لقـد انحرفـت قيـادة تنظيـم القاعـدة عـن منهـج الصـواب. إن القاعـدة اليـوم لم تعد قاعـدة الجهـاد، بـل باتـت قيادتها معـولًا لهدم مشروع الدولـة الإسلامية والخلافة القادمـة، الخالف بين الدولة والقاعـدة، قضية دين أعـوج ومنهـج انحـرف، منهـج يؤمـن بالسـلمية، ويجري خلـف الأكثرية

بهذه الكلمات عبر المتحدث الرسمي للدولة الإسلامية عن حالة العداء الشديد القائم بين تنظيم القاعدة والدولة الإسلامية.فقد كان إعلان تنظيم الدولة الإسلامية للخلافة إعلانًا لظهور منافس -ذي موارد ضخمة- لتنظيم القاعدة على حركة الجهاد العالمية التي فرضت سـيطرتها عليه لعقـد مـن الزمـن. وقدمـت الدولة الإسلامية نفسـها إلى المجتمع الجهادي العالمي على أنهـا حققـت مـا فشـل تنظيم القاعـدة في إنجازه على مدى عشرين عامـا.ساعد على تأجيج هذا الصراع انتعـاش الدولـة الإسلامية الكبير، وتوسـعها في سـوريا والعراق، وتلقيها مبايعات من حركات الجهاد المختلفة للخلافة، في المقابل تراجع نفوذ القاعدة خاصة بعد مقتل عدد كبير من قياداتها وعلى رأسهم أسامة ابن لادن.الملاحظ أن العلاقة بين تنظيـم القاعـدة والدولة الإسلامية لم تكن دوما تنافسية، ففي البداية كان تنظيم القاعدة في بلاد ما بين النهرين الذي أسسه أبو مصعب الزرقاوي –ويعتبر جذر الدولة الإسلامية- إحدى المجموعات التابعة لتنظيم القاعدة والتي تدين بالولاء له وتخضع لسلطته المركزية، وتسبب انتهاج الزرقاوى لإستراتيجية وحشية وسعيه للتخلص من الشيعة إلى تباعد الفجوة مع تنظيم القاعـدة شيئا فشيئا، إلى أن وصل الأمر لخوض التنظيمين معارك ضد بعضهما في سـوريا إلى جانب الحرب الإعلامية بين الطرفين.


المناطق الآمنة

تغيرت إستراتيجية تنظيم القاعدة في السنوات التي تلـت هجمات 11 سبتمبر بسبب الضغط الشديد الذي تعرض له التنظيم؛ مما دفع قياداته إلى الانتشار في العديد من الدول، ونتيجة لذلك اتجه أسامة ابن لادن إلى تشكل شبكة موسعة من التحالفات مع الجماعات الجهادية الأخرى حول العالم لتخفيف الضغط على القيادة المركزية.بدأت هذه الشبكة عقب إعلان أبو مصعب الزرقاوي عام 2003 إنشاء تنظيم القاعدة في العراق معلنًا بذلك توسـع فـروع التنظيم عالميا. وخلال السنوات التي تلت هذا الإعلان، نشأ العديد من الفروع لتنظيم القاعدة في أماكن متفرقة، حيث تم الإعلان عن حركتي تنظيـم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في 2007، وتنظيـم القاعـدة في شـبه الجزيـرة العربيـة في اليمـن والمملكة العربيـة السـعودية في 2009. إلى جانب سعيه لنشر فروع في أماكن مختلفة، اتجه تنظيـم القاعـدة للتنسيق مع مجموعـات جهاديـة أخرى منها: «إمـارة القوقـاز»، «الجامعة الإسلامية» في إندونيسـيا، «كتائب عبدالله عزام» في الخليـج ولبنان، «لشـكر طيبـة» وحركـة طالبان باكسـتان واتحاد الجهاد الإسلامي في آسيا الوسطى والجنوبية، ويلاحظ أن ابن لادن كان حريصًا على التعامل مع التنظيمات التي تتقارب فكريا مع رؤيته في الجهاد بعيدا عن الأساليب الوحشية مما دفع لرفض ضم حركة شباب الصومال.واعتمد الهيكل التنظيمي للقاعدة على سيطرة كل مجموعـة عـن إقليـم أو منطقـة، ويقود هذه المجموعة أمير يعـود ولاؤه إلى أسامة ابن لادن، وعبر هذا الهيكل سعى ابن لادن إلى تبني إستراتيجية مقاتلـة الأنظمة الكافـرة التـي يدعمهـا الغرب «العـدو القريـب»، وتكريس الموارد لمهاجمة الغرب «العدو البعيد».كان تولى أيمن الظواهرى قيادة التنظيم –عقب مقتل أسامة ابن لادن عام 2011- نقطة فارقة في تغير إستراتيجة التنظيم والتي بدأت بقراره بضم حركة شباب الصومال رغم أساليبها الوحشية وما تعانيه من انقسامات داخلية.ولقد ظهرت إستراتيجية الظواهري في دعوة اتباعه إلى ضبط النفـس والتركيز على نشر أفكارهم بالوسائل السلمية بدلا مـن بسـط السـيطرة بقـوة وعدم مهاجمة أهداف مدنية، إلى جانب الامتناع عن الاقتتال مع المجموعات الأخرى مثل «الشيعة والصوفيين والنصـارى».ظهرت هذه الإستراتيجية جلية في اليمن وسوريا، ففي اليمن استطاع تنظيم أنصار الشريعة، بعد أن سيطر على مساحات واسعة من البلاد، خلق حالة من التأييد المجتمعي عبر توفير الطعام والمياه والكهرباء ونشر التعليم في المجتمعات الفقيرة الخاضعة لحكم التنظيم.وفي سوريا، بـدأت جبهـة النصرة تنفيذ هذه الإستراتيجية على أكمل وجه، حيث عمدت إلى توفير المتطلبات الأساسية وخدمات فعالة لسكان حلب، اتجهت إلى التنسيق العسكري مع القوات المحاربة لنظام بشار الأسد رغم الاختلافات الأيديولوجية، ظهرت نتائج هذه الإستراتيجية جلية في التأييد الشعبي الذي حظيت به جبهة النصرة بعد تصنيفها كمنظمة إرهابية عام 2012. وعمد تنظيم القاعدة -الذي تحول إلى هيئة تقود حركات التمرد، بشتى فروعه- إلى إنشاء بيئة محلية آمنة عبر خدمة المجتمعات الفقيرة ودعم نظاله، تكون نواة خصبة لهجماته على الغرب أو كما يلقبه بـ«العدو البعيد».


