أيها الشعر.. يا أيها الفرح المختلس

هكذا كانت تهتف «عبلة الرويني» الزوجة، الحبيبة، والصديقة كلما أخبرها «أمل» بأنه انتهي من خلق قصيدة جديدة، ولهذا رأت دائما وحتى النهاية أن «الشعر» كان سيد بيتهما وكان بديل أمل عن الانتحار. هذا الرجل القادم من صعيد مصر، بكل ما فيه من «فوضى» ظل رمزًا للرفض والثورة حتى بعد عقود من وفاته. في صباه نشأ متدينًا لا يترك فرضًا ويلقي خطب الجمعة في المساجد، وفي شبابه مال بشدة إلى الماركسية والوجودية لكن ظل يحمل القلق الميتافيزيقي دائما رافضًا يقينية الشرائع والأفكار، باحثًا دومًا عن الحقيقة والاطمئنان الكامل. تقول عبلة أن شعره كان حافلًا بالعصيان والتحدي وليس الإنكار، فهو لا ينكر الله أساسًا ولكنه يخاطبه، يبحث عن الإجابة لسؤال صعب لم يجده أبدًا.

ومتى القلب في الخفقان اطمأن.

هذا البحث، وهذا التحدي رافقه «فقدٌ» اختبره أمل منذ الطفولة حينما مات والده ليشب رجلًا قبل الأوان، وليصحبه قناعٌ من الغلظة والشدة ظل متمسكًا به فلم يزحه إلا قليلون لامسوا روحه، واليوم نتحدث عنهم في ذكرى رحيله، بدلًا من حديث معتاد في مثل هذه الأيام عن المشانق والزنازين والمدافع التي تصطف على الحدود ولا تطلق النيران، إلا حين تستدير للوراء. والرصاص الذي ندفع فيه ثمن الكسرة والدواء ولا يقتل الأعداء ولكنه يقتلنا، إذا رفعنا صوتنا جهارًا.هذا الموت الذي كتب عنه أمل،هذا الظلام الذي نختبره فوق رؤوسنا الآن، لم يفقده لحظةً عشقه للحياة، لأنه لم يختبر لحظةً فقدان ذاته وضياع نفسه، وهكذا يجب أن نكون.


حين تكونين معي أنتِ.. أصبح وحدي.

تحكي عبلة عن لقائها الأول بأمل حينما كانت في بداية عملها بجريدة الأخبار وأرادت أن تجري حوارًا مع هذا الشاعر المعارض فحذروها من غلظته وسوء أدبه ولكنها لم تلتفت لذلك وذهبت إليه في مكانه بمقهي «ريش» واستمرت في التوافد على المقهي لأيام متتالية في الصباح ولا تجده، حتى أخبرها أحد العاملين به أن أمل لا يظهر إلا مساءً، حينها قررت أن تترك له رسالة تطلب منه فيها برقة بالغة أن تلتقيه لإجراء حوار صحفي.يقوم أمل بعد ذلك بتصال هاتفي لتحديد الميعاد الأول بينهما بمقهي «دار الأدباء» بشارع القصر العيني، وفي اللقاء الثاني يعود بها إلى «ريش» وحينما تشعر بعدم الراحة في المكان نتيجة زحامه وعدم ملائمته لإجراء حوار صحفي يشير عليها بالذهاب لمكان آخر أكثر هدوءًا، هذا المكان كان «بار» فندق كوزمو بوليتان. كتبت عبلة بعد ذلك أن هذه كانت المرة الأولى لها في الدخول لمقهي والذهاب لبار وإجراء حوار مع مصدر يتناول البيرة أثناء حديثه.كان أمل مغرقًا في وحدته في تلك الأيام، لدرجة أنه صرح فيما بعد بأنه كان يقضي في سينمات القاهرة ساعات طويلة متتالية أثناء النهار ليس حبًا في الأفلام ولكن لأنه كان يجد في ظلام السينما راحةً ومهربًا.في موعدهما الرابع فاجأها أمل دون مقدمات بقوله «يجب أن تعلمي أنك لن تكوني أكثر من صديقة». فردت عبلة بنفس العدوانية وأخبرته «أولًا أنا لست صديقتك، كما أنني لا أسمح لأحد بتحدبد مشاعري متى تتزايد أو تتناقص، إنني وحدي صاحبة القرار ». اقتحمته بتلك الإجابة فعاد خطوتين إلى الوراء وانطلق في حديث حقيقي عن نفسه وعن بحثه الدائم عن الاطمئنان وممانعته الدائمة للسماح لأحد بامتلاك روحه وعلاقاته التي حرص دائما أن تتسم بالرفض خوفًا من أن يظهر للناس منه لينٌ أو ضعفٌ. انتهت المقابلة بأن مد يده ليصافحها ثم قال: «هل أراك غدا؟» فردت «بالتأكيد لقد أحببتك».تحكي عبلة بعد ذلك عن تلك اللحظة فتقول:

إنها المرة الوحيدة التي رأيته فيها مرتبكًا بالخجل ومضى دون أن يعلق بكلمه واحدة.

