من شعوب البانتو ينحدر سكان الكونغو الديموقراطية، سكن «البانتو» حول نهري النيجر وبنويه، منذ نشأتهم والكونغو لم تعرف الاستقرار السياسي، دائمًا ما يتحارب فيها طرفان، إما طرف داخلي مع مستعمر خارجي، أو طرفان داخليان.أوائل تلك الحروب كانت مع الجيش البرتغالي، بعد رفض الكونغو تجديد امتياز المناجم للبرتغاليين. دفع الملك ثمن رفضه وقُتل في معركة أمبيلا أمام الجيش البرتغالي عام 1665. ثم بعد ذلك رضخت تحت سطوة الاستعمار البلجيكي المستتر خلف الامتيازات الاقتصادية والاتفاقيات التجارية، حتى وصل عدد البلجيكيين في الكونغو عام 1960 أكثر من 100 ألف فرد، منهم 10 آلاف موظف في جهات حكومية، و7 آلاف رجل دين مسيحي مُبّشر.

المُلفت في الصراع الكونغولي للاستقلال أنه كان دائمًا مدفوعًا بدافع ديني، أو بادعاء النبوة بصورة أدق. بدأت تلك السلسلة «فرنسيسكو كسولا»، بادعاء النبوة والحديث عن طرد المبشرين المسيحيين، ثم تبعته «دونا بياتريس». لكن «سيمون كيمنغو» رفع السقف هذه المرة وادعى زيارة الله له، وأن الله أمره مباشرةً بإنقاذ العرق الأسود. أسس كيمنغو الحركة «الكاكية»، فاعتُقل عام 1921 ومات في محبسه عام 1951. استمرت دعوته في الانتشار بعد سجنه حتى أخذت الطابع السياسي. حتى صدر في 19 مايو/ أيار 1960 قانون إنشاء الدولة المركزية التي نادى بها «لومومبا»، أول رئيس حكومة للكونغو بعد الانفصال.

إلا أنه بعد الاستقلال بأيام استقل إقليم «كاتنغا» بدعم بلجيكي، تبعه إقليم «كازائي». واتحد المنفصلان في مواجهة الحكومة المركزية. فزاد عدد المرتزقة وضخمت النزعة الانفصالية، فانتهى الأمر إلى انقلاب على لومومبا وسط صمت دولي عن نداءات لومومبا. بعد مقتل لومومبا تحولت الكونغو إلى 3 مناطق كبيرة ذاتية الحكم كل منطقة تتلقى دعمًا من جهة خارجية مختلفة. بعد صراعات طويلة سُميت بالحرب العالمية الأفريقية وراح ضحيتها 3 ملايين شخص اتفق قادة المناطق الثلاثة على أن تضع الأمم المتحدة يدها على الدولة، واستطاع الجيش الوطني أن يكبح أي ثورة، لكن تدخَّل قائد الجيش موبوتو فأقال الحكومة وألزم البرلمان بانتخابه رئيسًا. غيّر موبوتو اسم الدولة إلى زائير في عام 1971 وبقيت كذلك حتى عام 1997.

اقرأ أيضًا: هل زال الاستعمار عن أفريقيا أم تغيرت الوجوه؟

تمكن لوران كابيلا من السيطرة على الكونغو بعد 7 أشهر من حرب العصابات مع موبوتو. تولى كابيلا الحكم وارتكب مذابح في حق معارضيه، لكن حكمه لم يدم، إذ اغتاله أحد رجاله عام 2001. تولى بعده ابنه جوزيف كابيلا بقرار من الحكومة. بعد 18 عامًا في الحكم سلّم كابيلا الابن السلطة طواعية بانتخابات نزيهة إلى المعارض فيليكس تشيسيكيدي، لتشهد الكونغو لأول مرة انتقالًا سلسًا للسلطة.


الكونغو تهتف لمصر

كانت الكونغو هي الأرض التي احتضنت أول مشاركة لقوات مصرية في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.يروي الفريق سعد الدين الشاذلي في مذكراته هذه المشاركة مشيرًا إلى أن جمال عبد الناصر، الرئيس المصري آنذاك، كان يؤمن بقوة بحركة التحرر التي يقودها لومومبا ضد الاستعمار البلجيكي. يحكي الشاذلي أنه رغم قدوم القوات المصرية ضمن قوات أكبر تابعة للأمم المتحدة، إلا أنه تم استقبال البعثة كاملةً بالأعلام المصرية وبالهتاف لمصر ولعبد الناصر. ساندت القوات المصرية لومومبا حتى اللحظات الأخيرة، إلى درجة إشراف سعد الدين الشاذلي بشخصه على تهريب لومومبا بعد انقلاب موبوتو.

رتب الشاذلي هروب أبناء لومومبا في وضح النهار، فرتب لهم جوازات سفر ذات صور غير واضحة، ووضع فرقتي صاعقة في المطار تحت مسمى أنهم جاءوا بأوامر الأمم المتحدة لتأمين المطار. أقلعت الطائرة وبعد التوقف لعدة ساعات في عدة دول حطت رحالها أخيرًا في مصر. نزل الأبناء الثلاثة، ولحقت بهم الأم والطفل الرابع بعد عام، وتم استقبالهم جميعًا بمندوبين رسميين من رئاسة الجمهورية. ويروي باتريس – الابن الأكبر – أن معاملة عبد الناصر لهم كانت كالأب لأبنائه، وأنه أصر على تعليمهم العربية وكان يُرسل أبناءه خالد وعبد الحكيم وهدى لقضاء وقتٍ معهم.