إستراتيجية مزدوجة

طور تنظيم الدولة الإسلامية إستراتيجية خاصة به منذ انفصاله عن تنظيم القاعدة، حيث استطاع التنظيم منذ إعلان الخلافة منتصف 2014 أن ينتشر على مساحات كبيرة ويجتذب أعدادًا هائلة من المؤيدين والتابعين مكنته من منافسة تنظيـم القاعدة على قيادة الحركـة الجهاديـة العالمية.ولتحقيق هدفه اعتمد تنظيم الدولة الإسلامية على إستراتيجية مزدوجة، تمثل طرفها الأول في الجانب المحلى عبر التوسـع في الأراضي المحيطة بمناطق نفوذ التنظيم في سـوريا والعـراق؛ وذلك عبر على تحقيـق نجاحات عسـكرية وانتصارات كبرى، وإخضاع العشائر لسلطة التنظيم سواء مـن خلال التهديـد الجسـدي أو الإقناع المالي، وهو الأمر الذي امتاز به عن تنظيم القاعدة، حيث ركز الدولة الإسلامية على بناء دولة وتوسـيع الخلافة، مما جنبه الوقوع في حالة تضارب الاهداف بين العدو القريب والبعيد.لذا فقد تبنى التنظيم الأسلوب الوحشي في الإدارة بهدف خلق حالة من عدم الاستقرار والفوضى التامة تساعد على انتشار أفكار التنيظم.وتمثل طرف الإستراتيجية الآخر في نظام الولاية الذي سعى التنظيم إلى إنشائه، من خلال في تكوين شبكة عالمية من المقاتلين عبر سلسلة من المبايعات لمجموعـات في ليبيـا والجزائـر ومصر واليمـن والسـعودية.وامتد هذا الاستقطاب إلى حد انشقاق عدد من قيادات تنيظم القاعدة في اليمن وانضمامهم إلى الدولة الإسلامية، بل وتسللت حركة الانشقاقات إلى الإدارة المركزية لتنظيم القاعدة في أفغانستان وباكستان، تُوجت بإعلان تأسيس ولاية خرسان التابعة للدولة الإسلامية.والملاحظ أن سعي الدولـة الإسلامية إلى زيادة ولاياتها مسألة مشروطة وليست مسموحة لأي تنظيم، فقد وضع التنظيم عددا من الشروط الواجب توافرها بالفروع الجديدة الراغبة في الانضمام للتنيظم، منها أن تضـم هذه الفـروع قـادة يدينون بالولاء المطلق لمركز التنظيم في العراق وسوريا، وتمتعهم بقـدرات عسـكرية وقدرات على الحشد وفرض أحكام وقانون الدولـة الإسلامية.


مزايا وعيوب

التنافس بين قطبي الجهاد العالمي سيستمر في الازدياد لمحاولة كل مجموعـة إظهار نفسـها أنها القائـد العالمي للجهاد السـلفي مما ينبئ بمزيد مـن العنـف والهجمـات الإرهابية، الأمر الذي يفرض على المجتمع الدولي اتباع إستراتيجيات وأساليب مختلفة لمواجهة هذا الخطر.حيث يمكن الاستفادة من مزايا كلا التنظيمين في القضاء عليه، يعتمد تنظيم القاعدة لاستمراره على وجود قادة فروع مخلصين ويدينون بالولاء للتنظيم ويمكن باسـتهداف هذه القيـادات التسبب في خلخلة الهيكل التنظيمي مما يتسبب في انحلال التنيظم وظهور انشقاقات داخلية تنتج فصائـل أصغـر قد تشـكل أهدافـًا أضعف.أما تنظيم الدولة الإسلامية فرغم انتشاره السريع؛ إلا أن أهم مناطق نفوذه التي تقع في سوريا والعراق، لذا يمكن من خلال الحملات العسكرية والتحالف مع العشائر استرداد الاراضي التي سيطر عليها التنظيم مما يساعد على تراجع جاذبية التنظيم وقدراته على قيادة الفروع التابعة له.كذلك فالدولة الإسلامية رغم سياسة الانتقاء إلا أنها تواجـه خطر ضمها مجموعـات جهاديـة تتصف بالتقلـب وعدم التماسك أو مشـكوك في نقـاء ممارساتها الإسلامية، ويظهر ذلك في قبول مبايعـة جماعة بوكـو حرام التي تفتقر البنيـة الداخليـة لها للنضـوج وذات سمعة سيئة.