الحلقة الأولى: شادي


2- جودت

المهن العقلية قد تكون أشغالاً شاقة أعقد بمراحل من أي مهنة جسدية، وأعتقد أنني حيث جلست هناك أمام شاشة منسق الكلمات كنت أحسد أي بنّاء يحمل أجولة الأسمنت في الشمس الحارقة إلى الخلاط. عمل شاق نعم، لكنه سيعود لداره وينزع ثيابه ويخرج ليسهر مع رفاقه في المقهى، وينسى كل شيء حتى اليوم التالي، أما أنا فلسوف أحمل صليب الكتابة في كل مكان . سوف أفكر وأنا أتناول طعامي أو وأنا أشاهد التلفزيون أو وأنا في الفراش .. لربما وأنا نائم كذلك .. سوف أشعر بأنني مدين أربعًا وعشرين ساعة ..

اسمي جودت، ولابد أنك أدركت أنني سيناريست ومؤلف سينمائي. في الخامسة والثلاثين من العمر، أعيش في شقة مفروشة فاخرة في حي المهندسين، وغير متزوج .. لابد لمن يعيش حياتي أن يعبث قليلاً، وهو ما لن تقبله زوجة من لحم ودم. قدمت ثلاثة مسلسلات لا بأس بها وفيلمًا سينمائيًا واحدًا، وخطة حياتي بسيطة جدًا: أستيقظ في الثالثة عصرًا لأجلس في مقهى معين، وأتناول غداء سريعًا من المكرونة والدجاج هناك ثم افتح اللاب توب وأشرب الموكا والكابوتشينو وأدخن ألف سيجارة، وعلى الأرجح ينتهي اليوم بكتابة مشهد واحد … وعند منتصف الليل أخرج مع فتاة أخرى .. وغدًا يوم آخر ..

هل تعرف الكافيه الذي أجلس فيه ؟ اسمه (أرجوس) .. يمكنك أن تراني هناك عصر كل يوم وأنا أرمق الشارع من وراء الزجاج وآكل المكرونة.

الفكرة التي كانت تلاحقني مؤخرًا هي فكرة الصدمة .. طفل برئ يلهو ثم يحرق قطة حية.. في فيلم (حياة يائسة) لجون ووترز ترى (سيرفيس) طعام شديد الفخامة والأناقة طيلة تترات الفيلم، ثم يرفع أحدهم غطاء الطبق الرئيس فتكتشف أنه فأر مشوي.

هكذا كتبت مشهدًا يصلح لفيلم رومانسي.. الفتى شادي مع الفتاة الجميلة فيروز في موعد في مكان هادئ. ليلة رومانسية ساحرة تنفتح فيها طلاسم صناديق العشق الموصدة، وينتصر الهوى السكران. ثم في الذروة وفي لحظة عاطفية متأججة يهوي الفتى بالسكين على عنق الفتاة لينحره ..

هي لحظة صادمة بالتأكيد. لكن لماذا وكيف؟

في فيلم (كلب أندلسي) لبونويل يشق البطل عينًا بشرية بالموسى، ولا نطالب المخرج بأي تفسير لهذا المشهد لأن الفيلم سريالي ومن حقه أن يكون مجنونًا.. لكن كيف يتصرف من لا يقدم فيلمًا سرياليًا ؟

كنت غارقَا في مصيدة هذا المشهد الذي راق لي، لكنك بالتأكيد لا تستطيع أن تجد له مبررًا واضحًا ..

جلست في الكافيه ورحت أراقب مطفأة السجائر التي فاضت بما فيها وكادت تنسكب.. لكنها تطالب بالمزيد. وقد كنت جاهزًا لأمنحها ما تريد ..

عبر سحب الدخان أرمق ذلك الفتى الذي يجلس في الركن في الضوء الخافت، وقد طوق كتف فتاة. ظهرهما للمكان مما يدل على أنهما يداريان قصة الحب أو الاشتهاء هذه ..

كان له شعر طويل معقوص عند مؤخرة رأسه على شكل (ذيل خنزير)، وله لحية مشعثة .. أما هي فلم أتبين سوى أن شعرها بندقي جميل ..

-ـ«فيروز!»

دوى الصوت الرفيع الفضولي من خلف كتفي فاستدرت..

واحدة من الفتيات المزعجات إياهن اللاتي يلتقطن لأنفسهن صورًا بفم البطة طيلة اليوم. كانت تقف هناك وتضع يدها على فمها منادية:

-ـ«بنت يا فيروز !»

