قليلة هي الأفلام المعنية بالمرأة بصورة أساسية، ربما لم نر مشروعًا سينمائيًا متكاملًا في تاريخ السينما العالمية معنيًّا بالمرأة فقط ومفردات عالمها. تقول المخرجة سيلين سياما عن نفسها «أمضيت عمري في محبة أفلام كرهتني، كامرأة وكمثلية »** مع ذلك، قدّمت مشروعًا تغمره الحميمية، ليخلق تاريخًا مضادًا لتاريخ السينما مثلما ترى، ذلك التاريخ، الذي تقوله عنه تاريخ لا يتنبه للمرأة، وأنها كمخرجة، لا تنتمي لتاريخ السينما، ليست كامرأة كوير، أو كمخرجة مبدعة.

خلال أفلامها الأربعة، التي تشكل مجموعة نماذج أنثوية في حالات طارئة مختلفة، وفي إطار يضع الثوابت الاجتماعية في منطقة تأمل ونقد، تنطلق سيلين من عالم المرأة لتعبّر عنه، باعتباره جانبًا إنسانيًا مجهولًا، تنطلق بمحاولات مستمرة لحصر حيز التناول ليبدو مقتصرًا على جنسها للخروج بمفاهيم جديدة، وعن مدى قدرته في التعبير عن حالات مجتمعه العمومية، وعن قدرته، بصورة أساسية أكثر، على الخروج من الأطر السلطوية في العلاقات الإنسانية.

مشروع سيلين سياما بحث عن الحرية في المقام الأول، حرية في الاعتراض، في خلق تاريخ شخصي مغاير، في اختبار مفاهيم مركزية منوطة بالوجود الإنساني مثل الحب، وكيف تبدو هذه المفاهيم، حينما تتجرد من أنماطها التقليدية.

ثلاثة في حسبة لا تقبل القسمة سوى على اثنين

بدأت المخرجة الفرنسية سيلين سياما مسيرتها في مشروع سينما المؤلف عام 2007 بفيلم «Water Lilies» أي زنابق الماء، نسبة إلى زهرة الزنبق. في فيلمها الأول كمخرجة مؤلفة، تنطلق من رؤية شمولية تجاه أفكارها المرغوبة في الظهور، وبمستوى يتجاوز في الجودة الفنية أفلامها السابقة ككاتبة فقط أو كمخرجة فقط. يتتبَّع الفيلم تطور حياة ثلاث فتيات مراهقات في إحدى ضواحي باريس خلال صيف واحد. ذلك النوع من الأفكار سيكون موحّدًا ومعتادًا وجوده عند سيلين في أفلامها التالية، أفكار تخص المرأة في مختلف مراحلها العمرية، لتعبر عن رغبة واستنكار شديدين تجاه محاولة تنميط الوجود الأنثوي في إطار جنسي واجتماعي ثابت، وتحاول الانتقال برؤيتها في العرض إلى التعامل مع إشكاليات المرأة كوجود إنساني لا يقبل التنميط، بل يحيلنا أحيانًا إلى تلاقٍ حر يتجاوز التصنيفات الجندرية، ويتعامل مع الإشكاليات التي تتم معالجتها على أنها إشكاليات تخص وجود إنساني عمومي.

 تُقيم سيلين فيلمها على نهج تقليلي يترفع عن المغالاة في استغلال أي أداة من أدوات الصناعة، يبدو النص السينمائي عندها هو نقطة انطلاق أساسية، على مستوى تكوينه وبنائه التفصيلي، تنطلق من بناء أدبي/تقليدي، وهو اتجاه أصبح حاليًا مغترب في ظل تفحش الاعتماد على جمالية الصورة. تتتبّع سيلين حكاية أبطالها بحركة سردية بطيئة، تقدّر، على نحو ناظر إلى عرض التجربة بأقرب شكل واقعي وصادق، حتى وإن بدا تطور الحكاية بطيئًا في حركته تجاه التشكل النهائي، لكن حينما تكتمل الصورة الكاملة للشخصيات ومحيطها، يتجلى النص السينمائي في بناء متماسك.

