طوال الوقت كان يُطرح سؤال هل التنظيم الدُّوَلي هو تنظيم مركزي أم مجرد تنظيم إطاري للتنسيق والمتابعة، وفقاً لبعض المقابلات، والأهم بعض البيانات والتصريحات الصادرة عن بعض المجموعات الفرعية المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين [1]، فالتنظيم الدُّوَلي والذي يشمل مكتب الإرشاد الدُّوَلي، ومجلس الشُّورى الدُّوَلي واللِّجان المعاونة، لم يأخذ شكلاً هرمياً هيراركياً وإنما كان إطاره شبكياً يقوم بالتنسيق بين فروع جماعة الإخوان المسلمين في البلدان المختلفة، والتنظيم الدُّولي طريقة ارتباطه وتنسيقه مع فروع الجماعة في كل إقليم تمثل مسألة شديدة التركيب، فتدخل التنظيم « الذي يسيطر عليه فعلاً المصريون» وعدم تدخله يختلف بين دولة وأخرى، خصوصاً وأنَّ الحالة الإخوانية نفسها والبيئات المحلية والإقليمية التي تتحرك فيها شديدة الالتباس، ثم دوره ليس منوطاً به حسم الخيارات التي لم تحسم أصلا، ولكن التنظيم يترك القرار لمجموعات متناثرة في الخارج والداخل ثم يقوم بدعمها لاحقاً إنْ احتاج الأمر، وكانت لديه الأدوات لذلك.[2] على سبيل المثال، الحزب الإسلامي بالعراق شارك مع الأمريكان في المجلس الانتقالي للحكم الذي يشارك فيه محسن عبد الحميد الكركوكي زعيم الحزب، وصلاح الدين بهاء من الإخوان المسلمين الأكراد، خصوصا وأن الحزب الذي يعبِّر عن الإخوان الأكراد لا يجد غَضَاضة في التَّعامل مع الأمريكان، وأخذْ قرار القبول بالمشاركة في مجلس الحكم الانتقالي الذي كان يرأسه ممثل جيش الاحتلال الأمريكي «بول بريمر، وذلك دون العودة لقيادة التنظيم العالمي ثم دون رضاه، وأصرَّ الحزب على قراره في الوقت الذي أصدر جاره الإخواني في الأردن – جبهة العمل الإسلامي – بيانه بإدانة المجلس وتخوينه بل وتكفير من يشارك فيه أو يقبل به! أما المرشد العام للجماعة السيد مهدي عاكف – في هذا الوقت – فلم يُعقِّب على المسألة وترك الأمر وحق حسمه إلى إخوان العراق دون غيرهم، واعتبر أن «أهل مكة أدرى بشِعَابها.»[3]


فاعلية التَّنظيم الدُّوَلي:

هذا المقتبس من كلام عاكف تحديداً :« أهل مكة أدرى بشِعَابها» هو ما يتم تصديره في خطابات الجماعة الرَّسمية حينما يتم الحديث عن علاقة التنظيم الدُّولي مع فروعه بالدُّول المختلفة العربية والإسلامية وغيرها، الفكرة أنه سيكون من الأهمية هنا أن تُصِّدر الجماعة هذا الموقف صراحةً أمام حكوماتها المحليَّة بحيث تنفي عن نفسها تهمة «الأُمَمِيَّة» والعمل خارج إطار الدولة الوطنية، لكن في نفس الوقت يتم استخدام نفس الخطاب داخلياً في التعبئة المعنوية، وزيادة ثقل الجماعة في نفوس الأعضاء، واستخدامه كدِلالة في تنزيل مشروع «الخلافة الإسلامية» في مشروعات عالمية تدل على قوة الجماعة وزيادة تأثيرها العالمي.ووصلاً بمسألة مدى مركزية وسيطرة التنظيم الدُّولي وحضوره على المجموعات الفرعية لجماعة الإخوان المسلمين في البُلدان المختلفة من عدمه، حين يتم الحديث مثلاً عن إخوان أمريكا أو أوروبا وتعبئتهم فيما يخص تحركات ما بعد 3 يوليو 2013 في مصر، فالتنظيم الدُّولي لا يحمل وحده عبء هذه الحملات لكسب التعاطف الدولي بشكل أساسي، ولكن من يحرك هذه الحملات التعبوية تنظيمات إقليمية شبكية يتواجد فيها المصريون بكثافة، وجزء كبير من هذا الأمر بفعل الخيار الذَّاتي المتعاطف من ناحية، والشَّاعر بضرورة التحرك لحماية وضع الإخوان إقليمياً، من ناحيةٍ أخرى، لأنه من المعروف أن دفن التجربة المصرية سواء كحالة إخوانية أو كحالة حُكْم إخواني يؤثر سلباً على النماذج المحلية الأخرى [4].في رأي البعض «مصدر من داخل التنظيم الدُّولي نفسه» أنَّ تَقدُّم الإخوان في مشروعٍ إقليمي مصاحب لربيع الثورات لم يكن بقرار تنظيم دُوَلي، بل إنَّ قيادة هذا التنظيم كان غافلا بدرجة كبيرة حتى وقت متأخر عن كثيرا من جوانب هذا المشروع وتفصيلاته، وقد حدث-وفقا للمصدر- نقاش داخلي بين مجموعة التنظيم الدُّولي في «لندن» وبين جهاد الحداد ثم جمعة أمين عبدالعزيز حول الترتيبات الأمريكية-الإخوانية التي بدأت مبكراً من بعد سقوط مبارك، والتي كان من ضمنها مثلاً زيارة عبدالمجيد الدندراوي ومجموعته لـ«واشنطن» قبيل ترشح خيرت الشاطر لشرح وجهة نظر الجماعة فيما يخص ملف الانتخابات الرئاسية، وتصوراتهم من موقفهم من إدارة السِجال السياسي في السِّياق المصري وملف الصِّراعات بالمنطقة وغيرها. حتى من دوائر كانت قريبة من صنع القرار داخل الإخوان، ثم انتقدت مسار الجماعة لاحقاً رأت أنَّ كثيراً من الصلات الإقليمية والخارجية (مع الأمريكان وأوروبا وقطر وتركيا) والتي ترتبت عليها بنود التحرك الإقليمي لخلق حالة هيمنة على «ربيع الثورات» لم تكن خيوطها فعلاً في يد التنظيم الدولي، ولكن الأخير كان أحد الأدوات التي تستعيرها الشريحة المهيمنة على التنظيم المصري لتمرير بعض الخطوات والاستفادة من الدعم. وفي سوريا وفلسطين كان التنظيم له دور أكبر، ولكنه يغلب عليه الدور التنسيقي ولكن ليس الحاسم النهائي، ويقينا ليس المتصدر لصنع رؤية واستراتيجية [5].وبالنسبة لمسألة تدخل التنظيم الدُّولي في أزمة الجزائر، وقبلها في أزمة الخليج عام 1991، وأزمة حماس الداخلية وكذلك تنظيم العراق قبل «الربيع العربي»، أو حتى مايبدو تضخماً ما لدوره في الوضع المصري بعد يوليو 2013 كانت ديناميكيتها قادمة من أنه إذا انهار التنظيم المحلي، أو تفسخ أو عانى من مشكلة داخلية جسيمة، حينها يظهر دور أكبر للتنظيم الدولي، ويستدعيه أطراف المشهد الداخلي نفسه ليس لقناعتها بفوقيته التنظيمية الحاسمة بأكثر من الاحتياج لجسد له قدر من الشرعية يحل الخلاف [6].


