يري البعض أن للضحك غرضين: الفكاهة و السخرية، والفكاهة تعني المزاح وطريف الكلام، بينما السخرية يمكن القول إنها مزيج من الضحك والهجاء بهدف النقد أولاً والإضحاك ثانيًا.

اعتاد الناس أن يعبروا عن غضبهم بالسب والعراك وكانت صورة الوجه المتجهم هي الأكثر تعبيرًا عن الغضب أو الثورة إلا أن ذلك تحول بفضل مهارة السخرية، التي وجدها البعض أكثر إيلامًا من الوسائل التقليدية إذ هي طريقة غير مباشرة في الهجوم علي الخصم لذا تحتاج ذكاء وجرأة لا يمتلكها كل الناس،كما أنها تعبير وإن بدا بسيطًا أو عفويًا، إلا أنه يحمل بين طياته عمقًا ورؤية تحليلية وموقفًا إزاء القضية موضع السخرية.

ويصعب تحديد وقت معين لارتباط السخرية بالسياسة إذ يبدو أنهما متلازمان منذ وقت مبكر لكن ما يسهل ملاحظته هو تطور السخرية خاصة تلك المرتبطة بالسياسة لمركزيتها في حياتنا، ولأن الأمور لا تنفصل عن بعضها فالسياسة تتصل بالاقتصاد وبعلم الاجتماع والدين وغيرها من الموضوعات فكذلك تصل السخرية إلى كل تلك الجوانب المتصلة.


السخرية سلاح ثوري

النشطاء الجيدون مثل مقدمي الكوميديا الجيدين، فقط عليهم أن يتمرنوا على اكتساب بعض المهارات.
بوبوفيتش – أحد نشطاء الثورة الصربية

يتناول بوبوفيتش في كتابه «Blueprint for revolution – شفرة الثورة» في فصل كامل السخرية التي يسميها laughtivism ، يقول إن السخرية «من أهم العوامل التي يجب على النشطاء الاعتماد عليها وأنها لعبت دورًا كبيرًا في تغيير الأنظمة المستبدة حديثًا» .

ويضرب عدة أمثلة على ذلك منها الربيع العربي حيث يشير إلى مظاهر المزاح المتعددة التي شهدها ميدان التحرير والتي فاجأت المشاركين أنفسهم حيث يبدو أن بعض النشطاء كانوا يعرفون جيدًا ما يفعلون.

دائما ما يحاول الديكتاتور إحالة نفسه بهالة من التقديس والزعامة لذلك ما تفعله السخرية أنها ببساطة تفسد خطته تلك وتجعل من هذا الزعيم أضحوكة أي تزيل هيبة الديكتاتور من قلوب الناس، كما أنها بنفس الطريقة تكسر حاجز الخوف وتضاعف من ثقة الناس في أنفسهم وهو ما يؤيد قول الشاعر الألماني جوته «السرور يولد القوة».


السخرية السياسية في مصر

هكذا تحول الأمر من نكات يتداولها الشعب سرًا تهزأ من الحاكم وسياساته إلى برامج تليفزيونية مطولة مخصصة لهذا الأمر، بطبيعة الحال ظهرت تلك البرامج بداية في البلاد التي تتمتع بسقف عال من الحرية تتقبل هذا النوع من النقد اللاذع، وانتقلت بعد ذلك إلى البلاد التي شهدت تغييرًا سياسيًا مثلما حدث في دول الربيع العربي بعد 2011.

أشهر تلك البرامج «THE DAILY SHOW» الذي قدمه الأمريكي جون ستيوارت على مدار أكثر من عشر سنوات متناولاً الحياة السياسية في بلاده بكثير من الكوميديا والسخرية من السياسيين الذين كان يعتقد أنهم يخدمون أنفسهم أكثر مما يخدمون أوطانهم.

في مصر ورغم كون المجتمع ذا طبع محافظ نسبيًا، إلا أن تجربة باسم يوسف الشبيهة بستيوارت والتي ظهرت بعد الثورة حظيت بمتابعة كبيرة لكن نتيجة الظروف السياسية اللاحقة وعودة القمع لم يتحمل النظام الجديد هذا النوع من البرامج فتم الضغط من أجل إلغائه .

لكن تجربة أخري ظهرت فيما بعد وهي «أبلة فاهيتا» الدمية التي تسخر من أمور عديدة وإن لم تكن السياسة من أولوياتها، والبرنامج يأتي مقتبسًا الفكرة الفرنسية : «les guignols de l’info– دمى الأخبار » وهي نفس الفكرة التي يقوم عليها البرنامج التونسي الساخر «الحبيب ميقالو –MEGALO SHOW».

في المقابل تبدو السوشيال ميديا ساحة أكثر سعة للسخرية وأسهل استخدامًا وأقل تكلفة، كما أنها أبعد قليلاً عن ملاحقة السلطة و إن لم تسلم هي الأخرى من القمع فمثلاً تم اعتقال عدد من الشباب عرفوا باسم «أطفال الشوارع» لبثهم برنامجًا ساخرًا قبل أن يتم الإفراج عنهم لاحقًا حيث لقوا تعاطفًا ودعمًا كبيرين من الجمهور.

كذلك انتشرت صفحات «SARCASM– السخرية» بصورة كبيرة وتزايد الإعجاب بها ومتابعتها من قبل الجمهور حيث يصل عدد إعجابات صفحة Asa7by sarcasm society وهي من أكبر صفحات السخرية في مصر إلى ما يقرب من 14 مليون معجب.


