للمرة الثالثة في 76 عامًا هي عمر المهرجان السينمائي الأهم في العالم، تُمنح سعفة كان الذهبية إلى مخرجة امرأة هي جوستين ترييه بعد جوليا دوكورناو وجين كامبيون، الملاحظ في الأمر أن اثنتين من تلك السعفات قد مُنحتا بالفعل بعد حركة Me Too، وهذا لا يشير إلى أن فيلمي دوكرناو وترييه غير مستحقين أو حاصلين على السعفة لمجرد «كوتة» ما، وإنما قد يوحي بتغير تحيزات لجان اختيار الأفلام في المسابقة الرسمية ولجان التحكيم أيضًا تجاه منح التكريم الأكبر للمهرجان لمزيد من المخرجات النساء. لا يمكننا الجزم بالطبع بنوايا لجان التحكيم في السابق وعن دوافعهم لاختيار الأفلام الفائزة، لكن الأمر المؤكد هو وجود تحيز مسبق في أوساط صناعة السينما -وغيرها من الأوساط بالطبع- ضد النساء وبخاصة في بعض المهن والصناعات التي سيطر عليها الرجال لوقت طويل، وهذا التحيز المسبق هو واحد من أفكار ترييه الأساسية في فيلمها «تشريح سقوط».

سقوط مادي أم أسري؟

https://www.youtube.com/watch?v=owbnNvYc1NU

تضع ترييه أول لقطة في فيلمها لكرة تنس تسقط على درج خشبي يمسك بها كلب، معلنة فكرة الفيلم الأساسية، التهاوي والسقوط، ثم تُعرفنا على بطلة الفيلم ساندرا حيث تحاورها أكاديمية شابة، تحاول الأكاديمية جعل الحوار مهنيًا لكن ساندرا تحاول قلبه وديًا، تبدو مشتاقة للدردشة والتعارف، وكأنها وافقت على إجراء الحوار من أجل تكوين صداقة. تسألها أيضًا الأكاديمية عن خلطها للخيال والحقيقة في رواياتها وكيف أنها تستمد كتابتها من أحداث حقيقية. يقطع سير الحوار موسيقى أغنية P.I.M.P لفيفتي سينت، وكلما حاولت الأكاديمية استكمال الحوار، ارتفع صوت الموسيقى! تخبرها ساندرا أن هذه هي طريقة زوجها للتعبير عن غضبه، وتطلب منها استكمال الحوار في مكان آخر.

نرى قطعًا متوازيًا مع ذلك المشهد للابن وهو يحمم الكلب، يلمس الابن الصنبور ليتأكد من درجة حرارة المياه في لقطة مقربة لديه، وهو ما نفهم بعد ذلك أنها طريقته في الرؤية إذ إنه شبه ضرير ويعتمد اللمس لإرشاده في العالم، يخرج الابن والكلب للتنزه لنرى مدى عزلة المكان الذي يعيش به الأبطال، وهو مكان نعرف من حوار البطلة مع الأكاديمية أنه قريب من جرينوبل، المدينة الواقعة جنوب شرقي فرنسا قرب جبال الألب.

أخيرًا لا تظهر شخصية الزوج إلا عند عودة الابن قرب المنزل، يهرول الكلب نحو شيء ما، ليلفت انتباه الطفل إلى جثة والده الواقعة في الثلوج والدماء السائلة حول رأسه، يصرخ الطفل مناديًا أمه، وهكذا يبدأ الفيلم. مقدمة مشوقة للغاية، نتعرف فيها بأقل التفاصيل على شخصيات الفيلم، التي سنتابع وجهات نظرها المختلفة، كما نرى من خلال لقطات الطب الشرعي والتشريح أن السقوط يحتمل أن يكون بالإرادة (الانتحار) أو بدفعة من طرف ثالث (القتل)، وهو ما يعطي الفيلم طبقة أساسية من الإثارة المتعلقة بمعرفة الحقيقة حول ذلك.

