إنك يا أبا القاسم حين تُمدح فإن الشعر لا ينتهى بانتهاء الإنشاد؛ وذلك لأنك «من أنفسنا»، ولأنه كان «عزيزًا عليك ما عَنِتْنَا» ولأنك كنت «حَرِيصًا علينا»، ولأنك كنت فَأْلَ هذه الأمة الحَسَن، فكنت متعبًا مثلنا، ومظلومًا مثلنا، ومنفيًا مثلنا، ومُكَذَّبًا ومكذوبًا عليك مثلنا، ثم انتصرت.
تميم البرغوثي في ختام تعليقه على بردته عند نشرها لأول مرة في جريدة الشروق المصرية بتاريخ 18 يناير/كانون الثاني 2013.

في المقال السابق؛«محنتنا بين يدي الرسول»، حاولنا تبيان كيف وضع «تميم البرغوثي» محنتنا بين يدي الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وفي هذا المقال لنا جولة أخرى في قلب البردة التميمية الفذة نستلهم منها صميم ما يريد تميم البرغوثي من هذه التحفة ذات المائتي بيت.

مِنْ نَقْضِهِ الظُلْمَ مَهمَا جَلّ صَاحِبُهُ … انْقَضَّ إِيوانُ كِسْرَى عِنْدَما وُلِدَا

وَرَدَّتِ الطَّيْرُ جَيْشًا غَازِيًا فَمَضَى … وَقَدْ تَفَرَّقَ عَنْ طَاغِيهِ مَا حَشَدَا

لا يخفى أبدًا على أي قارئ لبردة تميم، ولو للمرة الأولى، جلاء هذه الفكرة المركزية في أرجاء هذه المساحة الإبداعية الشاسعة. لا يكاد تميم يستطرد في بعض الوصف أو المدح أو المناجاة للرسول الكريم مما يمس هذه الفكرة بشكل غير مباشر، حتى يعود للتأكيد عليها ببيتٍ أو بيتيْنِ صريحين. فتميم البرغوثي لا يكتفي بمجرد وصف ونقل شكوانا ومحنتنا إلى الرسول، فهو أيضًا قد وضع يده على مكمن المرض، وأصل الكارثة، ليس في هذه البردة فقط، بل إنها تكاد أن تكون الفكرة المركزية الكبرى في جُلّ إبداعاته.

بُغيتي أمـرُكُـــمْ يُرَدُّ إليكــم … فلكم فيهِ بيعــةٌ وبَراءُ

لا يَحُل بينَكُم وبينَ هواكُم … عندَ إبرامِ أمرِكُم وُكلاءُ
تميم البرغوثي، قصيدة «أيها الناس أنتم الشعراءُ»
يا أمتي …. لا تفزعي من سطوةِ السُّلطان …. أيةُ سطوةٍ؟! ما شِئتِ ولّي واعزلي … لا يوجدُ السلطانُ إلا في خيالِك!
تميم البرغوثي، قصيدة «أمةٌ في الغار»

إنها قضية حرية الأمة من مستعبديها من حكام الجور والاستبداد، الذين طغوْا في البلادِ وأكثروا فيها البطش والفساد. يشكوهم تميم إلى الرسول، ويستنصر به وبرسالته عليهم، خاصة وهؤلاء حاولوا ويحاولون وسيظلون يحاولون أن يسوقوا رسالة السماء لتثبيت أركان طغيانهم على الأرض، وكثيرًا ما ساعدهم أكابر المجرمين من محرفي الكلم عن مواضعه في كل زمان ومكان.

ومن غير محمد بن عبد الله «عليه الصلاة والسلام» نشكو إليه هؤلاء؟!، محمدٌ الذي كان من إرهاصات احتفال الدنيا بقدومه إليها أن سقطت شرفات إيوان كسرى أكبر طغاة الأرض. كما منّ الله على العرب بأن أرسل الطير الأبابيل تقصف جيش طاغية آخر أراد أن يفرض سلطانه بالحد والحديد. أهناك رسائل رمزية أبرز من هذا على جوهر الرسالة المحمدية تجاه مُلك الجبابرة والقياصرة وأشباههم؟

المصطفى الذي كانت أول معاركه الكبرى في بدرٍ الخالدة ضد المستبدين الظالمين الذين حاربوا حرية الناس ودعوتهم فأذاقهم الرسول وصحبه الأمرين. وإن كان الزمان بعدها بقدرٍ وجيزٍ دار دورتَه، وعاد فريقٌ من هؤلاء ليقوموا بهجومٍ مضاد على مسار أمة الإسلام، ويفتحون عليها أبواب جحيم الملك العضوض الذي لا تزال تكتوي به إلى لحظات كتابة هذه السطور.