مثلت القاهرة ضاغطًا إضافيا على توتر تلك العلاقة، فعرفت عبلة بعد فترة أنه يلتقيها في «ريش» لأن ذلك يسمح له بتأجيل دفع «الحساب» أو تقسيطه، كان أمل فقيرًا لا يقبل أن يلامس الفقر روحه، وكانت عبلة من عائلة برجوازية أنهت دراستها الجامعية بعد أن تتلمذت على يد راهبات الفرانسيسكان، فيما لم يستطع أمل أن يكمل دراسته بكلية الآداب فغادرها في عامها الثاني.كان «الشعر» موطن قوته وقد عرف ذلك فلم يتخلَّ عنه حتى مماته، وكانت كلماته غارقةً في أحلام جيله ومشاكل مجتمعه فلم يبتعد عنها، احتقر الحلول الوسط والطبقات الوسطى. ويومًا ما وبينما هو منطلق في حديث عن مشاكل المجتمع والاقتصاد والسياسة نبهته عبلة أنها تحدثه عن الحب وليس عن كل هذا فرد عليها:

إنني أتكلم عن صميم علاقة الحب بك، إنني أتكلم عن ثمن كوب الشاي الذي لا بد أن أدعوك إليه،إنني أتكلم عن ثمن علبة سجائري التي لا بد من توافرها معي حتى لا أستعير سجائرك، إن يحيى الطاهر عبد الله يغضب حين يرى معي علبة سجائر كاملة، إن علبة السجائر ليست فقط رمز ثراء بيننا بل هي إشارة إلى ثراء مريب يستدعي غضب قصّاص كبير كيحيى. إنني أتكلم عن الوصول إلى موعدك عبر مواصلات عامة خانقة لا بد من توافر ثمن تذاكرها، إنني أتكلم عن الجوع الذي يحاصرني يومين، فأنام هاربا منه، ثم أستقيظ للقائك. إنني لا أتكلم عن المجتمع لكنه، يصر على أن يحضر معي للقائك.

أهداها في عام 1976 قصيدته «مقابلة خاصة مع ابن نوح»، وأخبرها أنها أول قصيدة يكتبها لها. فتعجبت وأخبرته أنها قصيدة غارقة في الترميز للأحوال الاقتصادية والسياسية السيئة التي تمر بها مصر، فكيف تصبح لها فرد عليها:

كيف؟ إنك صلبها الأساسي، لقد استطعت أن تعيدي لي الإحساس قويًا وجميلا بالوطن، إن سطورها الأخيرة هي أنتِ بالتحديد.

عرف أمل السعادة أخيرًا في وجود عبلة بجواره. صارت القاهرة تعرفهما دائما متلازمين، في المقهي، في الشارع، في الأتيليه، في الندوات، وسط الأصدقاء، في المسارح، في دور السينما. بدوا كصديقين أكثر من زوجين، بل خرجا على أشكال الزواج التقليدي حين صار الشارع بيتهم يقضيان فيه أكثر مما يقضيان داخل المنزل. كانت عبلة تتلقى تحذيرات من سوء سمعته في بداية تعرفهما كما كانت تتلقى ردودًا تسخر من هيئته أمامها حتى أن اثنين من الرجال مشيا وراءها في أحد الأيام ليغنيا بصوت مسموع «الغراب يا واقعة سودة»، ولكنها بين كل هذا كانت تتعجب لأنها كان تراه أكثر جمالًا منها، والأكثر حضورًا بين الجميع. عاشا سويا بين منزل وآخر، يتنقلان بمجرد عجزهما عن دفع الايجار، تنتهي مدخراتهما فيخرج أمل لاقتراض بعض الجنيهات من أحد أصدقائه ليشتري به ما يسد جوعهما ولا ينسى رغم ذلك أن يحضر لها قالبا من الشيكولاتة. لم يقبل أبدًا أن يلمس الفقر روحيهما ولم يقبلا أبدًا أن يفقدا السعادة بعد أن وجداها. أثناء جلسات العلاج الكيميائي لم يجد «أمل» سوى كلمات «صلاح جاهين» التي تغنى بها «عبد الحليم حافظ» في الستينيات لتعزيته عن آلامه، كانت عبلة تجلس بمواجهته وتمسك أحيانا بقلم أسود وورقة بيضاء في محاولة لرسمه (وهي لا تجيد الرسم) لكنها كانت نوعًا من إلهاء أمل عن السموم التي تخترقه في هذه اللحظة. يسألها أمل وهو يبتسم:

ما الذي تفعلينه بعد موتي؟ فترد وهي تحاول إيجاد الشبه بين رسمتها ووجهه: لا شيء، مثلما تفعله أنت بعد موتي.

