ما إن تُذكر كتب القراءة حتى يأتي مباشرةً ذكر واحد من أهم القرَّاء الشغوفين بالكتب والقراءة فعلًا وممارسة وترويجًا، ذلك الرجل الذي بنى شهرته باعتباره قارئًا في المقام الأول، إنه «ألبرتو مانغويل» الذي رغم خوضه غمار التجربة الروائية فإن الكثيرين عرفوا به ومن خلاله شغفًا لا حد له بالقراءة، بل محاولات مستمرة لتوثيق علاقته بالكتب والمكتبات، ورصده لتلك الحالة بشكلٍ خاص.

ولعل ذلك عائدٌ بالأساس من كتابه الذي كان فريدًا من نوعه ومجاله، كتاب «تاريخ القراءة» الصادر في ترجمة عربية عن دار الساقي عام 1996، والذي وثَّق فيه مانغويل لآثار النصوص المكتوبة والمقروءة والمطبوعة عبر مختلف العصور التاريخية. عرف الكثيرون مانغويل من خلال كتابه هذا، ومن خلال كتبه الأخرى المتتالية، وغدا واحدًا من أعلام القراءة بكتبه ومؤلفاته تلك. في كتابه الأحدث «ذاكرة القراءة» الصادر 2018 يواصل مانغويل حديثه عن القراءة وأثرها على عدد من الكتَّاب والشعراء والمفكرين، فيذكر ما يقوله الشاعر الإيطالي بترارك:

أنا مسكونٌ بشغفٍ لا يرتوي، ولم أفلح، ولم أرغب حتى الآن في إروائه، أشعر أنني لم أمتلك قط كتبًا كافية. الكتب ملذة كبرى تبهج قلب الإنسان، تسري في عروقنا، تسدي لنا النصح وتلازمنا لنوعٍ من الألفة العميقة والحيوية، وما من كتاب يتيم يوسوس روحنا بمفرده إلا وأفسح الطريق أمام كتبٍ كثيرةٍ غيره، مولدًا فينا في النتيجة شوقًا إلى كتبٍ أخرى.

أدرك القرَّاء إذًا تلك المتعة الخاصة في الحديث عن الكتب التي يحبونها، وتشجيع الآخرين باستمرار على القراءة فقط، القراءة فحسب، والدوران حول الكتب والكتَّاب ومقولاتهم الفريدة المميزة التي تتحدث عن القراءة، وكيف كانت وسيلتهم الأساسية لكي يكونوا على ما هم عليه.

من هؤلاء القارئ والكاتب العراقي علي حسين الذي فرَّغ جزءًا كبيرًا من وقته ومجهوده وكتب عددًا من المؤلفات التي يسجل فيها هذا الشغف الخاص، فكتب «في صحبة الكتب» وسعى إلى تتبع مقولات الكتَّاب والفلاسفة عن الحب، وأصدر كتابه الذي حاز على شهرةٍ واسعة «سؤال الحب من تولسوي إلى أينشتاين»، وها هو في كتابه الصادر مؤخرًا، «غوايات القراءة»، يتحدث في جولة واسعة بين عدد من الكتاب والروائيين والفلاسفة العالميين حول تلك الحالة الخاصة التي تأخذنا إلى عالم القراءة وكأنها غواية تغوينا للغوص داخلها، والجميل أنه يعرض ذلك مشفوعًا بحكاياتٍ يستقيها من عدد من الكتب والروايات العالمية الشهيرة.

آمن الفلاسفة القدماء أن باستطاعة الكتب أن تمدنا بالسعادة، وتتيح لنا التحكم بأهوائنا وتصحيح الأفكار المغلوطة، فالكتاب يقودنا إلى علاقة متوازنة مع الحياة. في عام 1517 اعتزل الفيلسوف الفرنسي ميشال دي مونتي الناس والحياة العامة والنشاط السياسي ملتجئًا إلى مكتبته، كان آنذاك في الثامنة والثلاثين من عمره، هناك راح يقرأ ويفكر «ليس ثمة أجمل من القراءة والتفكير لزيادة معرفتنا وانتشال أرواحنا من الظلمة».

شغف القراءة والتراث العربي

في كتابه الصادر مؤخرًا عن دار الرواق، «شغف القراءة» يتحدث الناقد إيهاب الملاح عن القراءة والشغف بها، وذلك من خلال الحديث عن عادات القراءة الخاصة به، ورحلته كيف بدأت وتشكلت وكانت في الترويج للقراءة وعدد من الكتاب والأساتذة الكبار الذين أثروا في تلقيه ووعيه من خلال كتاباتهم، حتى أصبح واحدًا من الشغوفين بالقراءة واستعادة اكتشاف كتب التراث بشكلٍ خاص التي تدفع للقراءة والبحث عن الجديد والمفيد دومًا.

يذكرنا الملاح بسهير القلماوي وكتابها الجميل «العالم بين دفتي كتاب»، وكيف أنه يراه من أمتع وأهم الكتب التي تتناول الحديث عن شغف القراءة وأهميتها وجمالها، وكيف كانت الجولة فيه وقراءته بمثابة سياحة فكرية وثقافية هامة بين عدد من المقالات المترجمة التي تتناول أنواع القراءة وطرائقها ونماذجها الغربية والأوروبية، كما تشير فيه إلى أفكار مهمة في توسيع رقعة القراءة وتشجيع الشباب عليها مثل «المكتبة المتنقلة» التي تصل إلى القرى والأقاليم البعيدة عن العاصمة، وتسهم إلى حدٍ بعيد في تربية جيل جديد مهتم بالقراءة والمعرفة.

