الحقيقة التي قد يجهلها الكثير من محبي السينما أن سيناريو فيلم «Inception»، لمخرجه الشهير «كرستوفر نولان»، لا يوجد به التواء في الحبكة «plot twist». حيث وضع الأخوان نولان في الفصول الأولى من سيناريو الفيلم أسس وقواعد عالم الأحلام التي التزموا بها بلا أي مفاجأة تذكر حتى نهاية الفيلم. وكذلك الأسس والقواعد العملية الكبرى المخطط لحدوثها، حيث سنرى حلما بداخل حلم بداخل حلم إلى أن يصلوا لقاع المخ الذي يستطيعون زرع الفكرة التي يرغبون بها في دماغ رجل الأعمال.هل حدث أي تغير في نهاية الفيلم عن ذلك؟ لا. إذن فهذه قصة مباشرة مستقيمة لا أحداث انقلابية بها (السيناريو الانقلابي هو الذي به التواء في الحبكة). فلماذا يعتبر الكثير من محبي السينما بصفة عامة ونولان بصفة خاصة أن الفيلم معقد جدا وغير مفهوم ويحتاج للمشاهدة أكثر من مرة لاستيعابه؟ الإجابة بكل بساطة أنه كان هناك أداة سرد سحرية في يد المخرج غير السيناريو. أداة تحول السهل لمعقد، وتتلاعب بالأحداث المباشرة لتحولها لمتاهة عصية على الفهم، هذه الأداة هي «المونتاج».


أداة عرض القصة

إذن أراد نولان أن يعرض نسبية زمن الحلم في طبقات المخ المختلفة؛ الثواني المعدودة التي تسقط فيها السيارة من أعلى الجسر إلى النهر في طبقة الحلم الأولى، يحدث في طبقة الحلم الثانية أحداث تمر في دقائق، وفي طبقة الحلم الثالثة أحداث تمر في أكثر من ساعة وهكذا.المونتاج كان أداته الوحيدة لعرض الطبقات الثلاث في نفس الوقت، وإظهار الفوارق الزمنية وتبطئ الزمن «slow motion» في الحلم الأول وتقطيعه للقطات. وبعد انتهاء كل لقطة يعرض ما حدث في حلم الطبقة التالية، ثم ينتقل للطبقة الثالثة، ثم يعود لعرض اللقطة التالية من الحلم الأول، وهكذا. المونتاج كان عصا نولان السحرية التي عقدت فيلمه وجعلته لا ينسى. ليس من قبيل المبالغة إذا قلنا إن المونتاج كان النجم الأول في فيلم «Inception».في فيلم «Moonlight» الفائز بجائزة أوسكار أفضل فيلم في نسخته الأخيرة. كان لمخرجه «باري جينكس» إستراتيجية مونتاجية أخرى. فالفيلم يعرض ثلاث فترات زمنية لشاب أسود في حي أمريكي فقير؛ مرحلة الطفولة، ومرحلة المراهقة، ومرحلة الشباب.

اقرأ أيضا:«Moonlight»: ظلال العنصرية على واقع أصحاب البشرة السمراء أراد المخرج أن يشبع المشاهد بمعاناة هذا الشاب في كل مرحلة عمرية، وأن لا يخرج المشاهد من الاندماج مع الحالة العاطفية في فترة عمرية لحالة عاطفية في فترات أخرى من عمر الفتى، وهذا يشتت مشاعر المشاهد ولا يخدم موضوع الفيلم، فنفذ الاختيار المضاد لما نفذه نولان. فعرض كل فترة كاملةً حتى عندما ينتقل زمنيا، كان ينتقل داخل زمن كل مرحلة. إذن المونتاج أداة موازية للسيناريو، فالسيناريو يسرد الفيلم أما المونتاج فيحدد طريقة عرض هذا السرد.


أداة للتحكم في الإيقاع

إذن المونتاج هو أداة المخرج لعرض الفيلم كما ذكرنا، وتحدثنا عن الرؤية الكلية لعرض الفيلم من خلال المونتاج. أما جزئيا، فالمونتاج وسيلة للتحكم في الإيقاع. فأحيانا يريد المخرج أن تكون بعض اللقطات ذات إيقاع سريع وبعضها ذات إيقاع بطيء لخدمة رؤيته الدرامية، هنا يأتي دور القطعات المونتاجية.

في هذا المشهد من فيلم «kingsman» نرى أن أداة تسريع الإيقاع كانت هي المونتاج. فقد تم تجميع لقطات من زوايا مختلفة لأماكن مختلفة وكلها تركز على هدف واحد، وهو ترقب المعركة. كثرة التقطيع يعطىي (عادةً) إيقاعا سريعا وحيوية في اللقطات. فالمونتاج الوسيلة المثلى لدمج أحداث في فترة زمنية واحدة وفي أماكن مختلفة.أما المخرج «بول توماس أندرسون» في فيلمه «there will be blood» فنلاحظ اعتماده التام على التبطيء المتعمد للزمن، والالتزام بالإيقاع الهادئ في أغلب المشاهد تقريبا. ولذلك اعتمد بشكل خالص على قطعات قليلة وسلسة. فقطعات كثيرة تعني حيوية وسرعة، ولذلك تكثر في أفلام الأكشن والكوميديا. أما قطعات قليلة فيعني هدوءا في الأحداث. وقد يحتاج المخرج للسرعة والبطء في نفس الفيلم، ولذلك يستخدم المخرج في بعض الفصول قطعات كثيرة وفي فصول أخرى قطعات قليلة مثل ما حدث هذا العام في فيلم «Hell Or High Water».