تقدم سيلين موضوعًا ربما لم يُطرق في فيلم من قبل، أو بالأحرى، تتمتع بخصوصية النظر لهذه المرحلة من تطور حياة المرأة. ثلاث فتيات، مختلفات عن بعضهنّ، بدءًا من خصوصية التكوين النفسي، مرورًا باختلاف حضور هيئة الجسد الأنثوي، وانتهاء برؤية ذاتية تنطوي على أكثر من بعد، حيث تبدو الفتيات الثلاث متصلات في إشكالية التعرف على رغباتهنَّ الجنسية، تبدو أيضًا، كل واحدة منهنَّ، قبالة تجربة ذاتية تخصها.هذا الشكل من الكتابة السينمائية، تطلّب تطورًا متعدد الأبعاد لكل شخصية، لتتصل بشكل ما بحضورها الخاص، وبشكل أكثر عمومية، بانعكاس متبادل بينها وبين محيطها. بالنظر إلى أفلام سيلين عموما، يسهل التعرف من خلال الفيلم الأول على اهتمامها الأوليّ بمدى التعبير عن حالة أفلامها من خلال الالتصاق الشديد بشخصياتها. مثلًا، في هذا الفيلم، الوجود العائلي غائب تمامًا، ربما غياب لعامل أساسي مثل هذا يصيب تكوين النص بحالة من الرمادية، تأبى على الشخوص أن تبدو بصورة متكاملة لتعبرعن تجربتها، ولكن سيلين تحيل ذلك التجاوز إلى اعتماد كامل على تتبُّع تفاصيل أفعال كل شخصية، تحاول بسعي طموح، أن تتجاوز تأثرها الشديد بجنسها، ورغبتها في الحفاوة بالتجربة الأنثوية، لتخرج بنماذج لا تتوقف في تأويلها على تصنيف جندري.

هذا الشكل من الكتابة السينمائية، تطلّب تطورًا متعدد الأبعاد لكل شخصية، لتتصل بشكل ما بحضورها الخاص، وبشكل أكثر عمومية، بانعكاس متبادل بينها وبين محيطها. بالنظر إلى أفلام سيلين عموما، يسهل التعرف من خلال الفيلم الأول على اهتمامها الأوليّ بمدى التعبير عن حالة أفلامها من خلال الالتصاق الشديد بشخصياتها. مثلًا، في هذا الفيلم، الوجود العائلي غائب تمامًا، ربما غياب لعامل أساسي مثل هذا يصيب تكوين النص بحالة من الرمادية، تأبى على الشخوص أن تبدو بصورة متكاملة لتعبرعن تجربتها، ولكن سيلين تحيل ذلك التجاوز إلى اعتماد كامل على تتبُّع تفاصيل أفعال كل شخصية، تحاول بسعي طموح، أن تتجاوز تأثرها الشديد بجنسها، ورغبتها في الحفاوة بالتجربة الأنثوية، لتخرج بنماذج لا تتوقف في تأويلها على تصنيف جندري.

رغم التركيبية الشديدة في تكوين الشخصيات، والتى تتطلَّب أحيانًا محاولة التلاعب بالزمن، لتخدم تعددية البعد في تكوين كل شخصية، تعتمد سيلين على سرد خطيّ ثابت، مشاهد طويلة تتحمل نقلات وتتطور الشخوص من حيز تركيبيّ إلى آخر، هذه إحدى السمات الحِرَفية للمخرجة، تستطيع بسلاسة واضحة، وتقدير كبير تجاه تطلّب شخوصها أن تبدو في وجود واقعي، أن تخرج بصورة متكاملة، في ثبات وهدوء. حينما ننظر إلى الالتزام الشديد بالواقعية الاجتماعية عند سيلين، نرى أنها من فرط التصاقها بواقع الحكاية، تبدو كأنّها لم تختر ممثلات، ولا مواقع تصوير، ولم تعمل على كتابة نص، بل استيقظت ذات يوم ونزلت إلى الشارع لتصور حكاية ثلاث فتيات مراهقات، يتعرفن على رغباتهن الجنسية خلال فترة الصيف. تصور سيلين بصورة تلقائية وحكيمة، تحيط الحكاية من كل أبعادها الممكنة للتأمل، التي تحتمل أن تخدم المشاهد في تكوين انطباع متكامل عما يشاهد، سيلين تتمتع بانتقائية عرض شديدة، تجعل الانطباع الأول عن أفلامها، أن هذه الطريقة من العرض، هي الطريقة الأنسب والأقرب.