يا دَاعِيًا لم تَزَلْ تَشْقَى المُلُوكُ بِهِ … والعَبْدُ لَوْ زُرْتَهُ فِي حُلْمِهِ سَعِدَا

أَنْكَرْتَ أَرْبَابَ قَوْمٍ مِنْ صِنَاعَتِهِمْ … وَرُبَّمَا صَنَعَ الإنْسَانُ مَا عَبَدَا

هذا هو جوهر الدعوة المحمدية الذي يستميت في حربه كل ظالمٍ مستبد، إذ لو تيقّظ في الناس هذا الجوهر العظيم، فسيكون شقاء هؤلاء الباغين، وعلاء المستضعفين، وتحرير أيديهم وعقولهم وقلوبهم ووجدانهم من كل ما يطغى عليها، ويدنس فطرة الحرية والانعتاق والانطلاق المتأصلة في جبلةِ كل إنسان.

في هذين البيتين، يربط تميم بوضوح بين الشرك والاستبداد، فهما وجهان لعملة واحدة. ويربط بين شدة دعوة المصطفى في الإنكار على عبادة الأصنام، وبين كون هذه الدعوة جحيمًا وشقاءً يكتوى بإيقاظها وتحريرها للعبيد والمظلومين كل ملك متسيِّد ظلمًا. هذه البوصلة الواضحة عندما فقدتها الأمة، فقدت رشدها وتذيّلت شعوبها منازل الإنسانية، وصارت مضرب المثل في الإذعان والتردي.

وَرُبَّمَا أُمَمٍ تَهْوَى أَبَا لَهَبٍ … لليَوْمِ مَا خَلَعَتْ مِنْ جِيدِهَا المَسَدَا

مِنَ المُطِيعِينَ حُكَّامًا لَهُمْ ظَلَمُوا … وَالطَّالِبِينَ مِنَ القَوْمِ اللئامِ جَدَا

هذا هو حال الكثرة الكاثرة من شعوبنا تحت نير المستبدين، وتسميمهم للعقول والقلوب، وتزييفهم لوعي الناس وفكرهم؛ حتى اختلت فطرة الناس، وانقلبت المفاهيم، فأحبوا الطغاة، أسّ بلائهم وفساد حياتهم. ورغم تحرر الشعوب شرقًا وغربًا من حكم الأفراد ولو بقدر، ما زال نفس القيد يدمي معصم هذه الأمة.

وفي هذه الثنائية أيضًا يربط تميم بوضوح قاطع بين الشرك والاستبداد مرة أخرى. فضرب بأبي لهب -الذي ذاع صيته في عالم الشرك ومجابهة الدعوة، إذ أفرِدَت له سورة في القرآن تذمُّه بالاسم- وأشباهه وأتباعه المثل عن الحكام المستبدين الظالمين، وقطعانهم من المداحين والمنافقين الذي يشترون رضا الملوك وعطاياهم بحرية قومهم وكرامتهم.

ولعل هذا التكرار من تميم يرجع إلى ما حدث على مر تاريخنا من محاولات نجحت في أحيان كثيرة للانحراف بوجهة الرسالة المحمدية إلى إضفاء الشرعية على حكم الطغاة والبغاة والمتغلبين بالسيف على إرادة الناس، بدلاً من مجابهتهم والأخذ على أيديهم كما يريد الله ورسوله. ولذا يريد تميم نسف هذه القدسية الزائفة، بل وإبراز عكسها. وأي نسف لقدسية وشرعية هؤلاء الظُّلَّام أشد من جعلهم على قدم مساواة مع من تبَّت يداه، والذي بشره الله بالنار في كتابه المحفوظ؟

يَا مَنْ وَصَلْتَ إلى بَابِ الإلهِ لِكَي … تَقُولَ للخَلْقِ هَذَا البَابُ مَا وُصِدَا

مِنْ قَابِ قَوْسِينِ أَوْ أَدْنَى تَصِيحُ بِهِمْ … لَمْ يَمْتَنِعْ رَبُّكُمْ عَنْكُمْ وَلا بَعُدَا

رُعْتَ الجَبَابِرَ مِنْ جِنٍّ وَمِنْ أَنَسٍ … مَنْ يَسْفِكُ الدَّمَ أَوْ مَنْ يَنْفِثُ العُقَدَا

وصورة أخرى تبين الرعب والفزع الذي تملَّك جبابرة الإنس والجن من رسالة قاهر الملوك والطغاة عليه الصلاة والسلام. هذا المصطفى الذي فتح الله به أبواب الرحمة أمام البشرية كلها، وعرج به إلى سماواته العلى رمزًا لإدامة الاتصال بين السماء والأرض. يشد تميم هنا على يد كل مستضعف، بأن باب نصرة الله مفتوح على مصراعيه، فقوموا إلى نيلِ حريتكم أثابكم الله.