كان «أمل» كما قلنا يبحث عن الاطمئنان الكامل وكان يردد دائما أن الضعيف لا أصدقاء له، بينما القوى يتزاحم حوله الأصدقاء وأن حسابات القلب لا تعني الصداقة ولكن حسابات العقل، لذا كانت صداقاته أقرب إلى ائتلاف عقلي، حوار مستمر وجدالات طويلة وعلى الرغم من ذلك ظلت له صداقات معقدة انتصرت فيها حسابات القلب فربما تفصله الأماكن والسنوات عن صديق ويظل أغلى الأصدقاء، وربما يختلف مع صديق على المستوى الفكري ويظل محافظا على علاقة الود معه.

حرص أمل الشديد على عدم إيضاح علاقاته إذا غاب الفهم فيها، فهو شخص لا يعرف طرح الأسباب. ولا يعرف أشكال العتاب والثرثرة العاطفية، إنه فقط يحب ويكره في قلبه الصامت دون إفصاح ودون تحديد ظاهر. وكانت أكثر هذه العلاقات تعقيدًا صداقته هو والقاصّ والروائي «يحيى الطاهر عبد الله».

كانت صداقتهما أقرب إلى الاشتباك الذي تتخلله فترات هدنة قصيرة، جمعهما الإخلاص للإبداع والرؤية الكاشفة والتقاط أدق التفاصيل، وحرصهما على أن يكون كل منهما نفسه. سكنا معًا لشهر واحد بفندق «الخليج» بشارع طلعت حرب، أطلق عليه أمل شهر العذاب، فلم يكن يحيى يسمح لأمل بالهدوء لحظة واحدة. إنه يعلن وجوده بصورة صارخة طوال اليوم، ويحول دون الصمت الذي يعشقه أمل. وانتهى الأمر بأن فرّ كلاهما سريعا.

كانا دائما الشجار والغضب، ولكن بشكل عجيب حافظا فيه على صداقتهما حتى أنه يقال أنهما كانا في أحد المقاهي وتشاجرا فسب «يحيى» «أمل» فغادر أمل المقهي غاضبًا ثم أرسل صديقًا آخر ليجلس مع يحيى كي لا يجلس غاضبًا وحيدًا، وكان أمل يرفض أن يُذكر «يحيى» أمامه بسوء أيا كان مصدره، في حين أن يحيى كان دائم التصريح أنه صاحب الحق الحصري في سب أمل ولا يحق لأي شخص غيره أن يفعل المثل. كانا قريبين لدرجة أن عبلة كتبت يوما أنها كانت تشعر بأن يحيى ينافسها معها على حب أمل. زار «يحيى» أمل في مستشفى العجوزة عند إجراء الجراحة الأولى التي خضع لها أمل لاستئصال الورم السرطاني في عام 1979 وسأل عبلة في عصبية:

لماذا ينبغي أن يموت أمل، بينما يظل (أولاد الكلب) أحياء

وبكى. ولم يأتِ مرة ثانية. مات يحيى في حادث سيارة في العام التالي ورفض أمل الاشتراك في كل مراسم غيابه، لم يسأل عن الأسباب، لم يتكلم في تفصيلات الموت، لم يثرثر «بشكل عاطفي» حول يحيي كما كان يفعل الجميع.«إن يحيى خاص بي وحدي» قالها وبكى. كتبت عبلة بعد ذلك أنها كانت المرة الأولى التي ترى فيها دموع أمل.

ليت أسماء تعرف أن أباها صعد لم يمت هل يموت الذي كان يحيا كأن الحياة أبدْ؟

جاءت «أسماء» ابنة يحيى في اليوم التالي تحمل رسمًا ملونًا لأمل خارج السرير في حديقة مليئة بالزهور علقها أمل على الحائط بجواره.


حينما التقت عبلة بأمل في البداية سألته عن السؤال المطروح في شعره فأجاب:«السؤال المطروح، الحرية والحق والجمال، والحرية تأخذ الأولوية لأن الحق مرتبط بتحقيقها، والجمال نتيجة لتحققها» وفي النهاية.. في الثامنة صباح السبت 21 مايو كتبت:
كان وجهه هادئًا وهم يغلقون عينيه، وكان هدوئي مستحيلًا وأنا أفتح عيني.