الإخوان أيضًا يعرفون السخرية

تبدو السوشيال ميديا ساحة أكثر سعة للسخرية وأسهل استخدامًا وأقل تكلفة، كما أنها أبعد قليلاً عن ملاحقة السلطة

الإخوان ليست مجرد تيار سياسي يميني أو تيار ديني محافظ، ولكنه أيضا تنظيم اجتماعي كبير يبدو له سمات ومحددات خاصة به جعلته في بعض الأحيان مثار إعجاب من المجتمع وفي بعضها الآخر مثار رفض.

صفحة Ikhwan Society الساخرة أنشأها شباب من الإخوان للتعبير عن هذا المجتمع وكسر صورته النمطية بأسلوب ساخر و حازت إعجاب أكثر من 90 ألف متابع

تبدو الصورة النمطية عن أعضاء الإخوان كونهم أناس جديين لا يكثرون الضحك والهزل فضلا عن السخرية، ويعتقد متبنو هذه النظرة أن مصدرها هو التدين الإخواني الصارم وهو الأمر الذي له جذور حقيقية في جزء منه حيث يقول حسن البنا في وصيته الخامسة للإخوان : «لا تكثر الضحك فإن القلب الموصول بالله ساكن ووقور» وهو المعني الذي تؤيده آيات وأحاديث في الإسلام تنهي عن كثرة الضحك والسخرية من الآخر.

إحدى نتائج الثورة كانت خروج جماعة الإخوان للنور وعودتها للعمل العلني بعد سنوات طويلة من العمل السري تحت القمع الذي سرعان ما عادت إليه مع محاولات سحق النظام لها من جديد، لكن تلك المدة كانت كافية لأن يسعى شباب من الإخوان للتعبير عن أنفسهم وتقديم صورة شفافة عن جماعتهم.

المثال الذي سنطبق عليه هذه النظرة هي صفحة Ikhwan Society الساخرة والتي أنشأها شباب من الإخوان للتعبير عن هذا المجتمع وكسر صورته النمطية بأسلوب ساخر والتي حازت إعجاب أكثر من 90 ألف متابع.

يتناول الشباب في هذه الصفحة مجتمع الإخوان من الداخل بداية من مرحلة الأشبال والزهراوات وهو الاسم الذي تتعارف عليه الجماعة في إشارة للأطفال.

https://www.facebook.com/Ikhwan.Society/photos/a.918005408243339.1073741828.917543681622845/1264064146970795/?type=3&theater

مرورا إلى «الأسرة» وهي أصغر وحدات الجماعة وأهمها، فهي الوسيلة التربوية الأساسية انتقالا إلى العلاقة بين الأفراد والقيادات وكذلك التأثر بالأحداث السياسية والقمع الذي يتعرضون له وليس آخر عرض لجوانب اجتماعية يحياها أعضاء الجماعة.

كل ذلك يتم تناوله بأسلوب ساخر حتى إن بعض أعضاء الجماعة لا يقبله ويتهم القائمين على الصفحة بأنهم يبتعدون بها عن إطار وآداب التنظيم.

ولعل أهم ما تتناوله الصفحة هو العلاقة بين الأفراد وقيادة الجماعة حيث تظهر حالة من تذبذب الثقة في المنشورات التي تسخر من تصريحات أو سياسيات للقادة مثل السخرية من القنوات الإعلامية للإخوان والتصريحات المتكررة عن صحة مسار الجماعة وقرب سقوط النظام.

https://www.facebook.com/Ikhwan.Society/photos/a.918005408243339.1073741828.917543681622845/1291189794258230/?type=3&theater

إلا أنه يمكن القول إن الجماعة تعيش حالة تمرد غير مكتمل بين نقد لاذع للقيادات وللمسار ولكل شيء وفي نفس الوقت عدم رغبة في انهيار الجماعة أو مغادرتها إلى مشاريع أخرى.

هذه الحالة من التردد تظهر في المنشور التالي وهو مشهد من فيلم «عسل أسود» لنقاش حاد بين شاب ومسن عن مصر ليظهر أن نفس النقاش الذي تعيشه مصر يعيشه الإخوان داخليًا.

https://www.facebook.com/Ikhwan.Society/photos/a.918005408243339.1073741828.917543681622845/1267941319916411/?type=3&theater

تبدو المنشورات الأكثر تفاعلاً تلك التي تسخر من الواقع الأليم الذي يحياه أفراد الجماعة بفضل القمع الموجه ضدهم، السخرية من الاعتقال والتحقيق والتعرض للتعذيب وكذلك الفرار للخارج وغيرها مما يعيشه أفراد الإخوان يوميا.

https://www.facebook.com/Ikhwan.Society/photos/a.918005408243339.1073741828.917543681622845/1285350878175455/?type=3&theater
https://www.facebook.com/Ikhwan.Society/photos/a.918005408243339.1073741828.917543681622845/1292676804109529/?type=3&theater

السخرية ليست تنكيتًا ساذجًا على مظاهر الأشياء، ولكنها تشبه نوعًا خاصًا من التحليل العميق
ناجي العلي

ينبغي تشجيع كل مبادرة من أي فصيل أو مجموعة يقترب بها من العلنية والانفتاح على المجتمع بدلاً عن الانعزالية والتقوقع للداخل الذي دائمًا يكون له تأثيرات سلبية على كلا الطرفين.

فمثل تلك المبادرات تخدم المجتمع حيث يمكن له أن يتعرف بصورة أكثر شفافية علي ما يثيره الفضول لمعرفته أو ما يتوجس منه وكذلك تستطيع المجموعة بهذه الطريقة تقديم نفسها بصورة تعبر حقًا عنها كونها جماعة بشرية بحتة لا ملائكية ولا شيطانية، صورة بها الكثير من التفاصيل والمشاعر، الأمر الذي من شأنه إحداث حراك وتفاعل داخلي فضلاً عن التفاعل مع المجتمع ينتج عنه بالضرورة تطويرًا وتغييرًا لإحداث مزيد من الإندماج.