التشريح في الفيلم ليس طبيًا فقط، ولكنه تشريح لتلك الأسرة بأكملها، وعلاقاتها وديناميكايتها المتعددة، فالأم روائية شهيرة، أما الأب فمعتزل لبناء البيت الجبلي وتعليم ابنه تعليمًا منزليًا، ما يعكس الأدوار التقليدية المتعلقة بالنوع في تلك الأسرة. الأم متحققة ومشهورة ولها شخصية ذات كاريزما عالية، بينما الزوج متوارٍ لا نعرف عنه الكثير إلا طريقته في طرد المحاورة وهي طريقة غير مباشرة للاعتراض على شيء، تنبئ عن شخصية ذلك المجهول.

كيف تُحَاكم النساء؟

تبدأ دراما المحكمة بعد ذلك، ساندرا متهمة بالقتل وتلجأ لمحام صديق للدفاع عنها، يُستدعى الابن شاهدًا، والمدعي العام مهاجمًا. يبدو الأخير متحيزًا في دفاعاته لإثبات التهمة على البطلة بكل الأشكال، أو على الأقل الدفع بكل الاحتمالات الممكنة مهما كانت طريقة الاستدلال، التي تعتمد أحيانًا على مغالطات منطقية متعلقة بحياة البطلة أو مهنتها أو ميولها الجنسية.

يستخدم المدعي العام تفاصيل مثل إنها تستقي كتابتها الأدبية من الواقع، بل ويقتبس سطورًا من كتابة ساندرا، وتارة أخرى يستخدم تسجيلًا قام به الزوج من دون استئذان لمشاجرة بينهما، وغيرها من التفاصيل الأسرية الخاصة، ويتمادى مع كل الاحتمالات دون أن يضع احتمال انتحار الزوج أمامه. تلك الشخصية، ربما تجد منطقها في أنها صوت لإنسان فارق الحياة، وتحاول الوصول إلى العدالة، ولكن الأداء التمثيلي إضافة إلى ما ذُكر من مغالطات منطقية، يؤكد أن ذلك المُدعي يشعر بغضب شخصي تجاه الزوجة، والنساء بشكل عام.

تلك الفكرة المتعلقة بالتحيز المسبق ضد البطلة كونها روائية تُذكرنا أيضًا بما طال الناقدة السينمائية الأمريكية العظيمة بولين كايل، كونها ناقدة انطباعية، وهو اتهام واجهته كايل لسنوات طويلة رغم تأثيرها على تطور النقد السينمائي على مستويات الكتابة والأفكار. رد بولين الشخصي على ذلك الاتهام أنه نابع من تحيز مسبقة يقول إن المرأة بطبيعتها كائن عاطفي يتحرك بمشاعره وليس بعقله! تلك الاتهامات المنمطة للنساء عامة هي بمثابة كلمة مفتاحية لفهم إحدى أفكار الفيلم الرئيسية.

لكن المحاكمة والتحقيقات لهما أهداف أخرى حكائية غير إثبات التهمة أو نفيها، ففي تلك العملية، نتعرض لاستكمال التشريح الحقيقي للعلاقة بين الزوجين وعلاقة الابن بكل منهما أيضًا. يمتد ذلك التشريح إلى قضايا معاصرة تخص تربية الأطفال والتعليم المنزلي والاختيارات الجذرية وأنمطة العيش المختلفة والتحقق وحب الذات وغيرها من النقاشات التي تدور يوميًا بين أي زوجين. من أجل جعل الفيلم أكثر سينمائية وغير معتمد بالكامل على الحوار، تعتمد ترييه على الصور المتعلقة بالمحاكمة أيضًا سواء من خلال إعادة تمثيل سقوط الزوج، فحوصات الطب الشرعي، الفيديوهات ثلاثية الأبعاد لاحتمالية السقوط، ومجسم البيت المصغر، إضافة إلى مواد أخرى تتعلق بالقضية.

بيت صغير بكندا أو بجبال الألب!