وبعد تولي السادات شهدت الكونغو جفوةً من الرئيس المصري، إلا أن ثروات الكونغو كانت أكثر إغراءً، فأشار السادات بإنشاء «مشروع نهر الكونغو» عام 1980، الاسم الآخر للمشروع كان «ربط نهر النيل بنهر الكونغو»، لكن المشروع لم يعالج جفوة السادات لأفريقيا. أما في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك فشهدت العلاقات المصرية الكونغولية تحسنًا ملحوظًا.

في مايو/ آيار 2010 دارت محادثات ثنائية بين البلدين عن كيفية تحقيق الاستفادة القصوى من مياه النيل دون الإخلال بالأمن المائي لأية دولة، كما ارتفعت مؤشرات التعاون الاقتصادي بين البلدين، وفتحت كل منهما سوق الاستثمار لديها للجانب الآخر، وفي 2009 شاركت مصر مرةً أخرى في قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في الكونغو.


الكونغو والسيسي

التعاون بين البلدين ظل ثابتًا رغم تعاقب التغيرات الضخمة على المشهد المصري، وظهر ذلك جليًا في مشاركة الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي في مراسم تنصيب الرئيس الجديد فيلكس تشيسيكيدي. قبل تلك المشاركة كان هناك توجه مصري بتوجيه النظر إلى البلد صاحب الثروات الغنية، فنجد نائب وزير الخارجية المصرية يزور الكونعو لعقد مباحثات مع نائب رئيس الوزراء في مايو/ آيار 2017. وفي أبريل/ نيسان 2017 استقبل السيسي الرئيس الكونغولي السابق كابيلا، بعد شهورٍ من تنسيق مشترك مع المخابرات المصرية لأجل إطلاعهم بوضوح على الوضع المشتعل في الداخل الكونغولي.

الاقتصاد هو المرآة الحقيقية للتعاون، في 2015 تمت الموافقة على تقديم منحة مصرية قدرها 10 ملايين دولار إلى الكونغو، تقوم مصر بهذه المنحة بإدارة مواردها المائية في مختلف الكونغو. هذا الاتفاق كان حصيلة مفاوضات طويلة بين الطرفين. كما قررت مصر حفر 30 بئرًا في المناطق القاحلة في الكونغو، على أن تزود تلك الآبار بشبكات توزيع لاستخدامها في الري وسقي الحيوانات. كذلك قررت القاهرة إقامة مزرعة حيوانية على مساحة 100 فدان بالقرب من العاصمة كنشاسا، الهدف منها نقل الخبرة المصرية في تربية المواشي إلى الجانب الكونغولي، ولهذا السبب استضافت القاهرة 12 خبيرًا كونغوليًا لتدربيهم على التكنولوجيا الحديثة في مجال المياه وتربية الحيوانات.

المعارك بين البلدين كانت رياضيةً فحسب، فقرعة كأس الأمم الأفريقية نسخة 2019 جمعت اسم مصر إلى جانب الكونغو، ما أعاد الحديث عن علاقات البلدين سياسيًا واقتصاديًا ورياضيًا. وإذا كان التعاون هو ما غلب على الجانبين السياسي والاقتصادي إلا أن التنافس الشرس هو ما يميز الجانب الرياضي. وقد فازت الكونغو بالبطولة مرتين باسمين مختلفين؛ الأولى عام 1968 تحت اسم كونغو كينشاسا، والثانية في القاهرة عام 1974 تحت اسم زائير.


حليف لا يُترك

الكونغو أكبر دولة ناطقة بالفرنسية في أفريقيا، ومساحتها تزيد عن ضعف مساحة مصر، بلد النحاس والألماس والثروات المعدنية المُقدرة بـ24 تريليون دولار. لكنها رغم ذلك تعاني من فقر شديد يطال أكثر من 8 مليون مواطن لا يملكون طعام يومهم. إلا أنها سجلت عام 2016 أعلى معدل نمو في القارة الأفريقية والعالم بسبب دخول استثمارات أجنبية كبيرة تستشرف المستقبل بالاستثمار في هذا البلد الفقير.

وبعد حدوث الاستقرار السياسي بوصول الرئيس الجديد بانتخابات مُتفق على نزاهتها وإعلان كابيلا قبوله بالهزيمة، ينتظر الكونغو مستقبل واعد تستطيع أن تنهض فيه من كبوتها لتلحق بركب الدول الأفريقية التي نفضت عنها آثار الحروب الأهلية ووضعت اسمها ضمن دول العالم ذات النمو المضطرد مثل رواندا وإثيوبيا.

اقرأ أيضًا:حكايات من رواندا: من الإبادة إلى أيقونة التنمية الأفريقية

لذا فإن الاستثمارات المصرية في الكونغو، خاصةً طويلة الأمد، تبدو فرصةً جيدةً لخلق منطقة نفوذ واعدة لمصر في أفريقيا. خاصةً وأن أزمة مياه النيل تتجدد باستمرار، ووجود حليف قوي كالحليف الكونغولي يمثل نقطة قوة لصالح مصر في أي مفاوضات قادمة، أو حتى في ممارسة ضغطٍ عبر حليفها الأفريقي.