اللهُ جَارُ الوَرَى مِنْ شَرِّ أَنْفُسِهِمْ … فَاْمْدُدْ إِلَيْهِ يَدًا يَمْدُدْ إِلَيْكَ يَدَا

أشباه الدول التي يحكمها أشباه البشر

هِيَ الطُّلولُ وِإنْ أَسْمَيْتَهَا دُوَلاً … هِيَ القُبُورُ وَإنْ أَثَّثْتَهَا مُهُدَا

هِيَ الخَرَابُ وَإِنْ رَفَّتْ بَيَارِقُها … وَنَمَّقُوا دُونَهَا الأَعْتَابَ وَالسُّدَدَا

يشتد تميم في هذين البيتين على أشباه الدول -كما وصفها بعض حكامها- التي تهيمن على مصائر أمتنا. كيانات وظيفية أسسها المستعمرون للتحكم في أحلامنا، ووأد آمالنا وتطلعاتنا نحو الحرية والكرامة. هذه الحكومات الباغية على شعوبها هي العدوان بعينه، وهي الخراب المحقق آجلاً وعاجلاً. تلك الموجودات الهَرِمة الشمطاء مهما ابتدعت لنفسها من أعلامٍ وأناشيد وهياكل وجيوش، لن تستطيع إخفاء شيبها وعجزها. ولا شك أن ذم تميم هذه الدول في قصيدة مدح للرسول الكريم، يحمل الكثير من معاني نزع أية شرعية وقدسية عنها، ودعوة عامة للأمة للتجرؤ عليها والتمرد على الواقع المريض الذي تفرضه علينا.

يَا جَارَيِ الغَارِ أَعْلَى اللهُ قَدْرَكُما … عَيِيِتُ بَعْدَكُما أَن أُحْصِيَ الرِّدَدَا!

لَنَا مُلُوكٌ بِلا دِينٍ إذا عَبَرُوا … فِي جَنَّةٍ أَصْبَحَتْ مِنْ شؤمهم جَرَدَا

أَنْيَابُهُمْ فِي ذَوِي الأَرْحَامِ نَاشِبَةٌ … وَلِلأَعَادِي اْبْتِسَامٌ يُظْهِرُ الدَّرَدَا

في هذه الأبيات ربطٌ جديد بين المرتدين الذي انقلبوا على دعوة المصطفى قديمًا، وبين النماذج المعاصرة التي تكاد لا تعد ولا تُحصى، والتي يقدمها المستبدون وطغمتهم وزبانيتهم من فنون القهر والطغيان على شعوبهم، في مقابل الإذعان والخنوع أمام أعداء الأمة، والسير في ركابهم، والخضوع لهم بالإشارة والقول والفعل.

هؤلاء الطغاة يكدسون الأسلحة، ويجيشون الجيوش، لا لحماية حدود أو مجابهة عدو أو تحرير أرض، إنما لقهر تطلعات شعوبهم للحرية، وتبديد شمل مجتمعاتهم. وأحدهم على مرأى ومسمع منا ومن الدنيا كلها يجمع شر أجناد الأرض من كافة أصقاعها ليساعدوه في قهر وإذلال شعبه الثائر حتى أصبح أكثر من نصف شعبه بين قتيل أو جريح أو أسير أو لاجئ أو شريد.

لا يَغْضَبُونَ وَلا يُحْمَى لَهُمْ حَرَمٌ … وَإِنْ تَكُنْ دُونَهُمْ أَسْيَافُهُمْ نَضَدَا

وَيَسْتَلِذُّونَ تَعْذِيبَ الغُزَاةِ لَهُمْ … إِنَّ المُحِبَّ يَرَى فِي ذُلِّه رَغَدَا

حُمَّى الزَّمانِ إذا ماتوا أَوِ اْرْتَحَلُوا … تَنَفَّسَ الصُّبْحُ فِي عَلْيَائِهِ الصُّعَدَا!