من منا لا يعرف أغنية فيروز الشهيرة التي تقول فيها:

بيت صغير بكندا .. ما بيعرف طريقو حَدا
قرمِيدو مْغطَّى بالتلجْ .. وكلّ المرجْ
شجر وعصافير كتير .. بتغط ترتاح وبتطير
عَ قرميد بيتي الصغير بكندا

تمثل تلك الأغنية تصورًا رومانسيًا للعزلة، يداعب خيالات ساكني المدن الكبيرة المليئة بالبشر والضجيج، ويوقظ أحلامهم بالتقاعد في مكان متناقض مع حياتهم اليومية حيث السكون والحياة الهادئة. لكن ذلك التصور ينتمي لفئة التصورات القائلة إن «العشب أكثر اخضرارًا على البر الآخر»، إنه تصور لما لا نمتلكه، ولكن عند تجربته في الحقيقة قد نحبه أو لا حسب الطبيعة الشخصية لكل فرد.

على النقيض من تلك الفكرة، فهناك شخصيات مدينية مثل ساندرا، تحب التفاعل مع البشر والعيش في المدن الكبيرة، وترى الضجيج كنوع من الديناميكية والحيوية، وبذلك يكون البيت الصغير المغطى بالثلوج بمثابة الكابوس لشخصيتها التي تحب البشر. أضف إلى ذلك أن عزلتها في بلد لا تتحدث لغته بطلاقة، وهي الألمانية التي كانت تسكن لندن. هنا يمكن رؤية التهمة المتعلقة بالزوج تجاه ساندرا، تهمة عزلها من سياقها الاجتماعي وتسيير حياتها حسب رغباته الهروبية، حيث يصبح ذلك البيت الرومانسي مشابهًا لقلعة حصينة كتلك التي تُحبس بها الأميرات في القصص الخيالية.

لا يرى المُدعي العام على الإطلاق تلك الجريمة التي ارتكبها الزوج بقراراته، وهي جريمة تُرتكب يوميًا بحق النساء، حتى وإن كانت أقل وطأة من القتل بالطبع. انظر حولك وتأمل اختيارات النساء في المجتمع للوظائف، فالطبيبات على سبيل المثال يخترن أقسامًا لا تتطلب السهر في المستشفيات بناء على تحكمات أزواجهن، وكذلك النساء العاملات في الهندسة الإنشائية وغيرهما من الوظائف التي تتطلب احتكاكًا مع البشر والرجوع في أوقات متأخرة من الليل لظروف المهنة، لكن وبينما تكون تلك الظروف مدعاة للفخر في حالة الرجال، إلا أنها في حالة النساء تكون مدعاة لوصمات اجتماعية، ناهيك بالطبع عن النساء اللواتي يمنعهن أزواجهن من العمل للتفرغ للأعمال المنزلية.

الأسلوب السينمائي المتعلق بالتصوير في الفيلم يتنوع بين وجهات النظر المختلفة، لكنه يتميز بصورة «أنامورفيك» عريضة ذات إضاءة غير متساوية وتباين قليل، ما يوحي بالشك الذي نعيشه بينما نشاهد الفيلم، وفي مقابل ذلك، تدمج ترييه صورًا تبدو أقرب للوثائقية تعبر عما يراه المجتمع بشكل ما، إضافة إلى الصور الفوتوغرافية للأسرة في بداية الفيلم، وهي بمثابة تاريخ مختصر عن الزوج والزوجة، وأخيرًا الصور المتعلقة بالمحاكمة التي أشرنا إليها سابقًا.

خلال المُحاكمة نتعاطف مع شخصيات تلك الأسرة جميعها، الزوج والزوجة والابن، وهو ما يجعل من دراما ترييه دراما إنسانية للغاية لا وجود لملائكة أو شياطين بها. إلى جانب ذلك، فإن الفيلم متعدد القراءات، يمكن رؤيته على المستوى البسيط كدراما قضائية، وعلى مستوى آخر يمكن رؤية تعقيدات الأسرة المعاصرة، وعلى مستوى آخر يلقي الضوء على التحيزات المسبقة ضد النساء، حتى في مجتمع تقدمي. تنظر ترييه إلى كل الجوانب الممكنة التي تؤول لانتحار الزوج أو قتل الزوجة لزوجها، لكن وبغض النظر عن حكم المحكمة، فإن الفيلم يقدم رؤية أكثر شمولًا وتعقيدًا لأعطاب النظام الأسري والتحيزات المسبقة ضد النساء.