يتناول الكتاب أيضًا عددًا من الكتب المحفزة على القراءة والمزيد منها بشكل عام، مثل كتاب «ألف ليلة وليلة»، فينقلنا إلى جولة سريعة حول أهم طبعاتها وما حدث فيها حتى انتقلت إلينا، كما يتناول بشكلٍ مفصل عددًا من كتب تاريخ الأدب العربي بشكلٍ خاص مثل «الأغاني» للأصفهاني الذي يعد موسوعة أدبية وثقافية مذهلة جمع فيها أبو الفرج الأصفهاني تراجم لأهم مائة شاعر عربي.

كما يتحدث عن «موسوعة كمبردج للأدب العربي» والجهد العظيم الذي بُذل في كتابتها وتجميعها وترجمتها المتقنة التي أنجزها الأستاذ عبد المقصود عبد الكريم وغيره. ويتحدث أيضًا عن عدد من كتب النقد العربي المهمة والأساسية في تكوين أي قارئٍ عربي شغوف، فيتحدث عن جهود الناقد الكبير محمد مندور، وكتاب عبد الحكيم راضي الصادر مؤخرًا «مداخل في قراءة التراث العربي» وغيرها من الكتب المهمة.


بين القراءة واللا قراءة

ربما لن يلفت نظر القراء كتابًا بعنوان «كيف تتحدث عن كتابٍ لم تقرأه؟»، فالمخلصون والشغوفون بالكتب يظنون أنهم لم يفعلوا ذلك ولن يفعلوه بكل تأكيد أبدًا، ولكن المفاجأة المدهشة التي يحملها إليهم المحلل النفسي بيير بايار هي أنهم يقومون بذلك كثيرًا، سواء تم ذلك بشكلٍ واعٍ أو بشكلٍ غير واعٍ، بل يذهب أبعد من ذلك إلى توضيح وبيان أن هناك مستويات مختلفة من القراءة واللا قراءة التي يمكن أن يعتمد عليها المثقف بل الإنسان العادي المهتم بالكتب والقراءة، وتدفعه بعض المواقف للحديث عن كتبٍ سمع عنها ولم يقرأها، أو حتى تصفحها ولم يقرأها كاملة، وكيف أن مستويات القراءة تلك كلها تشكل فيما بينها طرقًا مهمة يجب أن توضع في الاعتبار أثناء حديثنا وتفاعلنا وتعاملنا عما نحب وهي هذه الكتب.

بين كتابٍ قرأناه قراءة متمعنة وكتابٍ لم نحمله أبدًا بيدينا، ثمة درجات عديدة ينبغي دراستها دراسة فاحصة. ويجب علينا أن ننتبه، فيما يتعلق بالكتب التي يُزعم أنها قُرئت إلى ما نعنيه بالضبط بكلمة القراءة، لأنها قد تشير في الواقع إلى ممارسات شديدة الاختلاف فيما بينها. وفي مقابل ذلك فإن الكثير من الكتب التي نعتقد أننا لم نقرأها تمارس علينا تأثيرًا ليس بالهين من خلال ما يصلنا عنها من أصداء. ولأن الحد الفاصل بين القراءة واللا قراءة ليس واضحًا تمام الوضوح، سيكون عليَّ أن أوسع حقل التفكير ليشمل الصيغ التي نتعامل بها مع الكتب بشكلٍ عام … اللا قراءة مختلفة، وهي لا تختزل إذًا في مجرد الإبقاء على الكتاب مغلقًا، فالكتب التي تصفحناها، والكتب التي سمعنا بها، وتلك التي نسيناها تدخل هي أيضًا بدرجاتٍ مختلفة تحت هذا الصنف الغني من اللا قراءة.

هكذا ينقلنا بايار ويلفت أنظارنا إلى مستوى آخر مهم، ربما لم يتحدث عنه أحد كثيرًا، بل ربما يهاجم ويواجه من عدد من القراء المخلصين والأوفياء، على اعتبار أنه يقدِّم وصايا لهؤلاء الأشخاص غير الراغبين في القراءة، أو الراغبين في تصنع الثقافة والدراية والمعرفة بكتبٍ لم يقرءوها، في حين نجد أنه واحد منهم بالأساس، يهمه في المقام الأول أن يلتفت القارئ إلى تلك التفاعلات المختلفة من اللا قراءة، أو القراءة غير الواعية التي قد يمارسها في تعامله مع عدد من الكتب التي سمع عنها أو دار حولها دون أن يكون قد قرأها بالفعل.

هكذا اختلفت الكتب وتباينت في طريقة عرضها وتناولها لعالم القراءة والغوص في بحره الواسع، وكيف يتناوله الكتاب وكيف ينتقي منهم ما يحب بعض القراء، وهكذا بقيت القراءة وسيلتنا الأبقى والأجمل للمتعة والمعرفة والحياة، ولا شك أننا في حاجة إلى المزيد من هذه الكتب التي تدفعنا دفعًا إلى المزيد من القراءة والتبحر والمتعة والمعرفة، وبحاجة إلى المزيد من القراء والأصدقاء الذين يحدثوننا عمًا يعرفون وما لا يعرفون ما قرءوه، وكيف كانت هذه القراءة على الدوام أحد أهم العوامل المؤثرة في تعلقهم بالعالم أو حتى الخلاص منه.