداثة في النموذج الأوروبي عين الخطأ، والحقيقة أن روا في ذلك كان يشير إلى اختلاف ثقافي ما بين الإسلاموي والأوروبي، فنموذج الحداثة الأوروبي وعصر التنوير جاء من ارتداد الفكر المسيحي على ذاته، وهذا الأمر يختلف اختلافا جوهريا في الإرث الإسلاموي، وعليه يرفض الإسلامويون تبني نموذج الحداثة الأوروبي ويسعون إلى حداثة إسلامية المنبع تتداخل ما بين جزء أصولي متعلق بصلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، وجزء تجديدي يتمثل في إعمال العقل والذي يمثل أصل وشعار التنوير.في علم السياسية وتحديدا فرع النظرية السياسية ببناء المفاهيم يشار إلى أن أي مفهوم يطرأ عليه تغيير وفقا لعوامل عدة ما يعنينا منها هنا عامل «الاستعمال» فكيف غيرت التكنولوجيا من مفهوم الجهاد؟أثبتت العديد من الوقائع أن الجماعات الإرهابية على كفاءة عالية من التعامل مع الإنترنت، كما كان في أحداث سبتمبر التي اعتمدت فيها القاعدة على الإنترنت في التخطيط للعملية، مرورا بحادثة إرهابي 007 ووصولا إلى ما نحن عليه الآن من انتشارٍ لمواقع الفكر الجهادي وحسابات الجهاديين على مواقع التواصل الاجتماعي.بدأت الجماعات الإرهابية في استخدام الإنترنت في العام 1996 حيث المراسلات لإنشاء تنظيم القاعدة، منذ ذلك اليوم طرأ استعمال جديد لمفهوم الجهاد وأصبح لدينا ما يسمى بـ الجهاد السيبراني الذي يعرف في أبسط صوره بأنه «أي عمل جهادي يحدث على الإنترنت». كعادة أي شيء؛ هناك شق إيجابي وآخر سلبي. فالجهاد السيبراني الإيجابي يمكن تعريفه على إنه استخدام الإنترنت كوسيلة لنشر الإسلام بصور مختلفة، والسلبي يمكن تعريفه على أنه الاستخدام من قبل التنظيمات المتطرفة بهدف تضليل العقول الشبابية، وتجنيدهم لمصلحة الجماعات الجهادية المتطرفة والحصول على أموال لدعم الجماعات الجهادية المتطرفة.


الفاعلون في الجهاد السيبرانيهناك خمس فاعلين رئيسيين في الجهاد السيبراني هم: قيادة الجماعات الجهادية الذين يرسمون الخطط لتلك الجماعات، ورجال الدين الذين يضعون المبررات الشرعية، والمفكرون الإستراتيجيون وهم المنظرون لتلك الجماعات، والتنظيمات المسلحة، ومن نطلق عليهم دراويش المجاهدين، ويستخدم المجاهدون ثلاثة أشكال من المواقع في جهادهم على الإنترنت بدءًا من المواقع الرسمية للجماعات الجهادية، ثم المدونات والمنتديات الجهادية الشخصية، وثالثا المواقع التوزيعية أو مواقع البنية التحتية للجماعات الجهادية التي تعمل على نشر المواد الجهادية بصورة واسعة. وتتعدد استخدامات الجماعات الجهادية للإنترنت نظرا لتوفير الإنترنت لتلك الجماعات وسائل للتواصل ونشر الفكر والتدريبات الافتراضية والتجنيد والاستطلاع والإعداد للعمليات، وعمل حملات للتمويل واستخدامه في الحرب الإعلامية.