على مدى تطور الفيلم، يبدو الانشغال الكامل بحيرة تعرف الشخصيات على رغباتهن، تبدو سيلين غير منشغلة تمامًا بما بعد الوصول لمرحلة الذروة، كأنَّ فكرة الوصول لنهاية ما لا تعنيها، بقدر ما يعنيها، أن تحتفي بشخوصها كنساء أولًا، ثم كأفراد تقف قبالة حيرة ما، من خلال مجموعة من الأفعال تخرج من حيز تصنيف الصحيح والخطأ، المقبول وغير المقبول. هذا الفيلم دعوى للنظر إلى الجانب الغير محبَّذ في كل تجربة، اختبار لمدى قدرة الوجود الإنساني المعاصر على التعامل مع أزمة ما، حتمىٌّ أن تواجه، وكيف سنواجهها إذا وجدت هذه الأزمة ذات تركيبية تتجاوز معايير الحكم في مجتمعها؟

ذكر أم أنثى؟ ومن يقول ؟

عام 2011 عادت سيلين بفيلم جديد، بحكاية تتماس مع فيلمها السابق في عرض مواضيع لا نحب أن نواجهها، لأنها في الغالب، تضعنا في مساحة اختبار، تحيلنا إلى التعرف على مدى الحس الإنساني بصورة فردانية. يتناول فيلم «Tomboy» مساحة صغيرة من حياة طفلة تميل إلى التشبه بالأولاد، تنتقل مع عائلتها من إلى بيت جديد، تتعرف على المنطقة التي تعيش فيها، وتقف مرغمة تحت مسماها الجندري في قبالة الوعي الجمعي المحيط بها، محاولة أن تتعرف على مفردات هوية جنسية، تناسب رغبة طفلة في اللعب وممارسة حياة هادئة وتكوين أصدقاء. وُجِدَت شخصية الفتاة في الفيلم محملة منذ البدء، بالتساؤل أولًا ثم بالرغبة، بناؤها الدرامي الناضج، المتأتِّى من تبعيتها للمسمّى المجتمعي «المسترجلات» هو من أعطاها قدرة على تجاوز حدود وجودها الدرامي، لكونها شخصية بالكاد ظهرت على الشاشة ولا نعرف عنها الكثير. في الثلث الأول من الفيلم نشاهد صبيا باسم «مايكل» قلق، منطوي، مترددٌ في التعرف على أصدقاء الحي الجديد، يتصرف كطفل ذكر، تتكون العقدة هنا في مساحة ما بين رغبة الفتاة، التي ترتاح، وتحب أن تبدو مثل الأولاد، وبين رد فعل المكان وناسه عليها، يمكن أن نقسم سردية الفيلم إلى حالة فعل، تمثلت في رغبة «مايكل» ليمارس رغبته في العيش مثلما يحب، ثم يكوّن الفيلم في نصفه الثاني رد فعل المجتمع وناسه والعائلة على هذه الرغبة، التي بكل سهولة وقدرة، عبّرت عنها سيلين بأنها سلطة قهرية، تتمثل في خضوع مايكل حينما يستعيد مجبرًا، الاسم الأول «لاورا».

أن تحاول التعبير عن إشكالية مثل هذه، تتمثل في طفلة عمرها ثمانية أعوام تقريبًا، كان ذلك هو التحدي الكبير في الفيلم، المشكلة هنا لا تقتصر على تكوين جنسي، أو مدى قدرتنا كمجتمعات متفاوتة في تقبّل مفهوم جندري يخرج عن تقليدية التصنيف المتجذرة في مفردات المساحة الآمنة لدى الوعي الجمعي، تعرض سيلين تساؤلات تتمثل في ماذا تريد هذه الطفلة الصغيرة، وكيف سنتعامل مع ذلك دون أن ندري؟ سيلين هنا تخاطب ردود أفعالنا الأولى كمجتمعات، هذه الردود المتأصلة في لا وعي المجتمع، حينما نواجه أزمة تقوم على إحتكام إنساني قبل كل شيء.

قدرة سيلين على كتابة شخصية طفلة بتعقيد مثل هذا، ومحاولة تقديمها صوريا بهذا الشكل، يبين أنها تعمل على طموح يتجاوز الجودة، يرتقي إلى تكوين رؤية أصيلة، تستدعي أن تنظر إلى الفيلم كأنه حكاية جديدة، حتى وإن كان موضوعها تقليديًا أو تمت معالجته في أفلام أخرى.