قصفات أخرى من الذم ذي العيار الثقيل على رؤوس هؤلاء فاقدي المروءة والكرامة، الذين لا تسجل صحائفهم لحظة واحدة من الانتصاف للحق، أو الدفاع عن الأمة ضد عدوها. بينما تتكدس بأمثلة لا حصر لها من الخضوع للعدو والتلذذ المرضي بهذا!. متى نتنفس الصعداء بعد التخلص من هؤلاء؟!.


مناجاةٌ إلى النفس

وبعد أن توغلنا في أعماق البردة، نعود إلى مقدمتها العبقرية لننتقي منها هذه المناجاة من تميم إلى نفسه ممثلةً لكل منا.

يا نَفْسُ كُونِي مِنَ الدُّنْيَا عَلَى حَذَرٍ ـــــــ فَقَدْ يَهُونُ عَلَى الكَذَّابِ أَنْ يَعِدَا وَلْتُقْدِمِي عِنْدَمَا تَدْعُوكِ أَنْ تَجِلِي ـــــــ فَالخَوْفُ أَعْظَمُ مِنْ أَسْبَابِهِ نَكَدَا ولْتَفْرَحِي عِنْدَمَا تَدْعُوكِ أَنْ تَجِدِي ـــــــ فِإنَّهَا لا تُسَاوِي المَرْءَ أَنْ يَجِدَا

يدعونا تميم إلى مجابهة دنيانا وزماننا بقوة، فنُقدم في بسالة عندما تجتمع علينا أسباب الخوف، فهذا هو سبيل الخلاص والنجاة، فلا هلاك إلا العيش الذليل في أحضان الخوف. ويدعونا تميم ألا نأمن جانب هذه الدنيا، وأن نفرح رغم أنفها ولو عنادًا لما تلقي به علينا من أحزان وآلام.

وَلْتَعْلَمِي أَنَّهُ لا بَأْسَ لَوْ عَثَرَتْ … خُطَى الأكارمِ حَتَّى يَعرِفُوا السَّدَدَا

ولا تَكُونِي عَنِ الظُلام راضِيَةً … وَإنْ هُمُو مَلَكُوا الأَيْفَاعَ وَالوَهَدا

وَلْتَحْمِلِي قُمْقُمًا في كُلِّ مَمْلَكَةٍ … تُبَشِّرِينَ بِهِ إِنْ مَارِدٌ مَرَدَا

لقد تعثرت هذه الأمة كثيرًا، وتجلى ذلك في أيامنا في السقوط المدوي لربيع الثورات العربية، الذي تحول إلى صيف حارق وخريف أجرد. ولكن تميم يطمئننا أنه لا بأس من العثرات؛ إذ هي من سترشدنا إلى وجهة القيام والسداد إذا أحسنا التعلم من أخطائنا، وتبيُّن أسباب تعثرنا.

ويؤكد تميم على كل منا أن يشعل بداخل نفسه جذوة الكراهية لهؤلاء الطغاة والمستبدين الذين سمموا ماضينا وأمرضوا حاضرنا، ويوشكون أن يصرعوا المستقبل قبل أوانه، حتى وإن تسيّد هؤلاء على العقول والقلوب والهواء وصفحات التاريخ المزور. فأول طريق التخلص منهم هو بإقامة الحلم الذي نريد في داخلنا، مطوَّقٌ بنيران لا تنخمد من كراهيتهم، والعزم الذي لا يلين على نسف أركانهم وتركيع جبروتهم.


خاتمة

ولا ختام لبردة تميم في مدح الرسول الكريم، خيرٌ من مناجاة خير الأنام، قاهر الظالمين، وناصر المظلومين وشفيعهم.

يَا مِثْلَنَا كُنْتَ مَطْرُودًا وَمُغْتَرِبًا … يَا مِثْلَنَا كُنْتَ مَظْلُومَاً وَمُضْطَهَدَا

أَدْرِكْ بَنِيكَ فَإِنَّا لا مُجِيرَ لَنَا … إلا بِجَاهِكَ نَدْعُو القَادِرَ الصَّمَدَا

وَلَمْ تَزَلْ أُمَّةٌ تَحْتَ السَّمَاءِ إَذَا … دَعَتْ حَسِبْتَ الأَيَادِيْ تَحْتَهَا عَمَدَا

فَاْشْفَعْ لنَا يَوْمَ لا عُذْرٌ لمُعْتَذِرٍ … وَلَيْسَ يُسْمَعُ مِنْ طُولِ النَّدَاءِ نِدَا

وَاْغْفِرْ لِمَنْ أَنْشَدُوا هَذِي القَصِيدَةَ فِي … مَا مَرَّ مِنْ أَزَمَاتِ الدَّهْرِ أَوْ وَرَدَا

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.