ثم أدركت أنها تنادي الفتاة الجالسة التي تعطيني ظهرها. التفتت هذه محرجة وقد بدا واضحًا أنها تكرهها .. أسوأ وقت تناديها فيه إحداهن هي هذه اللحظات. لكن الثانية الحمقاء مصرة على عمل فضيحة وإلا عملت فضيحة أسوأ..

نهضتْ الفتاة الخجول في تردد وضيق، بينما هرعت الفتاة المزعجة إياها تدنو منها فتعانقها ..

-ـ«أيتها الكلبة القذرة !»

لسبب ما تستعمل الفتيات هذه الشتائم عندما يعبرن عن حبهن لصديقاتهن، وقد تبادلت الفتاتان القبلات ثم صافحت الحمقاء الشاب ذا الشعر المعقوص في فضول كأنه حيوان غريب، ووقفوا يتبادلون كلمات سريعة ..

اسمع بعض مقاطع الكلام:

-ـ«إذن أنت شادي !.. حكى لي مصطفى عنك .. مكتبة وسط البلد.. الخ»

والفتى يهز رأسه في أدب .. كله تململ ورغبة في انتهاء المحادثة..

غريب أن يجتمع هذان الاسمان معًا .. شادي وفيروز .. المشهد الافتتاحي الذي بدأته كان هذان بطليه ..

أعتقد أنني فكرت في الاسمين بسبب أغنية فيروز (أنا وشادي)، وهو نوع مألوف من تداعي المعاني، لكن لماذا يجتمعان في عالم الواقع؟

ثم رحت أنظر لوجه فيروز في اهتمام.. ألم تكن هذه هي الملامح التي زارت خيالي وأنا أكتب المشهد؟.. وماذا عن لون العينين؟ اللون المراوغ الذي يعجز الجميع عن وصفه.. ألوان الخليج المسحور .. ألم أقل هذا أمس؟

عندما انصرفت الفتاة المزعجة كنت قد فتحت اللاب توب ورحت أتفقد ما كتبت ..

حاليًا لم يعد لدي شك. أني رأيت هذين من قبل وسمعت اسميهما، لكني لم أعرف ذلك. ترسبا في العقل الباطن ليخرجا عندما فكرت في شابين متحابين لقصتي ..

كانا الآن يجلسان في وضع ممتاز بالنسبة لي. أراهما ولا يريانني.. هما ينظران للجدار وكوبي العصير في الواقع، بينما أنا املك نظرة شاملة. همس الفتى في أذن الفتاة بكلمات فضحكتْ، وقالت بصوت استطعت أن أسمعه:

-ـ«اختشي!»

اقتراحه وقح طبعًا ..لكن لهجتها تشي بأنها لا تريد منه أن يختشي جدًا ..في النهاية مات أولئك الذين اختشوا. رأيتها تنهض وتسوي ثيابها ثم تنطلق باتجاه الحمام..

رحت أرقب الفتى حيث جلس. نظر حوله مرتين، ثم استدار نحوي بالضبط في اللحظة التي دفنت فيها وجهي في اللاب توب. ثم رأيته من الظهر يتحسس منشفة صغيرة فيفتحها.. رأيت طرف سكين عملاقة لربع ثانية، ثم أنه لف المنشفة من جديد، ورأيته يدس المنشفة في جيب السويتر المعلق على ظهر المقعد خلفه..

تعود فيروز وهي تجفف يديها، ثم تحمل حقيبتها وتدعوه للرحيل ..

يضع بعض أوراق العملة في الحافظة على المنضدة، ثم ينصرفان ..

ما معنى هذا؟

أشعر بغباء شديد .. وفي الآن ذاته أنا عاجز عن فعل شيء…

هذا موقف غير معتاد، ولا أجد في جعبة خبراتي ما يسمح لي بالعثور على رد.

ليس الجواب هو أن أصيح في الفتاة: «يا آنسة .. أنت بطلة سيناريو أقوم بكتابته، وفيه يقوم هذا الفتى بذبحك .. أرجو أن تأخذي حذرك!»

لا أجد طريقة أفضل ولا أقصر من هذه لقضاء باقي الليلة في القميص غير ذي الكمين..

ثم ما هي مبرراتك؟ تشابه الأسماء وكون الفتى يحمل سكينً؟ من حق كل إنسان أن يحمل سكينًا لو كنا نتحدث عن عالم ديمقراطي ..

رحت أرقبهما يرحلان شاعرًا بالعجز والفشل .. الحقيقة أن الموقف قد أعطاني بصيصًا يمكن أن أفسر به الجزء الذي كتبته من قصتي..

يتبع