في الثلث الأخير من الفيلم، تتواضع سيلين تجاه التزمها بالعرض الواقعي، وتضع الكلمة العليا لسلطة المجتمع، في حالة فردانية مثل هذه، ليس ثمة حل سوى أن ينتصر المجتمع لمفرداته، لكنها لا تخفي حضور مايكل بشكل ما في جسد لاورا حينما تبدأ لاورا في ارتداء زي الفتيات، ترتديه فوق زيّها الصبياني الذي ظهرت به خلال نصف الفيلم الأول. يبدو أن سيلين لا تطمح إلى انتصار لفكرة، يميل عرضها إلى الحفاوة بالتجربة، لا تمل عن تأملها في علاقتنا بما يحيطنا من نماذج تضعنا في محلّ إختبار لمدى قدرتنا التقبّل والتعايش، وبأي درجة يشكل ذلك الاختبار وعي الأهل والأصدقاء والناس حولنا، ومدى انعكاس ذلك علينا. بتوظيف لجميع أدواتها، تحيلنا إلى التساؤل مع كل فيلم جديد لها، ليس ثمة أداة لها رؤية مسبقة، كل شيء يتتبّع ويشارك المشاهد في التكوين.

جمال أسمر، نحن هنا !

على صعيد السينما، عرفت فرنسا منذ صعود مخرجي الموجة الفرنسية الجديدة بحصر البعد الجمالي الأنثوي في سينماها على المرأة البيضاء. ذلك الحصر، يبدو حاضرًا على المستوى الفني عموما. بدت محاولات الخروج عن الصورة النمطية للجمال في السينما الفرنسية ضعيفة، أو ربما لم تحظ بمعالجة ناضجة. تناول الجمال الأسمر في سينما فرنسا البيضاء، بدا مقتصرًا على تقديمها في إطار عنصري، دون أن يتجه، ولو لمرة واحدة، لإبراز هيئة جمالية مغايرة، تشغل حيزا من ذلك المجتمع.

في فيلم «Girlhood» تسجل سيلين اعتراضًا على ذلك الحصر، تعرض مسيرة مراهقة إحدى الفتيات السمراوات في ضواحي باريس، بصورة لا تتوقف على التعويل على الشخصانية الحاضرة في فيلمي سيلين السابقين، بل تتتبَّع الحالة الإجتماعية للمكان خلال سردية سينمائية لا تتمركز كليّا على الشخصية الرئيسة. هذا الفيلم، لا يتوقف عن كونه اعتراضا على تجاهل حضور الجمال الأسمر في عاصمة بيضاء، لكنه يتجاوز الحصر في الاعتراض، مكونا رؤية إضافية، بتقديم يحيط بمفردات عيش مجتمع هذه الفتاة، بذات الأدوات البسيطة التي تعتمد عليها سيلين في التقديم، وبالتزام واقعي شديد.

تكمل سيلين في فيلمها حفاوتها المعتادة بالتجربة الإنسانية بشكل عمومي، وبصورة خاصة بالتجربة الأنثوية. تبدو مركزية مشروعها أكثر حيث تتعرض في هذا الفيلم لمشكلات نسوية تبدو «تقليدية» بالنسبة لموضوعاتها السابقة، نظرًا لأنها سابقا، اعتمدت على تقديم نماذج مغايرة لرؤانا التقليدية، لكنها هنا تحاكي مشكلات تتماسّ مع الوجود الأنثوي بصور متكررة ومنتشرة. مشكلات تُبلور في آخر الفيلم البناء الكامل لبطلتها، أو بالأحرى لذلك الحضور الأنثوي المفقود، غير المرئيّ عمدا في المجتمع الفرنسي.

أثناء تحضيرها للفيلم، درست سيلين جيدا طبيعة العيش في إحدى ضواحي باريس التي تم تصوير الفيلم فيها، طريقة عيش البنات، الاضطهادات الأسرية والتنميط الذي يتعرضن له في الشوارع لمجرد كونهن نساء، وأيضًا، أعطت سيلين لشخصيتها الأساسية، وبقية صديقاتها من نفس الجنس / اللون، طموحًا يتماشى مع إمكاناتهنّ المتاحة، ذلك الطموح، تتمثل فيه المقاومة التي يقوم عليها الفيلم.