البتار أول معسكر تدريبي على الإنترنت:

بعدما أصدر تنظيم القاعدة موقعه الرسمي الأول «معالم الجهاد» بالعام 2000 بدأ تنظيم القاعدة في الاعتماد الإنترنت بصورة أساسية، فقاموا بعمل أول معسكر تدريبي افتراضي على الإنترنت وهو معسكر البتار [1] الذي ظهر بتبني يوسف العبيري زعيم القاعدة في الجزيرة العربية، وهو عبارة عن مجلة إلكترونية تدريبية أخرج فيه تنظيم القاعدة 22 عددا، ولكنه توقف نظرا لمقتل العبيري الذي كان المسئول عن إدارة الموقع الإلكتروني ولم يعط أحدا مفاتيح إدارته.


واقع الجماعات الإرهابية على الفيسبوك

ليس من المستغرب أن تطرق الجماعات الإرهابية مواقع التواصل الاجتماعي خاصة وأن الثانية توفر لهم العديد من الفرص لتحقيق أهدافهم من ناحية سهولة بث المحتوى وإنشاء حسابات وهمية دون التحقق من هوية من يقوم بإنشائها إلى جانب سرعة تداول ما يتم نشره وإن كان يحذف في بعض الأحيان إلى أنه من السهل إعادة بثه باستخدام حسابات أخرى جديدة.استخدام الجماعات الإرهابية لمواقع التواصل الاجتماعي له أهداف عدة فمن ناحية يستخدمون تلك المواقع لنشر الفكر المتطرف عن طريق نشر كتابات سياسية وفتاوى دينية وآراء فكرية حول الجهاد، ومن ناحية أخرى تسهل مثل هذه المواقع عملية الاتصال بين القيادات والمرؤوسين، وعمل اتصالات داخلية ما بين تابعي التنظيمات المتطرفة.لم يجهل أعضاء التنظيمات الإرهابية عنصر التدريب الافتراضي؛ حيث يقومون بنشر حلقات تدريبية في كافة المجالات المرتبطة بعملياتهم العسكرية على تلك المواقع والصفحات التابعة لهم، من ناحية أخرى تهتم تلك التنظيمات بتجنيد الشباب سواء لكي يكونوا ضمن الفريق العسكري لهم أو مبايعين وجهاديين سيبرانيا ينشرون أخبار وأفعال تلك التنظيمات على مواقع التواصل.هدف آخر أكثر أهمية من أهداف التنظيمات الإرهابية على مواقع التواصل الاجتماعي وهو القيام بحملات التمويل حيث تعمل تلك التنظيمات على استخدام مواقع التواصل في الحصول على تمويل من قبل المتعاطفين والمؤيدين لهم ممن لا يقوون على المشاركة معهم في العمليات القتالية باستخدام تقنيات إلكترونية عدة كـ نظام Mobile payments أو m-payments .