اقرأ أيضا:«Hell Or High Water»: نص حداثي لتيمة كلاسيكية


أداة للتحكم في الزمن

كان فيلم «The Mirror» للمخرج الكبير «أندرية تراكفوسكي» يدور في ثلاثة أزمان مختلفة. ولكن أراد تراكفوسكي، الذي يهتم كثيرا بفكرة الزمن في أفلامه، أن يعرض الأزمان الثلاث بشكل غامض ومتداخل. أي أن المشاهد لن يستطيع إدراك الزمن من المشاهدة الأولى. بعيدا عن الهدف الفلسفي كان ينتقل تراكفوسكي بين أكثر من زمن في نفس المشهد بقطعات مونتاجية سلسة وكأنه قطع في مشهد يدور في زمن واحد.لفهم هذه الفكرة أكثر، دائما عند الانتقال بين أزمان مختلفة يدرك المشاهد هذا من خلال اختلاف في الصورة؛ ألوان الصورة أو الديكورات أو اختلاف أبطال كل فترة. أو في المكان أو بالتنويه الصريح بذلك. ولكن تراكفوسكي لم يستخدم أيا من هذه الطرق. فالفيلم من بطولة ممثلة واحدة تظهر بنفس الهيئة في الأزمان الثلاث. أما بطل الفيلم فلم يظهر في أي من مشاهد الفيلم. وكان تراكفوسكي يعرض مشاهد بالأبيض والأسود ومشاهد بالألوان وكانت جميعها تدور في الأزمان الثلاث. فلم يكن الأبيض والأسود يمثل مرحلة زمنية محددة، والألوان يمثل مرحلة أخرى. نجح تراكفوسكي في هدفه بالمونتاج؛ دمج ثلاثة أزمان في مشهد واحد وفي سياق قصصي واحد، ليقدم سردا قصصيا وعرضا بصريا شديد الصعوبة، ويحتاج المشاهدة أكثر من مرة حتى يدرك الهدف وراء ذلك. وللتنويه الفيديو في أعلى الفقرة مشهد من الفيلم يدور في أكثر من زمن. شاهده واسأل نفسك هل كنت ستدرك أنه في أزمان مختلفة؟ إذا كانت الإجابة لا، فاعلم أن ذلك بفضل المونتاج.

أما المخرج المجري «بيلا تار» فله رؤية أخرى للزمن. فدائما يريد نقل الحياة بواقعيتها ومللها وتكرارها بلا تكثيف زمني. في فيلمه الأخير «The Turin Horse» يرصد الحياة المتخيلة للفلاح الذي تسبب في جنون الفيلسوف الشهير «نيتشه». إنه فلاح فقير يعيش مع ابنته لا يأكلان سوى البطاطس، لا مساحة للكلام بين الأب وابنته، بالأحرى لا مساحة للحياة الطبيعية بسبب بؤسهما وفقرهما. طالما كانت فكرة نقل الزمن كما هو، فكرة مثيرة لبيلا تار، حتى أنه أخرج فيلما مدته 7 ساعات. لهذا السبب هو مخرج غير محبوب إلا في الأوساط النخبوية. النمط الممل الخالي من التكثيف الزمني يجعل القطعات المونتاجية في أفلامه نادرة الحدوث. ولذلك طوال أحداث الفيلم (ساعتان ونصف) لم يتعدَ عدد القطعات المونتاجية 20 قطعة. لإدراك قلة هذا العدد، 20 قطعة تحدث عادة في فترة لا تزيد عن 10 دقائق من أحداث فيلم ذات إيقاع هادئ.

هناك الكثير من الأمثلة للتلاعب بالزمن من خلال المونتاج؛ خلط الزمن أو تكثيفه أو العكس وغيرها من الأمور. وللمونتاج استخدامات أخرى أكثر تفصيلا، ولكن هذه هي الاستخدامات الشائعة مع أمثله واضحة. والتي تؤكد أن المونتاج هو أداة المخرج لعرض القصة، هذا في العرض التقليدي، أما المخرجون الذين يطمحون لتعقيد أفلامهم وعرضها بطريقة غير تقليدية، سواء لأغراض تجارية (جذب مزيد من الجمهور) أو لغرض فلسفي أو لغرض تجريبي بحت، فالمونتاج يكون في هذه الحالة العصا السحرية التي تفعل ما يحلو للمخرج.