لابد من وجود جماعة صادقة في دعوتها إلى الله، جماعة تقطع كل صلاتها بكل شيء سوى الله وطريقه، جماعة تتحمل السجن والتعذيب والمصادرة، وتلفيق الاتهامات، وحياكة الأكاذيب، وتقوى على الجوع والبطش والحرمان والتشريد، وربما القتل والإعدام، جماعة تبذل الأرواح رخيصة، وتتنازل عن الأموال بالرضا والخيار.

بهذه الكلمات تفوه المودودي في مجلة ترجمان القرآن داعيا مسلمي الهند للانضمام للجماعة الإسلامية، ولكن كما يقولون ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، فأفكار المودوي التي نجحت في خلق وإنشاء حركات إسلامية في مختلف بلدان العالم، فشلت في أن يكون لها موضع وتأثير هام في الهند، فما هو واقع الجماعة الإسلامية الهندية اليوم؟.


المودوي؛ النشأة والحراك

ولد السيد أبو الأعلى المودودي في العام 1903 بإحدى مدن الجنوب، قبل تحرير بلاد الهند من الاحتلال الإنجليزي بأربعة عقود، نشأ وترعرع شابا متحمسا للفكر الإسلامي مستنكرا الهجمات المتوالية على الإسلام من قبل سلطة الاحتلال الإنجليزي والمجموعات الهندوسية والسيخية المتطرفة. وعلى الرغم من نشأته في منطقة يمكن أن تدعى دار الإسلام لكونه تحت حكم نظام حيدراباد، إلا أنه كان يعلم أن معظم البلاد تحت الاحتلال وسوف تشهد مستقبلا مختلفا عن ماضيها الإسلامي ربما منقسما في دولتين.داخل هذا الإطار والواقع المتشائم تفوه المودودي بصوت غريب وشعار غير مألوف لدى الناشطين السياسيين المسلمين وغير المسلمين على حد سواء، وبدأ في كتاباته ومقالاته يعارض مشروع الدولة الهندوسية، وعارض بشدة مشروع الدولة المسلمة الذي كان من المخطط أن يكون على أساس وطني وليس على أساس قيم إسلامية في رأيه.صار شعار المودودي لا يوافق أي مشروع سياسي براغماتي في ذلك الوقت، فقام رجال الدين الإسلامي وعلى رأسهم التابعين للمدرسة الديونبدية والذين كانوا في الغالب ينتمون إلى حزب المؤتمر العلماني تحت زعامة غاندي وجواهر لال نهرو بمعارضة المودودي.لما نشر المودودي كتابا «مسئله قوميت» قضية الوطنية ردا على موقف الشيخ حسين أحمد المدني، وصل الجدل إلى قمته حتى قال الدكتور محمد إقبال مستنكرا الشيخ المدني:المسلمون في العجم لا يعرفون أسرار الدين. إذ قال أبو الحسن من ديوبند شيئا غريبا:من المنصة يدعي أن الملة من الوطن، كم عديم الخبر هو عن مقام المحمد العربي.فهكذ تأسس العدوان بين ديوبند و المودودي و جماعاتهم الذي استمر من خلال شن الفتاوى ضد المودودي و كتاباته و جماعته، على الجانب الآخر تنتقد العديد من زعماء الحركة الإسلامية في الهند وعلى رأسهم «محمد علي جناح» المشروع الإسلامي الذي قدمه المودوي بداعي أنه غير منطقي في حالة الخلافات الحادة القائمة بين زعماء حركة الاستقلال خاصة بين غاندي وجناح.فتميزت دعوة المودودي لكونها ضد فكرة «القومية المتحدة» المدعومة من «ديوبند» و«الوطنية المسلمة» المدعومة من قبل «محمد علي جناح»، فلفت الانظار و جذب القلوب بدون استشعار الطوفان القادم و الدامي في هذا الخطاب السياسي و الخلاف الديني، فقام السيد أبو الأعلى المودودي بتأسيس الجماعة الإسلامية في عام 1941 لإقامة دولة إسلامية وليس دولة مسلمة، فانضم كثير من العلماء و المثقفين و الصحفيين كالشيخ أبو الحسن الندوي و الشيخ منظور أحمد نعماني الذين كانوا من أول الملبين لدعوة المودودي ولكن تنحيا بعد عام وانضما إلى صفوف علماء ديوبند.


تقسيم الهند والفشل الأول لمشروع المودودي:

مثل تقسيم الهند أول فشل للمشروع الإسلامي الذي كان يتبناه المودودي، فسارع إلى باكستان مع عدد كبير من قادة الحركة الإسلامية ورجال الدين وأسس هناك «الجماعة الإسلامية» في عام 1947. ونظرا لوجود عدد قليل من أتصار الجماعة بالهند أعلنوا تأسيس الجماعة الإسلامية بالهند في العام 1948.لم تختلف الجماعة الإسلامية بباكستان عن غيرها من الحركات الإسلامية في الدول العربية والإسلامية في تبني الخطابات الشعبوية و الشعارات المتحمسة خاصة ضد سياسة الهند، لكن الجماعة الإسلامية بالهند كان لها موقف مغيار، حيث أنها وجدت أمامها طريقا غير مألوف وشارعا لم تمر به أي حركة إسلامية من قبل، وكان من أهم التحديات أمامها أن تتخذ خطابا مختلفا عن خطاب المودودي في باكستان.