خلال تطور حكاية مريم، الشخصية المركزية في الفيلم، وتعرفها على ثلاثة صديقات من نفس الطبقة الإجتماعية، تفرد سيلين مفردات حياة هؤلاء الفتيات بصورة عمومية من خلال وجودهم معا، حيث يقاومن القمع الحاصل لهن بردود فعل تعزّزحضور المشكلة، يسرقن الثياب ويتعرضن للفتيات البيض لجمع قليل من المال، ليحصلنَ على حريتهنّ المفقودة من المجتمع والعائلة، ذلك الشكل من التكوين يبدو كخلفية لتطور حياة مريم، حينما لا تنكر أحقيتها في العيش، وتواجه تساؤلاتها في أحقية وجود حر، كل هذه التساؤلات والرغبة، تقابل برفض إجتماعي، إما من الجانب السلطوي المتمثل في أخيها الكبير، أو في السياق الحتمي الذي وضعت فيه بسبب كونها إمرأة، ثم امرأة سمراء، ثم امرأة سمراء تعيش في ضاحية مهملة وعشوائية من ضواحي باريس. جميع هذه العقبات، هي مستويات من المنع، كل مستوى منها لديه قدرة على القمع، لديه سلطة خاصة تستقوي بتنميط إجباري، الفيلم هنا يتسائل، إذا حاولت واحدة من فتيات هذا المجتمع أن تقاوم، أن تخرج عن حيز وجودها المفروض مسبقا لمراحلها العمرية كلها، كالعادة تنشغل سيلين بالتساؤل فقط، وأثر ذلك التساؤل على قرارات شخوصها، دون أن تدفعهم بالضرورة إلى نتائج أخيرة.

تعمدت سيلين، خلال التصوير، أن تبرز ملامح شخصياتها السمراء، وأن تحتفي على طريقتها بجمالهن. على مستوى أكثر خصوصية، كانت الكاميرا في حالة تتبع لملامح مريم، تحاول أن تحاكي جمال مفقود، يحتاج إلى خروج عن سيادة الجمال المتعارف عليه ليبدو. كانت كاميرا سيلين تتعامل مع مريم على أنها جمال يستدعي التأمل، لذلك، تتبُّع الكاميرا لها بلقطات قريبة، جعل معظم اللقطات أشبه بتكوين بورتريه.

لم يكن الفيلم محاولة إنتصار لفكرة بعينها، المجتمع الذي قدمته سيلين لم يكن واقعا تحت سطوة تهميش إجتماعي بشكل كامل، كانت له ردود فعل وتكوين خاص مستمد من نشاط أشخاصه، كان الإنشغال بأثر هذه الأفعال على الناس وبعضها أكبر من الأثرالخارجي عليهم، سيلين بدأت فيلمها من أن هذا المجتمع الصغير أصبح على وضعه المرئي حاليا، والآن علينا أن ننظر إلى مفردات عيشهم، وقد حاولت من خلال رؤية دقيقة تأتَّت من معايشة لدواخل ذلك المجتمع أن تعرض أكبر قدر من أفكارهم وتصرفاتهم اليومية. سيلين لديها قاعدة معروفة في جميع أفلامها، أن وجود المرأة وعلاقتها التبادلية بالمجتمع، هو بُعد مهم لمحاولة تكوين نظرة شمولية عن ذلك المجتمع، على مستوى آخر، سيلين مهمومة بجنسها، كيف يعشن ولأي مدى يتعرضن لمستويات متعددة من الظلم و كيف يتصرفن قبالة ذلك الظلم، واحتمال وجود مفارقات عن عدم التلاقي بين حضور مشكلاتهنّ وبين الأطراف المحيطة بهنّ. تجرب سيلين إستخدام موسيقى أخرى، غير موسيقى الحكاية التي تنتج من التكوين، إستخدام يخدم نهجها التقليليّ، يبدو فقط في أوقات التطور الفارقة في حياة مريم، حينما تنتقل من مساحة إلى مساحة أخرى أعلى قدرة وتحكم ذاتي في مسارات حياتها، يحيلنا ذلك إلى تقدير سيلين للنص السينمائي، واعتمادها عليه ليكون نافذة رئيسة، الأكثر أهمية من كل أدواتها، لتقول ما تريد من خلال الصورة.

لنرسم لوحة بحكاية عن الحب

تجلس إحدى الرسامات أمام تلميذاتها، بهيئة ووجه جامدين، تعطي نصائحها لهنَّ وهنَّ يحاولن التدرب على رسم بورتريه، تسئلها إحدى البنات عن بورتريه موجود بالخلف وعن إسمه، تجيبها المدربة والكاميرا تتجاوزهنَّ وتركز على البورتريه وتنطق الرسامة إسمه Portrait of a Lady on Fire.