من عامل بناء فاشل بأستراليا إلى جهادي داعشي

بعد خطوات محسوبة وتحليل للسلوك النفسي السيبراني -سلوك الأفراد على الإنترنت- تختار التنظيمات الإرهابية الفريسة المناسبة وتبدأ في التواصل معها، وعادة ما يكون هؤلاء مما يشعرون بالاغتراب وأن حياتهم بلا فائدة في مجتمعاتهم فيبحثون عن دور فعال يجدون فيه أنفسهم وإن كان إيجادا وهميا.محمد ممدوح المر -أو أبو عمر الملاكم كما يلقب- أسترالي من سيدني، من مسلمي أستراليا الذين ذهبوا لسوريا، تضاربت المعلومات حول كونه عراقي الجنسية ولكن نفى والده تلك المعلومة.سافر أبو عمر الملاكم من أستراليا مع 4 أستراليين منضمين لداعش في سوريا، بالتحديد في الرقة، بعد مراسلات عدة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.استغل تنظيم داعش الفشل الذي عانى منه محمد المر في الحياة ليكون مدخلا يستغله في تجنيده، حيث يشير حوار تم مع والده إلى أن محمد كان كسولا ” كان مجرد بنّاء وقال أنه لا يريد أن يعمل لذا أخرجته”لم تنقطع علاقة أبو عمر بالفيسبوك بمجرد تجنيده، فبعدما أدان صديق والده الدكتور جمال الريفي فعل محمد خصص محمد جائزة قدرها 1000$ على مواقع التواصل الاجتماعي لمن يدلي بمعلومات عن الريفي.واستمرارا لتواصله الفعال على الفيسبوك راسلته مجموعة News Corp Australia وطرحت عليه 18 سؤالا على الفيسبوك، وأجاب بداية أنه ليس من اختصاصه الرد على ذلك، ولكنه تجاوب معهم ورد عن سبب انضمامه لداعش وأيديولوجيته داعيا هؤلاء المحاورين إلى قراءة سورة التوبة مؤكدا أنه أفكاره ومعتقداته من القرآن.هنالك أمثلة عدة أيضا بخلاف المر على التجنيد عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي كما حدث في تجنيد شيكو عن طريق الفيسبوك ، وبصورة عامة تشير التقارير إلى أنه ما يقرب من 15,000 شخص انضموا إلى داعش بمساعدة كبيرة من قبل مواقع التواصل الاجتماعي.بالإضافة إلى ذلك هناك عشرات الآلاف من الصفحات المرتبطة بالجماعات الإرهابية على مواقع التواصل الاجتماعي.بخلاف المجندين من قبل مواقع التواصل الاجتماعي للقتال بجانب الجماعات الإرهابية، هناك ما يعرف باسم Cyber Militias أو الكتائب السيبرانية التي تقود الحروب في الفضاء السيبراني مستخدمة أسلحة رئيسة تأخذ ثلاثة أشكال: بداية من سلاح المعلومة والصورة والفيديو، مرورا باستخدام برمجيات تسمح للفاعلين بالتعرف على اتجاهات وميول الفاعلين الآخرين في مواقع التواصل وتحليلها ومراقبة تحركاتهم مجملها في هذا العالم الافتراضي، لمعرفة قدرات الخصم ووضع إستراتيجية لمهاجمته، وصولا إلى استخدام الهاشتاجات في ترجيح الكفة لصالح طرف ما على الآخر. [2]


نهاية تدرك الجماعات الإرهابية بصورة كبيرة أهمية مواقع التواصل الاجتماعي خاصة والإنترنت عامة في تحقيق حلم الخلافة الإسلامية، وعليه قررت الاعتماد على تلك المواقع في حربها السيبرانية ضد التحالف الدولي، وهذا ما يظهر بوضوح في تطوير تنظيم الدولة للإستراتيجية الإعلامية على مواقع التواصل الاجتماعي بالتطرق لاستخدام كافة الأسلحة السيبرانية من مشاركة فيديوهات وأفلام ذات الجودة العالية وكذلك صنع تطبيقات خاصة به واللجوء إلى ابتكار طرق وآليات مختلفة تعتمد على الثغرات المختلفة على تلك المواقع للوصول إلى طرق تمكنه من استرجاع الحسابات الخاصة به التي يسعى التحالف لحذفها، كذلك طرق باب عالم الألعاب الإلكترونية مثل لعبة صليل الصوارم التي ابتكرها تنظيم داعش كعالم مصغر للحرب مع التحالف، يتدرب فيها الأطفال والشباب الداعشيين على كيفية مواجهة التحالف.هناك جهود عدة لمكافحة ذلك التمدد الداعشي في الفضاء السيبراني ومنها ما قام به مركز الصواب المنشأ بالتعاون بين الإمارات والولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك تعاون الدول الكبرى مع مواقع التواصل لإغلاق الحسابات والصفحات المروجة للتنظيمات الإرهابية، وكذلك نشاط الدعاة المعتدلين على تلك المواقع لتوعية الشباب بالتطرف وخطورته وكذلك قوانين جرائم التقنية التي تحارب مثل هذه الأنشطة في مختلف الدول.

———————-

*يقصد بلفظ سيبراني تلك الأفعال التي تتم على الإنترنت