الجماعة الإسلامية بالهند

بقيت آراء المودودي هي المصدر الأهم لتعريف النطام الإسلامي المطلوب و تنكير النظام الجاهلي الذي يشمل النظام العلماني و الشيوعي والرأسمالي والجمهوري. و لكن الجماعة الإسلامية بالهند كانت على علم بأن إقامة الدولة الإسلامية لا يمكن إحداثه بدون تغيير جذري في حياة الفرد و المجتمع الذي سينتج في دولة إسلامية.فقررت تغيير شق من دستورها بحيث أصبحت تهدف لإقامة الدين بدلا من إقامة دولة إسلامية؛ بدافع أن مصطلح إقامة الدين مصطلح قرآني و مصطلح أكثر شمولا و تتساعا لعملية التغير التدريجي من الفرد إلى الدولة، فوافق المودودي. ولكن هذا التغيير رغم تخفيفه ضغط المواجهة المباشرة مع الدولة الهندية العلمانية الحديثة، إلا أن الجماعة لم تنج من المشكلات والصدامات.حيث دخلت الجماعة في معركة أيديولوجية داخلية بين أعضائها خاصة معضلة تعامل الحركة الإسلامية مع الدولة العلمانية التي اعتبرها المودودي طاغوتا لا يجوز التعاون معه أو المشاركة بأي صورة في مؤسساتها، إلى جانب هذا جاءت الاستقالة من الوظائف الحكومية و التنحي عن الوظائف المضادة للرؤية الإسلامية كشرط كبير لكل أعضاء الجماعة، و كذلك اعتبرت الجماعة أن المشاركة في السلطة التشريعية من خلال البرلمان والدخول لمعترك الحياة الانتخابية شركا لكون حق التشريع لا يمكن انتقاله من الله إلى الإنسان أو البرلمان بوصفه مؤسسة تشريعية؛ ومن ثم رفضت المشاركة في العملية الانتخابية، باستنثاء المشاركة في انتخابات البلديات بحجة أنها لا تتدخل في المهام التشريعية للدولة [*].على الجانب الآخر يعد الشيخ صدر الدين الإصلاحي من أهم المفكرين بعد المودودي، ولعبت كتاباته دورا كبيرا في إثبات آراء المودودي وتركيز الخطاب الإسلامي حول تغيير النظام. ولم يوجد للشيخ أبو الليث الإصلاحي الندوي أول أمير للجماعة تأثير كبير؛ لكونه كان يركز على العملية الدعوية بين غير المسلمين والعملية الإصلاحية و التعليمية بين المسلمين، فاستمرت العقود في عزل مفروض ذاتيا و لم يدخل في الجماعة إلا عدد قليل من المسلمين في الهند، وصارت مدرسة ديوبند و علماؤها و مؤسساتها مدرسة رائدة في الحقل الديني و السياسي، ولم تترك ديوبند فرصة إلا أن هاجمت الجماعة الإسلامية وحرمت على المسلمين المشاركة في نشاطات الجماعة، وتنحى العديد من الجمهور الإسلامي الهندي عن الجماعة الإسلامية هناك والتحقوا بالجماعات الإسلامية التقليدية التي كانت تتعاون مع الأحزاب السياسية المختلفة آنذاك.هكذا فشلت الحركة الإسلامية الهندية في إنتاج فكر شامل وبراجماتي للسياسة العلمانية والمسلمين- الفقراء والأميين منهم- ودفعت ثمنا باهظا للفشل من إقصاء سياسي واقتصادي وثقافي للمسلمين، إلى أن واجهت الحركة الإسلامية هناك تحديا داخليا جراء الانشقاق والضغط من قبل الجيل الجديد ودعوته لإصلاحات داخلية لتصحيح المنهج وكتابة فكر إسلامي هندي من جديد.ختاما، الجماعة الإسلامية كسائر الحركات الإسلامية تبنت منهجا متشددا وترتب عليه توقف الحركة عن الخروج بقرارت مصيرية مهمة. وعلى الرغم من أن هناك العديد من الأعضاء بالداخل كانوا يطمحون إلى الإصلاحات، إلا أن تلك النقاشات استمرت نحو خمسة عقود دون جدوى ولا نتائج فعلية.هكذا ترعرت ونشأت الجماعة الإسلامية في الهند لا يعرفها أحد في العالم ولا يوجد لها وزن في الأوساط السياسية والاجتماعية –نعم-، لكن تقديرها بالأساس يعود لكونها جماعة المودودي التي وقفت ضد الشيوعية في باكستان وساعدت في نشر الإسلام السياسي في مختلف أنحاء العالم.


هوامش:[*] على الرغم من تبني الجماعة الإسلامية في الهند هذا الموقف الإقصائي، إلا أن الجماعة في باكستان كان لها موقف مغيار حيث قبلت الدخول لمعترك الحياة الانتخابية وترشيح ودعم «فاطمة جناح» شقيقة «محمد على جناح» في الرئاسة ضد الدكتاتور العسكري «أيوب خان» في العام 1965، ولكن جراء التزوير الانتخابي من قبل الجيش آنذاك خسرت في الانتخابات التمهيدية.[*] الجزء الثاني يناقش الجدل الداخلي في الجماعة الإسلامية و مسار الجماعة إلى غير المعلوم.