سيلين هنا غير كل أفلامها السابقة، بل يتضح أن ما سبق من محاولتها لخلق أدوات فعالة لصنع أفلام متميزة، كانت جميعها لأجل خلق حالة بديعة مثل تلك الحاصلة في هذا الفيلم، جميع العناصر تبدو في تكامل بدأ تكوينه منذ أول أفلامها، بدئا من الفكرة التي قام عليها الفيلم، فكرة متعددة التعريف، يمكن أن نقول أنَّه محاولة قرائة للوحة جميلة، قرائة تتجاوز ضوابط قرائة اللوحات المتعارف عليها مثل دلالات الألوان وسمات المدارس الفنية، إنها تحاول قرائة لوحة بتتبُّع تاريخ صنعها، خلال ذلك التتبّع، تنثر أفكار صغيرة، كل واحدة منها تعرف طريقتها في التكوين الكلي للفيلم، وتعرف أيضا طريقها في تحصيل إستقلالية تبلغها بناء يخصها وحدها.

تعرض سيلين حكاية احتاجت من الحضور الزمني فقط أن ندرك أنه في القرن الثامن عشر من خلال زي الشخصيات، والذي كان ملتزما بفترته كفاية أن يدلنا عليها، شخصيات جميعهن نسوة، منذ أول الفيلم وحتى انتهائه، دون أي حضور ذكري سوى في مشهد واحد فقط، هنا محاولة سيلين الحفاوة بجنسها تبلغ الذروة، بل ستمتد هذه الحفاوة لتخلق مفاهيم تحاكي الحب والفن والمعاناة من خلال صناعة أنثوية خالصة، لأول مرة تتلاعب سيلين في الزمن الروائي للفيلم، تبتدئ من حيث انتهاء الحكاية، لتعبر عن أن هذه اللوحة الظاهرة، لنعرف مدى جمالها الحقيقي، ستعيد رسمها من جديد.

الرحابة التي خلقتها سيلين في نصها السينمائي، بتجاوزها لتفاصيل المكان وإشارتها له بشكل عرضيّ في إحدى حوارات شخصياتها، وكذلك تجاوزها لتفصيلة الزمن، جعلت مساحة التكوين لشخصيتي الفيلم الرئيستين كبيرة، أعطتهنَّ حضورا متبادلا يجعل منهنَّ نماذج إنسانية فريدة، بتكوين من خلال عواطف وصفات ليست غريبة عن كل مُشاهد، بل ربما تتماس مع حكايته الذاتية بشكل كبير، وإن بدت تجربة الفتاتين مختلفة ظاهريا.

وصول «ماريان-Marianne» الرسامة الشابة لترسم بورتريه لفتاة أرستقراطية تعيش في بيت كبير مع أمها، أمام إحدى الشواطئ في جزيرة أيسلندية منعزلة، مهمة ماريان أن تستطيع رسم هلواز «Heliose» دون أن تعرف، وأن تكوّن ملامح البورتريه المطلوب رسمه من خلال مرافقتها أثناء المشي بالخارج، إذًا هي ستعمل أمامها على أنها مرافقة، لأن هيلواز لا تستطيع أن تخرج وحدها بعدما انتحرت أختها بالقفز من مكان عالٍ أمام البيت الكبير. ذلك الدافع يعطي لماريان مساحة تكوين كبيرة، ويعطي للفيلم مقدمة لحكاية تتحمّل تطور وانتهاء متميز، ولكن منذ مقابلة الشخصيتين، ماريانا و هيلواز، بدأت كل واحدة منهن في إكتشاف ذاتها من خلال الأخرى، وأصبحت مهمة رسم البورتريه منوطة بالإثنتين معا، تجاوز النص دافعه الأول، أصبح الإنتهاء من البورتريه عملية تشترط على ماريان أن تستطيع التعرف على هلواز، الأخيرة بدورها، بدأت تمتنع عن صمتها الكبير، وتحاول هي الأخرى أن تكون رد فعل تجاه مهمة ماريان وتجاه حضورها. كعادة سيلين لم تعوّل بشكل كبير على الحوار السينمائي، جعلت شخصيتيها في حالة تكوين يتبدّل بين لغة بصرية وحوارات عرضية ، جميع هذه الحوارات، لم تكن من خلال طرف واحد أكثر فاعلية من الآخر، لم يكن تكوين المبرر الدرامي للفيلم هو عرض الرغبة الكبيرة لماريان أن تنتهي من مهمتها كمهمة عمل، انزوى الجانب العملي بعيدا، وأصبح الخط الدرامي للفيلم هو معايشة ماريان لمهمتها على أنها حالة وجود ذاتي، تنعكس على شخصيتها الأخرى، التي كانت تعيد اكتشاف نفسها من خلال ذات المهمة.