جماعة وطنيَّة أم جماعة أُمَمِيَّة:؟

شبكة « التنظيم الدُّولي» وحضورها يتربط ضمناً بسؤال حول ماهية جماعة «الإخوان المسلمين»، وهو السؤال الذي يجب أن تحدده هي، وتحاول أن تقوم بطرح إجابة وتصور واضح له، هل «الإخوان المسلمين» جماعة سياسية وطنية مشروعها مرتبط بالمحل الجغرافي، أم هي جماعة أُمَمِيَّة متجاوزة تتخطى الحواجز الجغرافية، والسياسية، والوطنية، وتَعتَبِر نفسها تجسيداً للأُطروحة الأيدلوجية والفكرية التي تبنتها الجماعة عن تأسيس «الخلافة الإسلامية» .ما تم ملاحظته حتى الآن أنَّ الجماعة ومنذ السنوات الأولى لتأسيسها عملت على إنشاء فروع لها في العالم العربي والإسلامي، هذه الفروع ترتبط في الحد الأدنى بفكر الجماعة الأم والمرجعية الفكرية لآبائها المؤسسين. وَصَف المرشد السابق للإخوان المسلمين، محمد مهدي عاكف هذه الجمعية الإخوانية بأكبر التنظيمات الدولية في العالم قائلاً: «[ نؤكد] بأن الإخوان المسلمين هم منظمة عالمية، نعم، نحن نشكل أكبر منظمة في العالم، وكل من يؤمن في الساحة الدولية بمقاربة الإخوان المسلمين هو واحد منا –كما نحن واحد منهم»[7].وفكرة « التنظيم الدولي» ذاتها تمثل أحد أهم الهواجس لدى الحكومات المختلفة في العالم العربي، بل وتعتبرها ذريعة لمحاصرة المجموعات الفرعية في أقطارها، وربما أدركت بعض المجموعات هذا الأمر فحاولت استدراكه، كما حدث في حالة إخوان الأردن كنموذج، جمعية «الإصلاح» الإماراتية –المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين- أيضا أعلنت في بيان رسمي لها عدم ارتباطها تماما بتنظيم الإخوان حينما زاد الضغط من الحكومة الإماراتية عليهم [8] المشكلة أن فكرة استدعاء خطاب يتحدث عن فكرة عالمية «رسالة الإخوان»، وتجاوزها لمسألة القُطْرية، وفكرة الولاء للعقيدة على حساب الولاء للتراب والوطن خطأ لطالما وقع فيه رموز الجماعة الأم في مصر، الذين وُصِفَ خطابهم طوال الوقت بأنه خطاب استعلائي يستبطن «مشروعاً» متجاوزاٍ لمشروع الدولة الوطنية [9] وهو الأمر الذي اعتبره البعض مبرِّراً للموقف السلبي الذي أخذته بعض الحكومات العربية التي اتخذت موقفا حذراً من جماعة ظلت طوال الوقت تتحدث عن مشروع مختلف عن مشروع الدولة [10]. نذكر هنا تصريح عبد الله العسكر رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشورى السعودي، الذي شكَّله الملك عبد الله لمناقشة السياسات وتقديم المشورة للحكومة، الذي تحدث عن أن «مشكلة الإخوان المسلمين هي أن فكرهم لا يعرف الحدود، والإخوان لا يؤمنون بالهوية الوطنية، وإنما يؤمنون بهوية الأمة الإسلامية وإن لديهم أصابع تمتد في دول خليجية مختلفة.»[11] وطوال الوقت كانت التهمة الرئيسة التي تم بها اتهام «جمعية الإصلاح» في الإمارات هي. تبعيتها للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، وتبنيها مشروعاً غير وطني يتم التحكم فيه من مؤسسات أجنبية تابعة لتنظيم دولي تديره جماعة الإخوان المسلمين، والحقيقة أنَّ جزءً من المشكلة التي وقع فيها الإخوان في الخليج، والإخوان بشكل عام، أنهم لم يقدموا أي تصور فعلي أو أي مراجعة فكرية يُحسَم بها الموقف من مسألتي المرجعية الأُمَمِيَّة والوطنية.المراجعة التي تظهر الحدود الفاصلة بين الخطابين، وتعيد الاعتبار للخطاب الوطني، وهذه المراجعة لا تعني فقط إضعاف- إن لم يكن إلغاء- وجود ما يسمَّى التنظيم الدُّولي، وإنَّما كِشْف الجماعة لموقعها في سياسات الشرق الأوسط، وعزمها التخلي عنه مقابل الاندماج الكامل في بنية الدولة الحديثة، والقبول بالإجماع السياسي الذي تنبني عليه الحياة السياسية [12].في النهاية يبدو أنَّ القديم في طريقه إلى الزوال، وبقاءه مرتهن فقط برموز ومصالح قديمة، وأنَّ« المركز» تنهار قواعده لصالح الأطراف التي تثور غضباً من انعزالها وتهميشها، أو ربما تتمرد لأنها أدركت المعرفة وحدها بدون إلهام من « الإخوة الكبار» القدامى.

المراجع
  1. خلال احتفالٍ نظمه الجناح النسائي في حماس بمناسبة يوم المرأة في الثامن من مارس/آذار 2016، قال القيادي البارز في الحركة خليل الحية إن "حماس لا تنسلخ من ثوبها، ولا من فكرها الإخواني الوسطي، لكنها حركة تحرر، ومقاومة، ولا علاقة تنظيمية أو إدارية مع الإخوان في مصر، أو أي جهة أخرى". ( نقلا عن الهافينتغتون بوست)، وغيرها.
  2. عضو سابق بمكتب التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين في لندن، تحفظ على ذكر اسمه، مقابلة مع الباحث عبر الإنترنت، 23 ديسمبر/ كانون الأول 2014
  3. محمد حسن، نقد الحركة الإسلامية من الخارج: العراق نموذجًا (2/2)، موقع نون بوست: 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 2014
  4. مقابلة من خلال الإنترنت مع عضو سابق بالتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، مصدر سابق
  5. المصدر ذاته
  6. المصدر السابق
  7. Zidane MERIBOUTE,‘Arab Spring’: The Influence of the Muslim Brotherhood and Their Vision of Islamic Finance and state
  8. محمد نصار، جمعية «الإصلاح» الإماراتية تتبرأ من الإخوان المسلمين وتنفي امتلاكها جناحا عسكريا مكتوب – الشرق الأوسط، 23 سبتمبر/ ايلول، تاريخ الوصول 21 ديسمبر/ كانون الأول 2014
  9. هاني الوزيري وإمام أحمد، بديع لـ"عشيرته": استعدوا لحمل راية "أستاذية العالم" ورفعها في "الأقصى"، جريدة " الوطن"، 4 مايو/ أيار 2013، تاريخ الوصول للرابط 24 ديسمبر/ كانون الأول 2014.
  10. المصدر ذاته.
  11. أنجوس مكدوال وريجان دورتي، سقوط الإخوان في مصر يريح السعودية ويثير القلق في قطر، رويترز عربي،11يونيو/ حزيران 2013
  12. محمد مسعد العربي، الإخوان بين الوطنية والأممية : مسألة التنظيم الدولي للجماعة، مؤسسة "مؤمنون بلا حدود"، المغرب، 2013 :