كتاب خيبة الأمل.. حكاية طويلة أحيانًا، ومملة غالبًا عن الأحداث المؤسفة التي أدت إلى انتحار «حمدي الكمساري»!

تلك ليست لافتة، هذا عنوان رواية سوف تصدر في مارس/ آذار المقبل عن دار نشر «بردية». إذن كيف نكتب لها مراجعة هنا، والآن، قبل صدورها؟ لهذا قصة صغيرة دعني أحكيها لك.

هذه هي الرواية الأولى لكاتبها «محمد جمال»، والذي حكى على حسابه الشخصي على «فيسبوك» قصة محاولاته لنشرها، والتي باءت جميعها بالفشل، فقرر أن يتيح روايته إلكترونيًا للقراء، ثم تم الاتفاق على نشرها بعد أن وجدت كلماته صدى لدى دور النشر!. على كل حال نحن هنا لا نناقش سوى الرواية نفسها بغض النظر عن طريقة نشرها، فاتبعني من فضلك للتعرف على «حمدي الكمساري».


حدوتة أحمق آخر

تحكي الرواية عن «حمدي محمود» كمساري (قاطع التذاكر) الترام السكندري الغاضب، ذو الأخلاق السيئة الذي يفتعل المشاجرات يوميًا مع الركاب. ليس له أي أصدقاء سوى «زينب»؛ السيدة الأربعينية الخارجة من السجن حديثًا.

يلقي بك الكاتب في قلب حياة «حمدي» فجأة، ثم يتلقفك ليسرد لك ملامح شخصية «حمدي» الغريبة، ويعرفك على ماضيه المتمثل في شاب واعد ذو كاريزما بين زملاء الجامعة. يتوفى والده فجأة، فتحمله أمه مسئولية المنزل. يترك الجامعة، ويخلِف والده في وظيفة الكمساري. نتيجة لذلك؛ ينفجر غضبه الذي يصبه على العالم كله، ولا يهدأ أبدًا.

تتوالى الأحداث فنعرف أن «حمدي» كان حلمه الأكبر أن يصبح كاتبًا عندما كان من حقه أن يحلم. وبعد الكثير من الأحداث التي تتقاطع مع حياة هذا الكمساري، والتي تعيد له الحلم مرة أخرى بعد احتكاكه بالوسط الثقافي المصري وعالم الصحافة؛ يكتب روايته التي تجبره الظروف -مرة أخرى- على بيعها. ينكسر «حمدي» وينطفئ تمامًا حتى يقرر أن يسترد روايته، فيفشل، ويحاول الانتحار كخيار أخير!.

تتخذ الأحداث منحى آخر عندما يحالفه الحظ وينجح في استرداد روايته بعد سلسلة من الأحداث المؤسفة، ثم تأتي النهاية التي لم يكن للحظ فيها أي دور، والتي يتحكم فيها «حمدي» بالكامل.


شخصيات ثلاثية الأبعاد

«حمدي الكمساري» رغم فظاظته المبالغ بها، ورغم غضبه المستعر، وناره المشتعلة دائمًا، فإنه يشبهك جدًا. نعم يشبهك أنت، ويشبهني، ويشبه الكاتب ويشبهنا جميعًا. هناك جزء بداخل كل منا يحمل بداخله «حمْدِيه» الخاص، الذي بإمكانه أن يحمل العالم كل ما يحدث له، ويخرج ضحية على الدوام.

كلنا جاهز لإلقاء اللوم على الآخرين، كلنا نلعن الظروف التي لو لم تقف عائقًا أمامنا لحصلنا على «جائزة نوبل» مرتين، وتزوجنا ملكة جمال العالم، واكتشفنا الذرّة مرة أخرى. رغم أن في حالة «حمدي» الكمساري وتبعًا لكونها رواية كان الأمر مبالغًا فيه جدًا.

استطاع الكاتب أن يشخصن «حمدي» الكمساري جدًا، ويجعلك تتعاطف معه رغم أنك في كل سطر تلعنه وتعرف أنه مخطئ، ولكنه في كل مرة بعد أن يستقر في قلبك النفور منه، يقوم بلفتة أو حركة أو يقول جملة تريك جانبه الإنساني الهش فتعود لتتعاطف معه.

هكذا الحياة تمامًا؛ فمعظم البشر لديهم هالة إنسانية لابد أن تستشعرها ما أن تقترب منهم. الكاتب يريك تلك الهالة رغم أنه لا يخفي عيوب شخصياته عن القارئ!. استطاع الكاتب رغم أنها روايته الأولى أن يعطي أبعادًا لشخوص الرواية. فلم يقدم لك أي منهم من العدم دون أن يرسم لك الخلفيات التي جاءوا منها، وكيف تشكلت شخصياتهم ولماذا؟!

هو لا يكتفي بإخبارك بتاريخيهم الشخصي فحسب؛ بل يهتم بالتفاصيل التي تجعل هذه الشخصيات ذات لحم ودم وأبعاد إنسانية. فمثلًا تفصيلة مثل لون الإيشاربات الذي تفضله «زينب» صديقة «حمدي» الكمساري لا تؤثر في مجرى سير الأحداث على الإطلاق، ولكنها تمنح الشخصية إنسانيتها التي تجعلك تتماهى معها، وتتلفت حولك في الشارع لتبحث عنها.

كان الكاتب موفقًا أيضًا في سرده، والدخول والخروج من الشخصيات والحواديت المتوازية دون أن يفقد السياق أو يربك القارئ. ونظرًا لأنها تجربته الأولى؛ فيجب أن نعترف هنا أن السلاسة التي جاء بها السرد خاصة مع رواية طويلة تتخطى الـ400 صفحة، كان جيدًا جدًا، ويستحق الإشادة.


رومانسية زائدة

رغم أن الكاتب كان موفقًا في تضفير الواقع الحقيقي مع أحداث روايته، فإنها جاءت تحمل بعض العيوب. فالنهايات ذات العدالة الشعرية لا تناسب الواقع كثيرًا، رغم أنها هنا مبررة جدًا فإنها يسهل التنبوء بها.

فالأحمق الذي يلهث وراء أكاذيب الأضواء والاستغلال الإعلامي، ويكتشف هشاشة مبادئه يكتشف قيمته الحقيقية في النهاية، بل يعود طالبًا الغفران ممن ظلمهم، بل الأدهى أن يعطي الكاتب للضحايا حق رفض الغفران، هذا يجعل النهاية رومانسية جديرة بالأفلام القديمة.

هذا غير الأخطاء اللغوية والنحوية التي لابد أن تكون مبررة نظرًا لأن النسخة التي نراجعها هنا؛ هي نسخة إلكترونية لم تدخل دار نشر، وبالتالي لم يعمل عليها مصحح لغوي لتصحيح الأخطاء، ولكن طالما كان هذا هو خيار الكاتب، فكان من اللازم أن يجد طريقة لمراجعتها لغويًا. فلا يصح أن يحمل الغلاف -حتى لو كان إلكترونيًا- خطأ نحويًا مثل الهمزة التي تزين كلمة انتحار في غير موضعها!.

إجمالًا؛ فالرواية جيدة جدًا، خاصة أنها أولى روايات الكاتب «محمد جمال»، الذي استحق أن يكون كتابه عن خيبة الأمل غير مخيب للأمل.