منذ أن بدأت ماريانا في تتبع هيلواز، في جزء قليل من أول الفيلم، وجدت أنها في حالة تتبع متبادل، وأن هيلواز تسبقها بخطوة تجاه الأشياء التي تبحث عنها، حينما اعترفت لها ماريان، بأن دورها الأساسي هنا أن ترسمها، سقط دافع الوجود الأول عنها، وأصبحت في وجود تشاركي متطلب مع هيلواز، وافقت هيلواز على أن يتم رسمها، بعدما فشل في ذلك رسام آخر قبل أن تأتي ماريان إليها.

عقب ذلك التحول في مسار الفيلم، أصبحت ماريان وهيلواز في حالة مشاركة لتكوين البورتريه، بورتريه يتمثل في وجودهن سويا وتعرف كل واحدة منهنّ على جزء مفقود من ذاتها، ليصلنَ معا إلى تجاوز وجود رسامة تحاول رسم بورتريه لفتاة جميلة، بل كنّ يحاولنّ أن يُعدن إكتشاف مغاير لحياتهن، ذلك الإكتشاف هو شرط أساسي لتكوين البورتريه.

خلال الثلث الثاني من الفيلم، بدا بصورة ما تجاوز سيلين للنقطة التي إنطلق الفيلم منها، غابت سلطة القرار مؤقتا، تمثلت هذه السلطة في وجود الأم، انفردت سيلين بنسائها الثلاث، بعدما بدأ تداعي حضور الخادمة في مسار الأحداث، لتشكل طرفا ثلاثيا مع ماريان و هلواز، بدأت سيلين اللعب بموسيقيّة هادئة من خلال شاعرية سردية وصورة ثابتة ومشاهد طويلة قليلة القطعات، بتوزيعات ظل وضوء حالمين، ينثران حميمية شديدة على المشاهد، هذه الموسيقية، كأداة مغايرة، جعلت الفيلم في حالة كفاية عن أي موسيقى خارجية، خلال الحضور الثلاثي لشخصيات سيلين، كانت تتأمل من خلالهنّ في ما وراء إمكانات أن إنطلاق أي شيء من مفهوم جماليّ، عبّرت سيلين عن ركيزة المعاناة كأداة أساسية من بين هذه الإمكانات، من خلال حدث أنثويّ خالص، كعادة انطلاقها في حالات تكوين رؤاها من خلال تجربة أنثوية. حينما اعترفت الخادمة لمريان بانقطاع دورتها الشهرية منذ شهور، وتوصلا إلى وجود حمل، عبّرت الخادمة عن عدم رغبتها في الاحتفاظ به، تشاركت النسوة الثلاثة في تحقيق رغبة الخادمة وإجهاضها، لعل مشهد الإجهاض هو أكثر المشاهد التي قدمتها سيلين في كل أفلامها محمل بـ مفارقات عاطفية، محاكيا لأزمة اختيار إنهاء حياة قادمة، كانت الخادمة تئنّ لصعوبة إجهاضها، بينما ينام بجوارها طفل صغير، إبن الممرضة، يحاول اللعب معها ولمس وجهها لتكف عن الأنين.

في مشهد آخر، تعبر سيلين بشكل مصغّر عن رؤية الفيلم الكاملة، في التعرف على جمالية وقدرة الفن على البقاء من خلال حكايته، ومن خلال العاطفة البشرية الصادقة التي كونته، حينما طلبت هيلواز من الخادمة أن تعيد تمثيل عملية الإجهاض مرة أخرى، وأن تجلس هيلواز في نفس وضع الممرضة التي أجهضتها، محاولة بقدر الإمكان إعادة خلق المشهد مثلما كان، بتركيز وتوجيه للخادمة أن تستعيد عاطفة العملية على وجهها مرة أخرى، كانت الرسامة ماريانا تقف عند زاوية مناسبة للرؤية حتى تستطيع رسم سكيتش سريع لمشهد الإجهاض المستعاد من قبل هلواز والخادمة.

أصبحت العلاقة بين هيلواز وماريان واضحة، بعدما تعرفت كل واحدة منهن على عاطفتها تجاه الأخري، النقطة التي التقين فيها، حينما تبادلن الحب، أصبحت ذاتها النقطة التي بدأ منها التنفيذ الفعليّ للبورتريه، ذلك التنفيذ، هو منتهى وجود ماريان، لأنها حينما تنتهي من البورتريه ستكون الوالدة قد عادت من سفرها لتأخذ بنتها إلى إيطاليا لتتزوج. كانت تصرفات وحركة ماريان مدفوعة بضرورة حتمية، أنها بشكل أو بآخر، لابد أن تنتهي من رسمها، لأنه الشيء الأكثر قوة وقدرة على النفاذ خلال هلواز التي أصبحت حبيبتها، والتي بدأت في الحضور كامتداد لحياة جديدة لماريان، وبين إنتهاء حتمي لها حينما تنتهي من مهمة وجودها ويسقط السبب.

أن تعمل سيلين على فيلم، حكايته تقوم على علاقة بين إمرأتين في أواخر القرن الثامن عشر، كان ذلك بالأساس انحياز واضح لا يتقبّل تأويلا لحرية الحقوق الجنسية، خاصة وأن قوانين إعطاء الحرية الجنسية وعدم التمييز الجندري تحت أي ظرف في فرنسا قد تشكلت بصورة كاملة في أواخر القرن العشرين. فرق الزمن وتجاوز سيلين للإلتزام بالقيود الواقعية المنوطة بحكايتها لم يتوقف على مفردات العلاقة، خلال هذه الفترة لم يكن عمل المرأة كرسامة شيء محبذّ، ولم تكن هناك فرصة لأن تجلس إمرأة وتعزف في حفلة موسيقية عامة، كل هذه المفاهيم ضربت سيلين بها عرض الحائط، حينما جعلت ماريانا دلالة تعريف لهلواز على معظم الممارسات التي لم يكن من حق المرأة أن تمارسها خلال الفترة الزمنية للفيلم، أول الفيلم يحدث حوار بين ماريان وهلواز، تقول هلواز بأنها لم تحضر حفلة موسيقية من قبل، تخبرها ماريان بأنها حينما تصل إلى إيطاليا، تستطيع أن تحضر حفلة موسيقية هناك، ويغيب الحضور الموسيقي تماما، يعود عندما آخر مشهد في الفيلم، سيلين تحضر أول حفلة موسيقية لها، ويبدو أثر الإكتشاف الأول لذلك المجهول على وجهها، وهي تضحك وتبكي في نفس الوقت، في مشهد يخلق محاكاة شعورية بديعة لهيلواز.

الحكايات تعترض بنفسها

من بين مجموع أفلام سيلين الأربعة، لم يكن هناك فيلم واحد تقف وراءه دوافع متجاوزة حدود الفكرة والمعالجة الفنّية، ليس ثمة فكرة موجهة ذات بعد أحاديّ يصل للمشاهد، الأفلام نفسها هي التي تسجل إعتراضا من خلال مدى إمكاناتها الفنية، ومدى صدق الحكاية وأحقيتها في النفوذ إلى شاشة العرض، تقدّر سيلين مساحة الأصالة الناتجة من إعطاء الأفلام مساحة ذاتية، لتبدو بأبعادها المتعددة وحالاتها الإنسانية المركبة، تتداعى إلى محاكاة الإشكاليات المعنيّة بالأنثى في المجتمع العالمي، يتحقق ذلك من خلال رؤية محلية شديدة العمق للمجتمع الفرنسي وإنتاج أفكار من خلاله، لكن تماسّ هذه الأفكار مع المجتمع العالمي بكل أشكاله، تحيلها إلى أفكار عمومية، معنّية بالأنثى على مستوى، ومعنّية بالإنسانية على المستوى الأكثر عمومية.

تتسائل أفلام سيلين، تطلب الوقوف عند الإشكاليات وتأملها، يصعب الانتهاء من أي فيلم من مشروع سيلين دون تعرض لسيل من أسئلة تشكله مسارات حكيّ سينمائي تشكل لها صورة ملحّة. ماذا يمكن أن نفعل تجاه علاقة معقدة بين ثلاثة فتيات مراهقات؟ ماذا يمكن أن نقدم لهنّ ليعبرنَ نفسيا بسلام من مرحلة عمرية إلى أخرى؟ أي صعوبة في حياة ذكر تختبئ بيولوجية تكوين أنثوي بداخله؟ هل نستطيع أن نتجاوز ثبوتية التصنيف لذكر وأنثى فقط؟ لا يكون تجاوزا على مستوى المسميات بل يكون تجاوزا فعليّ، يضمن الحقوق المجتمعية والعيش الآمن. وأسئلة، على مدار الأفلام الأربعة، لا تكف عن الإنتهاء.

** الإقتباس من حوار للمخرجة منشور على جريدة المدن بعنوان «أمضيت حياتي محبة لأفلام كرهتني.. كامرأة وكمثلية».